لم يكد يمر شهران على تسلم مجلس بلدية طرابلس مهامه حتى استُبدلت أماني الطرابلسيين بالانتقادات، تلتها موجة من الاستهجان وصلت عند البعض إلى حد سحب الثقة مبكراً، ليس بسبب عدم اتخاذ أي قرار جدّي يسهم بالحدّ من تدهور أحوال المدينة فحسب، إنما بسبب الإصرار على ملفات موروثة عن المجلس السابق ردّها المحافظ لإعادة النظر فيها لشبهة الفساد. من تلك القرارات، القرار المتعلق بمناقصة تزفيت غبّ الطلب بمبلغ ناهز المليار و800 مليون ليرة، كان المجلس نفسه أوقفها في جلسة سابقة لسعرها المبالغ فيه ومواصفاتها المتدنية، ولورود معلومات عن سمسرات فيها تتعدى الـ 200 مليون ليرة، بحسب تصريح أعضاء من المجلس. وكان من مبررات رفض الصفقة أيضاً عدم وجود كشف مفصّل بحاجة المدينة من الزفت ليتم التلزيم على ضوئه، فالتلزيم في حال إتمامه لا يمكن الرجوع عنه ويجب تنفيذ ما لا يقل عن 90% منه. كما أن البلدية ستكون مُجبَرة على دفع 75 % من قيمة التلزيم خلال عام، ما يعد إرهاقاً للميزانية، إضافة إلى عدم إمكانية تنفيذ رقابة على التنفيذ!


رفض ثم إقرار

رفض الصفقة 12 عضواً وتغيّب عضوان من أصل 24، وطالبوا بإعداد دفتر شروط جديد ومناقصة جديدة. لكن تلك المطالبة لم تُتَوج بقرار مطبوع، فقد ترك الرئيس الجلسة مفتوحة لإتاحة الفرصة للمزيد من الدراسة. في هذا الوقت، ادّعى المتعهد أن المجلس أراحه من صفقة خاسرة، ثم عاد وعرض التنازل عن مبلغ 100 ألف دولار كمقابل لإتمام الصفقة، بحسب المصدر. بعد أيام قليلة وافق المجلس على التلزيم بمبلغ مليار و800 مليون و933 ألف ليرة، بموافقة 20 عضواً واعتراض ثلاثة وتغيب واحد بداعي المرض.
جاء القرار بعد تسريب معلومات عن ضغوطات مورست على أعضاء المجلس المعترضين، منها ما هو سياسي ومنها ما هو مادي، إذ قيل إن مبلغ 100 ألف دولار عُرض على بعضهم ووُجِه بالرفض. تم تبرير الموافقة بأن الصفقة جيدة بالمواصفات الحالية بعد أن فُرِض على المتعهد تغيير نوع البحص المستخدم من البلدي إلى العرسالي، والاتفاق على شراء خدمات مهندس استشاري على نفقة البلدية مقابل نسبة مئوية من قيمة الالتزام لمراقبة أعمال المتعهد والاستلام منه. يعلّق أحد المقاولين على هذا التبرير بأن «الاتفاق لا يمكن تطبيقه عملياً، إذ لا يمكن معرفة نوع البحص بعد غليه مع الزفت والقيام بالتزفيت، إضافة إلى أن البحص العرسالي يتم استخراجه من جرود عرسال، وهذا ما يستحيل الحصول عليه في الوقت الحالي نظراً للظروف الأمنية في المنطقة، وإن توفر ستكون تكلفته أكثر بخمس مرات من سعر البحص البلدي، فمن سيتحمل فرق السعر؟ بالتأكيد ليس المتعهد». يضيف مقاول آخر انه «في الواقع لا يمكن للاستشاري مراقبة كافة أعمال التزفيت على الأرض، إنما يتم كيل الأمتار وسماكة الزفت، إضافة إلى بعض الأمور التقنية وهي أهم بكثير من نوع البحص الذي لا يشكل فرقاً يُذكر"، لافتاً الى ان "مراقبة أعمال التنفيذ أحد مهام مصلحة الهندسة في البلدية، ما يدفع للسؤال: هل هو باب آخر للهدر والتنفيعات؟». هذا التساؤل أبرز جانباً آخر من القضية، فالمهندس المُعين في مصلحة الهندسة كمراقب على تنفيذ المشاريع بواسطة مجلس الخدمة المدنية، محال منذ سنوات لقسم متابعة مخالفات البناء، التي لا يستطيع اتخاذ أي إجراء بشأنها بطبيعة الحال، ويشغل مكانه موظف غير متخصص، ليس مهندساً!

