■ لو ترشح فياض يمكنه الفوز بالرئاسة

■ للسلطة عمل منهجي في القضاء على المقاومة
■ التحالفات الإقليمية هدفها القضاء على القضية

■ رحيل «الختيار» أبو عمار، ومن بعده جورج حبش، خلّف فراغاً لناحية القائد «الرمز» بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني. اليوم من بقي للفلسطينيين؟

بقي للفلسطينيين أنفسهم! لكن ذلك لا ينفي أنهم قادرون على إنجاب قادة، سواء من الميدان أو الطلائع، أو الذين يعتقدون أنهم سيخدمون الوطن ويواجهون العدو. إذا عدنا قليلاً إلى الوراء نجد أن ذلك حقيقة، برغم أنه يأخذ بعض الوقت، فالمرحلة ما بعد النكبة ألغت قيادة النكبة وما قبلها (ثورة الـ36)، ولكن لم تنجب قيادة حقيقية إلا بعد سنوات، كذلك لم تأخذ موقعها الطبيعي إلا بعد 20 سنة من النكبة.
النكبة أسهمت فيها أنظمة عربية عدة كما أسهمت في إقامة إسرائيل، ومنها النظام الملكي في مصر، والنظام السعودي الذي كان العراب الأول لإسرائيل. كانت هذه صفقة مقابل أن يدعم البريطانيون آل سعود تحت علم الوهابيين للسيطرة على الجزيرة العربية، وكان هذا الدعم يعني خيانتهم للشريف حسين بدلاً من أن يصير «ملك العرب من خلال الثورة العربية الكبرى»، وأن يكون أولاده ولاة على باقي المناطق. تلك حقبة ولدت قيادة، وبعد النكبة زالت تلك القيادة.
لكن الشعب الفلسطيني، الذي بقي مصرّاً على العودة ومواجهة إسرائيل، استطاع أن ينجب قيادة جديدة، لم تستطع أن تمارس الكفاح المسلح إلا بعد هزيمة جديدة، جعلت الأنظمة العربية غير قادرة على منع الفدائي من العبور إلى فلسطين، لأنه منذ النكبة حتى النكسة لعبت الأنظمة العربية دوراً كبيراً في حماية إسرائيل بمنعها أي عمل فدائي من الممكن أن يقوم به الفلسطينيون والعرب ضد إسرائيل.

أبو مازن هو من يمنع وضع أي قضية لمحاكمة إسرائيل دوليا

الآن نحن نمر بمرحلة عصيبة، لكن سيأتي قائد. صحيح أنّ في العالم العربي جواً عاماً من الإحباط وشعوراً بأن الأمور انتهت إلى ما فرضته أميركا وإسرائيل وحلفاؤهما العرب، وهو أمر واقع سيستمر لبعض الوقت. كذلك إن القطاع الملتزم المواجهة، يشعر جزء منه باليأس نتيجة الهجمات المتتابعة لتحطيم قلب الأمة العربية، سوريا. هذا الشيء الذي نشهده هو هجوم الحلف بكامل أطرافه على الأمة العربية، لإنهاء قضية فلسطين. وهذا المعسكر الذي تدعمه الرجعيات في كل مكان، شن حربه التحطيمية للأمة، لكنْ هناك حشد لمواجهة ذلك. ربما تساءل البعض عن علاقة كل ما سبق بولادة قيادة فلسطينية جديدة. نتحدث عن هجمة قومية الطابع، لأن هناك تحالفاً عربياً ــ إسرائيلياً ضد فلسطين والقوى القومية العربية، ولكن هناك أيضاً تحالف على الصعيد الشعبي لمواجهة هذا المخطط، ومنه الذي يجري في فلسطين حالياً.
لنفترض أن الفلسطينيين واجهوا الفراغ، ولنفترض أننا واجهنا واقعاً لن يعود فيه رئيس السلطة، محمود عباس، موجوداً... وفق النظام الداخلي، هناك مدة معينة يتسلم فيها رئيس المجلس الوطني منصبه حتى تحدث انتخابات رئاسية، ثم يجب انتخاب مجلس تشريعي جديد. أساساً، نعيش في وضع غير شرعي، لأنه كان يجب أن تجرى انتخابات رئاسية وتشريعية منذ سنوات، لكن بما أن القانون غير ساري المفعول في فلسطين، وبما أن الدكتاتورية هي التي تحكم، وأقصد دكتاتورية الأخ أبو مازن التي يراها قانوناً، وتتجلى في سعيه الدؤوب إلى إنشاء محكمة دستورية، حتى يعطي تبريراً لتمديد ولايته الرئاسية. الأعمار في يد الله، وقد تأتي الانتخابات برئيس جديد، ومن الطبيعي أن يرشح عضو ما في اللجنة المركزية نفسه، كما من الطبيعي أن ترشح «حماس» زعيماً منها.

