حتى الآن، لم يتدخّل احد لعرقلة سير «الفضيحة» الجديدة في ملف تلزيم عقد المعاينة الميكانيكية لشركة SGS بأكثر من 440 مليون دولار على 10 سنوات. الوقائع تشي بوجود متورطين كثر، من مجلس الوزراء الى لجنتي التلزيم والخبراء، مروراً بوزارة الداخلية وهيئة إدارة السير وادارة المناقصات... اضافة الى مجلس شورى الدولة الذي ردّ طلبات وقف التنفيذ، التي تقدّمت بها الشركات المتضررة، بذريعة ان الامر بات من اختصاص القضاء الاداري بعد توقيع وزير الداخلية نهاد المشنوق على التلزيم. بعض الشركات ينوي استكمال المعركة القضائية، ليس في لبنان فحسب، بل في اوروبا ايضا بحسب مصادر احدى الشركات. المصادر رأت ان الرهان يبقى حاليا على رفض ديوان المحاسبة الموافقة على تلزيم العقد لـ SGS بعدما انكشف فارق الاسعار الكبير بينها وبين الشركات التي استبعدت قبل فتح العروض المالية لاسباب مشكوك بصحتها. شركة «فال» (الملتزمة الحالية) تقول إن سعرها يوازي نصف سعر الشركة الفائزة، فيما تؤكّد شركة «جودة» ان اسعارها اقل حتى من ذلك! هذا الفارق الهائل في الاسعار سيتحمله المستهلكون، الذين ستُفرض عليهم زيادة بنسبة 50% على تعرفة معاينة سياراتهم، وكذلك على الشاحنات والدراجات النارية وغيرها من الاليات الخاضعة للمعاينة الميكانيكية الالزامية. لا تنحصر «الفضيحة» هنا، فالمسار الذي سلكته المناقصة منذ اطلاقها يرسم شبهات لا تحصى ولا تعدّ


أثارت مناقصة المعاينة الميكانيكية شكوكاً كثيرة بأن لجنتي التلزيم والخبراء قدّمتا الفوز لشركة SGS على طبق من ذهب. مصادر الشكوك عديدة، أبرزها استبعاد ثلاث شركات عن مرحلة فضّ عروض الأسعار بذريعة عدم تأهل عروضها الفنّية. إلا أن اثنتين من الشركات المستبعدة كشفتا لـ«الأخبار» عن تقديمهما أسعاراً أقل من سعر الشركة الفائزة، بما يتجاوز النصف، وقدمّتا طعوناً في إجراءات التلزيم ولجأتا الى قضاء العجلة في مجلس شورى الدولة لوقف التنفيذ. وتؤكّد شركة «فال» إن السعر الذي قدّمته يوازي نصف سعر شركة SGS، أي أقلّ بنحو 220 مليون دولار، فيما كشفت شركة «جودة» أن سعرها ادنى من ذلك، وهو سيمثّل مفاجأة عندما ستكشفه.
في 28 تموز الماضي، أقفلت لجنة تلزيم مناقصة «تحديث وتشغيل محطات المعاينة الميكانيكية القائمة وبناء وتجهيز وتشغيل محطات جديدة» محضر جلستها الأخيرة، معلنةً فوز تحالف شركات SGS ــ Autospect ــ Securitest ــ Auto securite france بمبلغ 44.012 مليون دولار سنوياً لمدّة 10 سنوت، اي اكثر من 440 مليون دولار. وجاءت النتيجة بعد استبعاد لجنة الخبراء الفنّية ثلاث شركات هي «دنش ــ OPUS»، «فال ــ ديكرا ــ سوبال ــ ERI» و«جودة ــ APPLUS» في المرحلة الفنّية قبل فتح الأسعار. الذريعة أن الشركات الثلاث قدّمت «عروضاً جزئية» تستوجب الاستبعاد بالاستناد إلى المادة 23 من دفتر الشروط التي تتيح استبعاد العروض التي تسجّل عليها ملاحظات جوهرية. الا ان مصادر الشركات تتحدّى اللجنة كشف ملاحظاتها «الجوهرية» مقارنة بملف الشركة الفائزة، وتؤكّد أنها ملاحظات شكلية كان يمكن معالجتها بالاستفسار عنها ببساطة، بحسب ما تنص عليه مواد اخرى في دفتر الشروط. وتتهم المصادر اللجنة بأنها كانت تسعى منذ البداية الى استبعاد الشركات التي تتوقع ان تعرض اسعارا اقل من الشركة المطلوب فوزها. وتطرح مصادر احدى الشركات المستبعدة علامة استفهام كبيرة حول نيّات اللجنة التي لم تستبعد «VIVAuto» رغم ان دفتر الشروط ينص بوضوح على عدم جواز مشاركتها بصفتها «استشاريا» في عقد المعاينة الميكانيكية السابق.