الاتفاق غير مُلزم

من الناحية القانونية للاتفاق، لا يمكن إلزام المتعهد بما لم يرد في دفتر الشروط الذي رست عليه المناقصة، ولتغيير المواصفات يجب إجراء مناقصة جديدة ضمن الروتين الإداري المعروف، الذي يبدأ بإعداد دفتر شروط جديد بواسطة مصلحة الهندسة ثم بأخذ موافقة رئيس وأعضاء المجلس البلدي، ليُحال بعدها إلى المحافظ ومن ثم إلى ديوان المحاسبة. لم تحصل هذه العملية في التغييرات التي "فُرضت" على المتعهد، وبالتالي أي كلام عن اتفاق بتعديل أو تغيير المواصفات هو غير ملزم قانوناً للفريقين، المتعهد والبلدية، فكيف سيكون الإلزام وكيف ستتم المحاسبة وهل تمت سابقاً؟

7 مليارات.. أين؟

في الواقع، لم تحصل محاسبة في أي ملف سابق، وخاصة في ملف الزفت رغم كل ما أثير حوله من شبهات على مدى السنوات الماضية. فصفقة الزفت هذه ليست الأولى التي تثار الشكوك حولها، إذ سبقها تلزيم بقيمة 5 مليارات و600 مليون ليرة بداية عام 2015، وحجز لها المجلس البلدي حينها احتياط مبلغ 3 مليارات و400 مليون ليرة. آنذاك، حالت بعض التدخلات دون رسو التلزيم على السعر الأولي الوارد في دفتر الشروط، فأُقصي متعهدون متوقع تقديمهم السعر الأدنى، بحسب تصريح أحد المتعهدين المتضررين، ما دفعه إلى التقدم بشكوى إلى المدعي العام حينها، وتم اعتماد الحد الأدنى المُقدّم من أحد المتعهدين الدائمين للبلدية والبالغ 5 مليارات و600 مليون ليرة. لم يكد يمضي ثلاثة أشهر على ذلك التلزيم، حتى أعلن رئيس البلدية السابق عامر الرافعي، فور تسلمه مهامه، زيادة قيمة التلزيم 25% لتصبح 7 مليارات ليرة من دون أي تبرير، سوى أن المبلغ السابق غير كاف!
من المفترض أن يمتد التلزيم الذي انطلق في أيار 2015 حتى أيار 2017، وقد أضيف له قرار آخر في شباط 2016 لحجز احتياطي بغية شراء مادة الزفت لتأهيل الحفر في المدينة بقيمة 70 مليون ليرة.
كل هذه المليارات صُرفت ولم تلحظ المدينة أي تغيير في شوارعها المحفرة. بعض الشوارع تم تزفيت بقع منها ثم جُرفت ولم يعد تزفيتها من دون معرفة السبب، كما أن مشاريع البنية التحتية تغزو معظم شوارع المدينة وتتضمن دفاتر شروطها التزفيت بعد الانتهاء من أعمال الحفر والتمديدات، ما يطرح تساؤلاً كبيراً لدى المواطنين: أين تقع تلك الشوارع التي تم تزفيتها بسبعة مليارات ليرة؟
هذا السؤال سبق وأن حمله ناشطون للمجلس البلدي السابق مرات عدة من دون الحصول على إجابة، ويُضاف إليه سؤال آخر: لماذا لا تملك المدينة كشوفات تفصيلية بالحاجة الفعلية للزفت مع جدولة برنامج زمني يراعي الميزانية؟ وعلى أي أُسُس تُحدّد الحاجة؟
يروج بعض أعضاء المجلس البلدي همساً، كأحد مبررات الموافقة على الصفقة الأخيرة، بأن الصفقة الأولى، ذات السبعة مليارات، تم تحويلها لبلدية البداوي بناء على ضغوطات مارسها المحافظ رمزي نهرا على رئيس البلدية السابق عامر الرافعي قبيل تسليمه منصبه، وهو ما لم نتمكن من الحصول على رد من المحافظ بشأنه.




زفت انتخابي

يقول أحد المطلعين أن قرار المجلس البلدي الأخير (صفقة المليار و800 مليون ليرة) أتى بعد اجتماع 13 عضواً من "لائحة القرار" بوزير العدل أشرف ريفي (عراب البلدية) قبل الجلسة بيومين. فقد تمنى ريفي عليهم الموافقة على التلزيم تمهيداً للانتخابات النيابية القادمة، خاصة أن تزفيت شوارع مناطق التبانة والقبة، ذات الكثافة في الأصوات، ستحدث فرقاً في الانتخابات. في حين صرح مصدر آخر بأن الوزير ترك الأمر لهم لاتخاذ الخيار المناسب عندما علم بتحفظهم، ولكنهم اختاروا إقرارها كردّ للجميل لدعمهم في الانتخابات البلدية.