لا يزال الانقلاب التركي يتحكم بالأوضاع اللبنانية. وذلك بقبول واضح من غالبية القوى اللبنانية، وبارتباط أوضح للتطورات بين بيروت وجوارها.

اهتز عرش إردوغان ذات ليلة صيف من منتصف تموز. اكتشف الرجل لاحقاً، أو ظن أو تذرع، بأن الغرب كان متواطئاً، أو على الأقل متفرجاً أو متمنياً سقوط حكمه. فقرر السلطان الجديد تغيير قواعد أكثر من قرن من سياسات بلاده، والانكفاء غرباً والاتجاه شرقاً. ذهب إلى موسكو. فكانت بداية إعادة حسابات كل اللاعبين فوق الأرض السورية، وطبعاً على الأراضي اللبنانية.
ساعة كان القيصر الروسي يطرق أرض مكتبه منتظراً دخول السلطان المروض، كان كل المراهنين على تطورات حلب يضربون أخماساً بأسداس. النتيجة الدنيا للقاء سانت بترسبورج هدنة في الميدان. والهدنة العملانية لا يمكن أن تقوم إلا نتيجة هدنة في النيات والإرادات. أكثر من ذلك، بدا واضحاً أن شيئاً ما قد طبخ في ذلك اللقاء الاعتذاري بين ضفتي البحر الأسود. بدليل أن حركة مكوكية ناشطة ما لبثت أن أعقبته. زيارات متداخلة متشابكة بين موسكو طهران وأنقرة... ورابعتها الحاضرة في البال عاصمة الأمويين، وخامستها الجاثمة على الصدر: عاصمة الشمال السوري.
من بقي على الأرض هناك خلف من يقاتل حكم دمشق؟ عملياً وعلنياً طرف واحد: الخليج. حتى قطر بدت وكأنها انسحبت أو سُحبت، بعد زيارة تركية. لم يعد في المواجهة إلا السعودية، وفي الخلفية حسابات أميركية ملتبسة ملتوية متقاطعة متناقضة.
منذ اللحظة الأولى التي تلت الانقلاب التركي، ذهب جون كيري إلى موسكو. ربما ليبلغ شريكه في عملية جنيف، بألا يتسرع في استثمار الشغور الإردوغاني الحاصل في سوريا. لا شك في أن الأميركي قال لنظيره: صحيح أن الساحة الحلبية خلت لك الآن. لكن "نتمنى" عليك ألا تحاول فرض حل أحادي للصراع هناك. في كل الأحوال، كان واضحاً أن واشنطن لن تقبل بذلك. هنا انطلقت القراءات الإقليمية للحسابات الدولية الكبرى. اعتقد المتضررون من قمة لينينغراد سابقاً، أن إردوغان لن يجرؤ على الذهاب بعيداً في انعطافته. ثم إن الغرب لا يمكن أن يقعد متفرجاً على تبديل موازين منطقة أوراسيا بكاملها. بدءاً بخروج جيش أتاتورك من منظومة الأطلسي، بعدما تحول جيشه الوحيد في هذه المنطقة. فضلاً عن أن صراع الغاز الذي أشارت إليه القمة الروسية التركية، يمكن أن يشكل عامل تفجير أكبر لتلك القمة. فلا الخليج يمكن أن يسكت عن عزله عن خطوط أوروبا الغازية، مقابل ربط عدوته الكلية، إيران، بمسار السيل الروسي جنوباً. ولا أميركا يمكن أن تسلم بخسارتها معركة شرايين الدم الاقتصادي في العالم الجديد... وبالفعل لم تتأخر التطورات في تأكيد "النقزة"، على مختلف الصعد وفي معظم ساحات الصراع دفعة واحدة:
بعد أيام، تسارعت التطورات الميدانية في حلب، بعكس اتجاهات النصيحة الأميركية لموسكو. تقدم تحالف الروس على الأرض، حتى كاد ينجز طوقه القاتل هناك. لكن رد الفعل المعترض جاء فورياً. موجات من المسلحين، وبقيادة رمزية لمتشدد سعودي تحديداً، في محاولة لكسر الحصار. وفي شكل متزامن ولا يخلو من الدلالات، سقوط طائرة روسية جديدة، وبسلاح أميركي هذه المرة. في الكويت تعطلت المحادثات اليمنية وعادت لغة الحرب لتخيم سماء صنعاء. في بغداد تعددت اللهجات، بين إقفال ملفات الشركاء السنّة في حكم المركز، وبين عودة السجال حول كيفية مقاربة الموصل بعد إنجاز الفلوجة. حتى في أوكرانيا خطوة غير مسبوقة في توغل غربي ضد القرم الروسية، للمرة الأولى منذ رسو خطوط التماس هناك، على القبول بما فرضته موسكو... وفي بيروت، لم تكن الموجة مغايرة!
بالسرعة الانقلابية والمفاجئة نفسها، غاب سعد الحريري أو غيب ومعه أصواته. وصدح صوت فؤاد السنيورة، وحده ضد الجميع. ضد عون طبعاً. لكن أيضاً ضد حزب الله قطعاً. وصولاً إلى وقوفه ضد بري فعلاً، وضد الحريري ضمناً. حتى تمام سلام صار يتخطى ما يدور داخل الفريق الذي سمّاه في موقعه وعينه في مركزه. حتى راح ينظر لستة أو سبعة أسماء مرشحة لضرب الطرح الرئاسي الميثاقي الوحيد. حسابات اللهجة البيروتية المرتفعة، تقاطعت مع معلومات عن العطلة الصيفية الطويلة. ليس الحريري وحده من سيغيب. السفير السعودي أيضاً. في ظل معلومات عن أن عودته لن تكون قبل مطلع أيلول. ولمهمة محددة هي تسهيل معاملات الحج وشؤون الحجاج. بعدها قيل إن دبلوماسياً سعودياً آخر، مركزه حالياً في القاهرة، قد ينتقل إلى العاصمة اللبنانية، في مؤشر قرأه أهل الاعتراض، على أنه رسالة سعودية إلى طي الملف اللبناني في كل المرحلة المقبلة، وإعادته إلى درج أو رف أو مكان آخر أكثر قدرة على الانتظار الطويل الأمد...
هكذا بالإيحاء المباشر أو بالاستنتاج مداورة، أدركت جبهة المعترضين على مختلف الجبهات، أن اللقاء الروسي التركي يمكن أن يشكل فرصة لتسعير اعتراضهم ومدداً لذخيرة قتالهم. فلننتظر نهاية الرهان!