وتسجّل الشركات المستبعدة مفارقتين اساسيتين كافيتين لتحويل المناقصة إلى فضيحة كبرى؛ الأولى تتعلق بالسعر. ففور إعلان فوز SGS، تبيّن للشركات المستبعدة أن أسعارها كانت أقل بكثير من سعر الشركة الفائزة. يوضح رئيس مجلس إدارة شركة «فال» وليد سليمان أن عرضه المالي تضمن سعراً يوازي نصف سعر SGS، رافضاً طريقة احتساب السعر كما وردت على أساس عدد ثابت طوال السنوات العشر المقبلة، بل إن الطريقة التي يعتقد أنها صحيحة هي عدد المعاينات المتاحة لا عدد المعاينات المنفذة، وبالتالي يجب أن تكون كلفة المعاينة الميكانيكية للسيارة الواحدة هي العنصر الأساسي للاحتساب ما يرفع إيرادات المعاينة الميكانيكية لدى SGS إلى أكثر من 60 مليون دولار سنوياً. اما مصادر شركة «جودة»، فأكّدت لـ «الأخبار» ان سعرها جاء أقل من نصف سعر شركة SGS طوال فترة العقد على 10 سنوات.
وبحسب قراءة مصادر متابعة، ليس هناك ما يبرّر الفارق الكبير في الاسعار إلا الفساد والرشى السياسية المدفوعة لقنص هذه المناقصة. إذ إن كلفة الخطوط والإنشاءات والموظفين وسواها معروفة وواضحة لدى الشركات التي شاركت في المناقصة «وهذه الشركات هي الأفضل عالمياً ولا يمكن الطعن بصدقيتها. المبالغ الإضافية تذهب لتمويل السياسيين والرشى والفساد».

رسوم المعاينة الميكانيكية سترتفع من 22 الى 33 دولارا

في المقابل، تبرر مصادر SGS سعرها المرتفع بأن الكلفة الإجمالية تتوزّع على عدة عناصر هي: عدد الموظفين، الإنشاءات الجديدة لنحو 13 مركز معاينة، تجهيزات المعدات، تجهيزات المعلوماتية، تحديث 4 مراكز منشأة سابقاً، المبلغ المدفوع للشريك الأجنبي، الكلفة المالية، الرسوم والضرائب المفروضة من الدولة على المعاينات الميكانيكية. «كل هذه الأكلاف تتوزّع على خطوط المعاينة. بعض الشركات رأى أنه يمكن التوفير في بعض الخطوط وتوابعها والتخفيف من هذه الأعباء على السنوات العشر المقبلة، لكننا نعتقد أن هذا الأمر سيؤدي إلى كارثة في تقديم الخدمات الفنية. لقد حددنا 96 خطاً للمعاينات و650 موظفاً، فيما هناك شركات حدّدت 79 خطّاً و422 موظفاً. الأكلاف ستكون مختلفة وهذا أمر طبيعي».
غير أن مصادر شركة «جودة» تدحض هذه التبريرات، وتشدد على «أن كل ما ورد لا يبرّر وجود فارق في الاسعار يتجاوز 20 مليون دولار في السنة»، مشيرةً إلى أن «الأمر سينعكس على الأسعار التي يدفعها المستهلك».
مقرّبون عن وزير الداخلية نهاد المشنوق ينقلون عنه أن الفرق في السعر يعزى إلى التقييم الفني «فمن يقول إن خيار الدولة هو الخدمات الفنية المتدنية مقابل سعر أدنى! نريد خدمة معقولة وبكلفة منطقية لأننا إذا وافقنا على المعادلة السعرية فقط من دون الأخذ في الاعتبار الشقّ الفني، نكون عندها ندفع ثمناً بخساً لخدمات بخسة». ولذلك يعتقد المشنوق أن موضوع الأسعار «مرتبط بالخيارات. الشركات المعترضة أبلغتني ذرائعها وأمامها القضاء للاعتراض».