■ هل يمكن أن يترشح رامي الحمدالله... أو حتى سلام فياض؟

لو رشح سلام فياض نفسه يمكن أن يفوز بالرئاسة، لأنه يكسب احترام غالبية جيدة من الفلسطينيين، ولأنه حاول قدر الإمكان الحفاظ على حقوق الشعب. كذلك يمكن أن يأتي رامي الحمدالله رئيساً، فهو أيضاً يكسب احترام الشعب نتيجة جهوده لمصلحته. الاثنان كرئيسي وزراء، كل ما لم يستطيعا فعله هو نتيجة توقيف أبو مازن قراراتهما المتعلقة بمشاريع أعدت لمصلحة الشعب. الحكم الدكتاتوري لأبو مازن منع بلورة بدائل قيادية، وكلما كسب أحدهم (نتيجة موقفه) بعض الشعبية، يقصيه ويضعه جانباً. حتى في اللجنة المركزية، كل من يبرز ليصبح في يوم من الأيام مشروع قائد محتمل، يحاول إقصاءه. حكم الفرد هذا لا يمكنه الاستمرار، خصوصاً أن الفلسطينيين شعب ثائر، يصبر وينتظر ويهمل، لكنه لا يسكت عن حقه، لأنه شعب صنع ديموقراطيته بالبندقية، دافعاً دمه في سبيل نيلها.

■ منذ أشهر، تشهد فلسطين هبّة أفراد إذا أردنا تسميتها بعيداً عن العواطف، برأيك إلى أين ستقود هذه الحالة؟

الحقيقة أن معظم تلك العمليات نوع من رد الفعل الفردي نتيجة الاضطهاد والظلم، يعني ماذا ينتظرون من طفلٍ عمره أربع سنوات حرقوا أمه وأباه وأخاه الرضيع أن يفعل؟ هذا الطفل سيكبر ويعبأ كي ينتقم لعائلته. الوحشية والعنصرية الفاشية الإسرائيلية المتصاعدة تسخّر لها القوانين، فيصبح قرار في الكنيست قانوناً، مثل القانون الذي يجيز لجندي إسرائيلي إطلاق النار على طفل فلسطيني يحمل حجراً، أو القانون الذي يجيز محاكمة القاصرين أمام محكمة عسكرية، ثم ينفذون حكمهم بمجرد أن يبلغ 14 من عمره، بالإضافة إلى الاعتقال الإداري وهدم البيوت وغيرها من القوانين التعسفية التي تولد ردود فعل فردية... هذه الردود ستستمر ما دام هناك ظلم وقهر، وأيضاً تقصير من التنظيمات الفلسطينية التي لم ترتق حتى اللحظة إلى مستوى مواجهة التصعيد الإسرائيلي.

