عاد موسم الألعاب الأولمبية، هذه المرة في عاصمة تناقضات الجنوب في ريو دي جانيرو. عادت بالطبع مع الاصوات الساذجة ذاتها التي تدافع عن الرياضة والتنافس الشريف وضرورة إبعاد السياسة عن الألعاب. لكن الرياضة عموماً، والألعاب الأولمبية خصوصاً، مشبعة بالرموز السياسية والثقافية، بل ربما بأسوأ أشكال التسييس: تنافس الهويات الوطنيات الموهومة في أجواء استهلاكية محض برعاية شركات الرأسمال المعولم الكبرى ذاتها.

دورة الألمبياد في ريو هذا العام، جاءت متخمة بالفضائح والصراعات السياسية قبل أن تبدأ. البرازيل نفسها - الدولة المنظمة - تعيش مرحلة تفسخ سياسي غير مسبوق، بين رئيسة يسار متهمة بالكذب ورئيس يمين تزكم الأنوف رائحة فساده، مدفوع من الأميركي لإسقاط أكبر دول أميركا الجنوبية في يد النيوليبرالية من جديد. في ظل هذا التفسخ، فإن عشرات العائلات أجليت من مساكنها من أجل التحضير للأولمبياد. تفيد تقارير صحافيّة بأن أكثر من ٢٦٠٠ شخص قتلوا على يد قوات الأمن في منطقة واحدة منذ ٢٠٠٩، وهم يقاومون أوامر الإخلاء لأجل إقامة الحديقة الأولمبية. أسعار العقارات في المدينة المكتظة أصلاً بالسكان زادت بما يقارب ٧٠ في المئة، مما يجعل قطاعات أوسع من سكان المدينة خارج معادلة المساكن أصلاً (الحمد لله أن بيروت لن تنظم ألعاباً أولمبية قريباً) والحلول البيئية المؤقتة التي تكافح الحكومة لتوفيرها وقت الألعاب ستتسبب في مشاكل أوسع للمدينة التي تعد من أسوأ المدن بيئياً في العالم.

«إنها مسرحية استعراضية» كما قال مرة رولان بارت

ثم أتت قضية تعاطي المنشطات. تبين أنّ الرياضيين الروس يتناولون المنشطات ضمن برنامج سري ترعاه الدولة. وكادت التوازنات الدولية تتفجر عندما أوشكت اللجنة الدولية لمكافحة تعاطي المنشطات على منع الرياضيين الروس من المشاركة في الأولمبياد. بوتين تدخل بنفسه وهاجم «المحاولات لإدخال ألاعيب السياسة في الألعاب الرياضية». وبالطبع، تم التوافق على طريقة لإرضاء الروس، لكن من الواضح أن قضية المنشطات لا تتعلق بروسيا وحدها، بل أصبحت فناً متقدماً تتنافس فيه الدول الكبرى لضمان فوز رياضييها وتكريس سمعتها الدوليّة (هل تذكرون فريق نجوم الكيمياء المتقدمة الذي كان وراء الدرّاج الأميركي لانس آرمسترونغ؟). في دورة بكين الماضية، فإنّ ٢٣ من أصل ٣٠ حالة تم التأكد من تعاطيها للمنشطات وكانت لفائزين بميداليات، علماً بأن الفحوص مستمرة حتى الآن ولم يحدد الرقم النهائي للحالات بعد! الحكومات غير معنيّة بالرياضة. تريد الفوز بأي ثمن في مهرجان صراع الوطنيات البرجوازية الفارغ، وهي من دون شك تضع أفراد فرقها الرياضية تحت كل الضغوط مباشرة أو غير مباشرة للحصول على الميداليات. الحكومة البريطانية مثلاً تنفق على فرقها الرياضية بنسبة ترتبط بقدرتها على إحراز الميداليات الذهبية - لا شيء آخر. وهكذا، فإن رياضة شعبية ممتازة مثل كرة السلة تراجعت ميزانيتها في الأولمبياد من ٩ ملايين جنيه إسترليني سنوياً إلى الصفر لأن الفريق البريطاني لن يحصل على الذهب في وقت قريب، بينما تضاعف الإنفاق على رياضة الدراجات الفرديّة النخبوية لأن الدول التي تتنافس فيها قليلة وحظوظ الذهب البريطانية مهمة.
لكن الأخطر من ذلك كله هو الرموز الثقافية التي توظف في الألعاب الرياضية من حفل الافتتاح، إلى الدول المشاركة وأخيراً أزياء اللاعبين. من برلين إلى موسكو ومن لوس أنجليس لبكين. ماذا تتوقعون؟ مثلاً في أولمبياد لندن في٢٠١٢، أدرج المخرج داني بويل لوحات عدة عن إنجازات الشعب البريطاني. إحدى اللوحات تضمنت ممرضات بالزي الأبيض يمثلن هيئة الصحة الوطنية التي هي آخر ما تبقى تقريباً من مؤسسات عامة في البلاد لا تخضع للقطاع الخاص. تعرض بويل لهجوم شديد، واعتبر بعضهم أن افتتاح ألعاب لندن كان يسارياً أكثر من افتتاح ألعاب بكين برعاية الحزب الشيوعي الصيني. وهكذا فإن الافتتاحات دائماً ساحة لحروب الرموز الثقافية بين الوطنيات المتنافسة والترويج للقوميات. آخر الإضافات في اللعب السياسي كان فريق اللاجئين. استقطبت لاعبة سوريّة قيل إنّها لاجئة للمشاركة في منافسات السباحة لتوجيه مزيد من الضغوط على نظام بلادها. أمر لم يجرؤ أحد عليه من قبل، لكنه قد يفتح الباب لمماحكات مستقبلية واستقبال فرق من المعارضة في الدول التي تقاوم الهيمنة الأميركية!
الصورة الرمز لأولمبياد ريو ليست فتاة البوركيني المصرية التي تلعب كرة الشاطئ مع فتيات البكيني الإيطاليات. هذا استشراق بائس. الصورة الحقيقية هي للسيدة الفقيرة التي ألقت من بلكونتها في بيتها البائس سطل ماء قذر على حاملي الشعلة الأولمبية في أحد شوارع ريو دي جانيرو، فكادت أن تطفئها.
الأعلام والنشيد الوطني ودعم الحكومات هي التي تتنافس في هذه المهرجانات الرياضية العالمية، لا الرياضيين الأفراد، والمستفيدون دوماً هم ذات المجموعة من شركات الإعلان والاستهلاك المعولم والحكومات الفاشية.
الرياضة ليست رياضة، «إنها مسرحية استعراضية» كما يقول أستاذ الرموز الثقافيّة الأهم رولان بارت. متى قلتم موعد المونديال المقبل؟