لكن مقاربة الوزير تحتاج الى تدقيق. فالحديث هنا عن «خدمة» بسيطة وسهلة تسمى «معاينة ميكانيك سيارة». وبحسب هذه المقاربة سيفرض على المستهلك تسديد كلفة اضافية للايفاء بسعر الشركة الفائزة. فبحسب عرض شركة SGS سترتفع تعرفات المعاينة على النحو الآتي:
ــــ رسوم المعاينة الميكانيكية للسيارة من 22 الى 33 دولاراً (8 دولارات للخزينة).
ــــ رسوم المعاينة على المنافذ البحرية والبرية من 100 الى 120 دولاراً على كل سيارة (20 دولاراً للخزينة).
ــــ رسوم المعاينة على الشاحنات من 58 الى 79 دولاراً (17.2 دولارا للخزينة).
ــــ رسوم المعاينة على الدراجات النارية من 7 دولارات الى 13 دولاراً (4.5 دولارات للخزينة).
ــــ رسوم المعاينة التأكيدية حددت بنحو 25% من رسوم المعاينة الأساسية ونصفها يذهب للخزينة.
ما هو ثابت في دفتر الشروط أن حصّة الدولة محدّدة مسبقاً على أساس 800 ألف معاينة (على أساس ما هو منفذ فعلياً خلال السنوات الماضية)، وعلى اساس 35 ألف معاينة للشاحنات، و30 ألفاً للدراجات، و37 ألفاً للسيارات على المنافذ البرية والسياحية، تتبعها 1500 معاينة لكل من الشاحنات والدراجات النارية. أما المعاينات التأكيدية فتبلغ 400 ألف للسيارات السياحية، و35 ألفاً للشاحنات و7 آلاف للدراجات. ومجموع ما ستحصل عليه الدولة من إيرادات الرسوم وضريبة القيمة المضافة هو 11 مليون دولار سنوياً فقط.
المفارقة الثانية التي سجّلتها الشركات المعترضة تتعلق بطريقة استبعادها من قبل لجنة الخبراء وموافقة لجنة التلزيم على هذه الخطوة المخالفة لدفتر الشروط. وتؤكد الشركات المستبعدة أن الهدف من استعمال المادة 23 من دفتر الشروط هو منع كشف الأسعار خوفاً من المقارنة التي ستظهر وجود فرق كبير في الاسعار يبرّر الاتهامات الموجّهة بوجود تواطؤ وسوء النيّة وتفصيل دفتر الشروط على قياس الشركة الفائزة.
وما يعزّز وجود سوء النيّة، أن مجلس شورى الدولة رد طلبات وقف التنفيذ المقدّمة من شركتي «جودة» و«فال» بذريعة أن الملف أصبح خاضعاً للقضاء الاداري بعد توقيع المشنوق على العقد مع الشركة الفائزة. وبالتالي، على المستبعدين التقدّم بمراجعة إبطال الملف من أساسه.
بحسب المراجعة التي قدمتها «جودة» امام مجلس شورى الدولة، فإن لجنة التلزيم خرقت مبدأ المساواة في جلسات فضّ العروض الأولية وأخضعت «جودة» للفحص على مدى 6 ساعات. واستمر الإخلال بمبدأ المساواة في مرحلة التدقيق الفني، إذ تخلّت لجنة التلزيم عن صلاحياتها للجنة الخبراء «وبرزت هيمنة لجنة الخبراء على لجنة التلزيم بقبولها العروض أو رفضها دون الرجوع للجنة التلزيم. وتبين الإنصياع الكامل للجنة التلزيم لهذا الواقع دون أن ينص دفتر الشروط على أي مادة تجيز للجنة التلزيم تفويض صلاحياتها للجنة الخبراء... أي إن لجنة التلزيم اكتفت بالقيام بدور ساعي بريد ينقل التقارير ونتيجة فض العروض المالية المقبلة إلى إدارة المناقصات». وطلبت «جودة» إبطال تقرير لجنة الخبراء «لأن هذه اللجنة غير مسؤولة وغير موجودة قانوناً إلا كمساعد للجنة التلزيم». ولفتت إلى أن لجنة الخبراء لم تعتمد معياراً موحداً للحالة الواحدة، «فمثلاً عند مقارنة التقرير الفني الخاص بتجمع شركات «جودة» مع تجمع شركات ضومط نجد أن التقرير لم يعتمد معياراً موحداً ولم تترتب ذات النتيجة على النقاط الآتية: مواصفات البناء، كاتالوغات المعلوماتية وهيكلية نظام المعلوماتية وتجهيزات المعلوماتية».