■ كيف يمكن تنظيم هذه الهبّة ليشارك فيها جميع الفلسطينيين، ولماذا لم نشهد تدخلاً فعلياً للتنظيمات؟

إن السلطة ورأسها يرتكبون أبشع جريمة بحق الشعب، فبالإضافة إلى التمسك بالمفاوضات الدونكيشوتية، هناك إهمال لقضية التأييد المتنامي في العالم الغربي وأوروبا تجاه الشعب الفلسطيني، الذي هو في الحقيقة صار كذلك من دون أي جهد من جانبها. هذه السلطة، التي يزداد بعض أفرادها ثراءً على حساب الشعب، يجب أن تضع برنامجاً، وترسل لجاناً إلى كل الدول الأوروبية للاتصال مع الجمعيات الحقوقية والإنسانية والتنظيمات الشعبية، من أجل تهيئة الأجواء لحركة شعبية عالمية ضد العنصرية الإسرائيلية. تماماً كما كان يُحاصر الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، يجب أن نحاصر الأبرتهايد في إسرائيل، وإذا كان أبو مازن غير قادر على مواجهة إسرائيل نتيجة لاختلال ميزان القوى، فليواجه إسرائيل في العالم.
التنظيمات تُسمعنا كلاماً ولا ترينا أفعالاً، لذلك نجد أن الشعب الفلسطيني اختار طريقاً ثالثاً. لا نحصر الموضوع هنا بالكفاح المسلح، لكن إذا استطاع أحد التنظيمات تسيير تظاهرة سلمية ضد الحواجز الإسرائيلية لإزالتها، فهذا الموضوع أكثر فعّالية، لكن بشرط أن يستمر ولا يتوقف مهما بلغت العنجهية الإسرائيلية، لأنه في النهاية سيقف العالم مع الشعب الفلسطيني، خصوصاً أن الجو مهيّأ لذلك. اليوم لا نقاتل وحدنا، بالطبع الدائرة الفلسطينية مهمة، لكن السلطة تمارس عملاً منهجياً للقضاء على أي عمل مقاوم عبر أجهزتها الأمنية والمخابراتية وتنسيقها مع إسرائيل.
أبو مازن نفسه قال في مقابلة مع القناة الثانية الإسرائيلية إنه منع 200 عملية فلسطينية، وإنه ضد الانتفاضة. إذا كان هذا هو موقف السلطة، فهذا يعني أنها عاجزة عن المواجهة، لكنها لا يمكن أن تواجه الشعب الفلسطيني عندما يتظاهر سلمياً، بل قد ينضم رجال الأمن إلى الناس، لأنهم لن يستطيعوا إطلاق النار على فلسطيني ينادي من أجل الحرية والاستقلال.
أتحدى أن يصوت الناس في أي بلدية بأكثر من 50% من الناخبين

■ أحرق الطفل أبو خضير ومن بعده عائلة بأبويها ورضيعها، لماذا تأجلت محاكمة إسرائيل، أليس التغاضي عنه ضوءاً أخضر للمستوطنين لتنفيذ جرائمهم؟

أبو مازن هو من يمنع وضع أي قضية لمحاكمة إسرائيل في محكمة الجنايات الدولية. أعتقد أن الإسرائيليين يهددونه، ولكن في أسوأ الأحوال فليعمل على صناعة رأي عام عالمي ضد القوانين اللاإنسانية، خصوصاً أن إسرائيل لا يوجد فيها دستور ولا قانون مكتوب. يجب أن يعرف العالم ذلك، والسبب أنها تريد إبقاء حدودها مفتوحة للسيطرة على مناطق أكثر والتمدد فيها. لا يمكن الاستمرار في ذلك من دون وضع حد لدولة تسطّر فيها الحكومات المتعاقبة قوانينها وفق ميولها وأهوائها السياسية.

■ كيف ستنعكس الانتخابات البلدية على الشارع، خصوصاً أنها تجري في ظل انقسام وأيضاً بمشاركة حماس، وهل فتح جاهزة لها؟

الانتخابات البلدية في فلسطين هي نوع من باروميتر يدل على توجه الناس، لكنه باروميتر غير دقيق. أساساً البلديات لا تقدم أي خدمات، وهناك فساد واضح في أروقتها. هذه المرة لن تكون الانتخابات مقياساً لتوجه رأي الناس. أتحدى أن يصوت الناس في أي بلدية بأكثر من 50% من الناخبين. السلطة دفعت الناس إلى الاهتمام بلقمة العيش ونسيان الأمور الثانية والمهمة، خاصة الحق في العيش الكريم على أساس حقوق المواطنة. وليست «فتح» وحدها غير جاهزة، بل باقي التنظيمات أيضاً... في النهاية من يحكم هو التزوير والغش.