وكان لافتاً أن لجنة التلزيم وافقت بسرعة على تقرير لجنة الخبراء فيما كان عليها «حرصاً على قواعد المنافسة والمساواة أن تمنح العارض الفرصة لاستكماله عرضه، واذا تخلّف يكون اقتراح اللجنة برفض العرض مبنياً على مبررات جديّة». وبحسب الطعن، فإن لجنة الخبراء «زعمت أن العرض لا يتضمن مواصفات البناء كما هي محدّدة في دفتر الشروط، لكن هذه المزاعم غير صحيحة، إذ إن الجداول المرفقة بالملفين الفني والمالي تشير إلى أن المساحة الإجمالية لكل بناء جديد توازي 840 متراً مربعاً ضمن مساحة المركز النموذجي بمساحة 500 متر مربع، والخرائط المقدمة من قبلنا هي على المقياس ومدوّن عليها بوضوح المقاييس الأساسية بما فيها مساحة كل غرفة أو مستودع أو حمّام.
المخالفة الفاضحة أن لجنة الخبراء منحت شركة ضومط علامتين إضافيتين من دون الإشارة إلى مبررات وأسباب التعديل في العلامات، وقد تبيّن أن «شركة ضومط وVIVAuto الممثلة بالسيد ناجي عويس وتستّراً الآن بالسيد ضومط، متعاقدة مع الدولة اللبنانية منذ 14 عاماً لتقديم الاستشارات لمحطات الفحص الفني للمركبات الآلية وهي تشرف على أعمال المشغل الحالي وتقديم الاستشارات للوزارة بما في ذلك إعداد دفاتر الشروط وهذا ما يخالف دفتر الشروط».
على هذا الأساس، طلبت «جودة» إلزام لجنة التلزيم بالاطلاع على تقرير لجنة الخبراء وملاحظات الشركة واتخاذ القرار بقبول عرضها فنياً وفتح عرضها المالي.
في السياق نفسه، يقول ممثل شركة «فال» وليد سليمان إن «التواطؤ في هذه المناقصة واضح وصريح، وذلك من خلال التعتيم على فضّ عروض السعر والاستبعاد خلال مرحلة التقييم الفني السخيفة. ليس لديهم حق استبعاد أحد في هذه المرحلة، فالشركات المشاركة في المناقصة هي من أهم الشركات العالمية في مجال المعاينات الميكانيكية».




ملاحقات حول العالم

تتداول وسائل إعلام أجنبية باخبار الملاحقات التي تتعرض لها شركة SGS السويسرية في أكثر من بلد في العالم. في المغرب، قالت وسائل إعلام محلية أن الشركة غُرّمت بسبب عدم قدرتها على تنفيذ عقد مع الحكومة المغربية، وفي باكستان اتهمت الشركة بالرشوة والفساد مقابل الحصول على عقود مع الحكومة، إلا أن القضاء الباكستاني أصدر حكمه في قضية «الكسب غير المشروع» المرتبطة بالشركة السويسرية SGS، وأعلن براءة المتهمين وبينهم الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري. وبحسب وسائل إعلام باكستانية، فإن النيابة العامة فشلت في إثبات التهم التي وجّهت منذ 13 عاماً. الادعاء قال يومها إن هناك مفاوضات بين الشركة والرئيس الباكستاني على عقد معالجات ما قبل الشحن، وتبيّن أنه يؤدي إلى منح الرئيس «مزايا مالية» واتهموا بتلقي الرشى من خلال حسابات مصرفية في الخارج.