■ هناك تحالف قوى بين إسرائيل ومصر والخليج، ويُعَدّ للمنطقة نظام إقليمي جديد. فما الذي ينتظر القضية الفلسطينية؟

أساساً لماذا هذا التحالف؟ ولماذا كل هذه الحروب لتفتيت العراق وسوريا، ومصر واليمن وليبيا؟ الجواب هو للقضاء على القضية الفلسطينية. إن نجاح بنيامين نتنياهو حدث لأن هناك فشلاً عربياً، وهو بزلات لسانه استبق نتائج المخطط، وأعلن أن الجولان إسرائيلي ولن يعود إلى سوريا، والضفة الغربية لإسرائيل واسمها يهودا والسامرة. لكن هناك تحالفات تمس دولاً أخرى خارج نطاق فلسطين التاريخية، خاصة الأردن. هل سمع أحدهم بنهر ذو ضفة واحدة؟ يجب أن نتابع جيداً ما يحدث في درعا جنوب سوريا، ونستذكر ما رد به الراحل حافظ الأسد على الإسرائيليين عندما قالوا إن الجولان شمال إسرائيل، فقال لهم إن فلسطين كلها جنوب سوريا، الذي يبدأ بدرعا والجولان والقنيطرة والسويداء. الآن هم يُعدّون لدرعا مخططاً شبيهاً بمخطط حلب الذي يريدون به انتزاع شريط شمالي من سوريا تحت الهيمنة التركية والأميركية والإسرائيلية، كي يكون نوعاً من الحاجز المانع في وجه أي سلطة سورية.
في الجنوب السوري دربوا آلافاً من أبناء العشائر من الأردن والسعودية والعراق وسوريا، ومدوهم بالسلاح تحت اسم جيش سوريا الجديد، بهدف إنشاء طريق بين درعا والقنيطرة تحت الهيمنة الإسرائيلية. هذا التحالف بالأساس هدفه القضاء على القضية الفلسطينية وتتويج إسرائيل قوة إقليمية تتحكم في المنطقة بوجه إيران. هذا التحالف يرى بالإسرائيلي صديقاً له، ويؤمن بأن للإسرائيلي الحق بأرض شعب عربي... لا نفرقه أبداً عن الصهاينة أنفسهم. والصراع واضح، صهيوني رجعي أميركي هدفه الهيمنة على المنطقة وثرواتها وإبقاء هذه الثروات منهوبة، وتحويل إيران إلى عدو بدلاً من إسرائيل. هم يحاولون خلق صراع جديد يحمي إسرائيل من ناحية ويقسم العرب من ناحية أخرى.

■ هل للمعركة في سوريا ارتباط بفلسطين؟

نعم، يجب أن لا تبقى علاقاتنا بحزب الله علاقة استحياء. ما يجري في حلب وفي القلمون وفي غوطة دمشق هو معركة فلسطين. هذه معركة كسر عظم بين المخطط الاستعماري لكل المنطقة التي نحن جزء منها. بل إن تفتيت سوريا هدفه المركزي ألا يبقى على حدود فلسطين أي دولة تقول "لا" لإسرائيل، بل يريدون دولاً تقول "نعم" وتتبع آل سعود الوهابيين.




تخرج من الجامعة الأميركية في بيروت عام 1967، وكان من بين القيادات الطلابية الناشطة سياسياً، وهو السبب الذي رحّل لأجله من لبنان قبل أن يعيده كمال جنبلاط. انضم إلى حركة القوميين العرب عام 1963. في العام نفسه، انضم إلى «شباب الثأر» ــ التنظيم العسكري للحركة. وفي 1965، انتخب عضواً قيادياً في الحركة، وبعد ثلاثة أعوام اختاره جورج حبش ووديع حداد ليكون عضواً في اللجنة الممهدة لإنشاء «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». استقال من «الشعبية» عام 87، ليصير بعدها مستشاراً خاصاً لياسر عرفات. عاد إلى فلسطين بعد عام من عودة عرفات، وما زال في الداخل بعيداً عن السلطة.