جواد جمعة بخير. هذه العبارة تكفي للفرح، فالطفل الذي هوى من شرفة منزله قبل نحو أسبوعين، استطاع أن يتجاوز الخطر. بقي له عشرة أيامٍ كي يعود إلى حياته الطبيعية، حسبما أفاد الطبيب المعالج في مستشفى بيروت الحكومي حيث يرقد. عشرة أيامٍ باقية، سيخضع خلالها جواد «للعلاج من الالتهابات في جسده، حيث لا يستطيع تلقي الأدوية إلا عبر المصل في المستشفى»، يقول والد الطفل علي جمعة.

جواد بخير. هذا ما يهمّ في الأمر. على الأقل بالنسبة إلى العائلة ومن رأوا دمه ينزف على أبواب مستشفى الجامعة الأميركية. لكن ذلك لا يعني أن القصّة انتهت، فالطفل الذي انتظر سبع ساعاتٍ، بدمه، قبل أن يجد «سرير ضمان» شاغراً في أحد المستشفيات ــ وهو لم يجده في النهاية إلا في مستشفى بيروت الحكومي بعد تدخل وزارة الصحة ــ لم يكن ما أصابه استثناءً، فقد سبقه إلى الذل عند أبواب المستشفيات أطفال آخرون، بعضهم مات. وهنا، يفيد التذكير بالطفل مؤمن خالد المحمد الذي حمله والده جثّة بعدما رفضت مستشفيات عدة استقباله، بحجة عدم وجود سرير، وعبد الرؤوف الحولي وإنعام ربيع، الرضيعين اللذين فصل بين موتهما على الباب نفسه، ساعات فقط، وغيرهم الكثير. كذلك، لن يكون هو الأخير الذي يُحرم حقّه في العلاج بسبب النظام الصحي الفاشل الذي يرهن صحة المواطنين لجشع المستشفيات ومصالحها و«أخلاقياتها» الطبّية. وهو النظام نفسه الذي يعيش أكثر من نصف اللبنانيين، في ظلّه، بلا ضمان صحي.

تعهدت "الجامعة الأميركية" بمراجعة أنظمة الدخول لديها

في المبدأ، جواد مسجّل في صندوق الضمان الاجتماعي «على اسمي»، يقول والده علي جمعة. وهذا الطفل، الذي لا يملك ترف التأمين الصحي الخاص، لم تسعفه «إفادة» الضمان في العلاج. بالنسبة إلى المستشفيات، ولا سيما الخاصّة، أن تكون مسجلاً أو غير مسجل بالضمان، الأمر سيّان في حال عدم توافر المال. وهذه ليست مشكلة المستشفيات في الدرجة الأولى، بل مشكلة الدولة وضمانها الذي لا يعوَّل عليه. يأسف والد الطفل لأن «نولد في هذا البلد، فعندما ذهبت لأسوّي أوراق جواد في الضمان، وهو في ذروة الخطر، رمت لي الموظفة الأوراق على الأرض لأن إخراج قيده كان قديماً، لم تأبه لحالة ابني برغم تقرير المستشفى الذي يقول إن وضعه حرج». وحتى عندما سوّى الوالد أوراق طفله، بقيت بلا قيمة، إذ لم يدخل ابنه بـ«معيّتها» إلى مستشفى بيروت الحكومي، ولم تكن لتدخله إلى مستشفى الجامعة الأميركية، الذي رفض استقباله قبل أن يدفع الكثير من المال. هذا المستشفى الأخير مارس «أخلاقه الطبية»، وترك الطفل ينزف لأنه يريد «مالاً» قدّرت قيمته قبل أن يفحص طبيب الطوارئ الطفل حتى. طالب بـ22 ألف دولار قبل أن يسمح بإدخاله إلى عتبة قسم الطوارئ.
تُصرّ إدارة مستشفى الجامعة الأميركية على نفي هذا الأمر، إلا أن تسجيلاً صوتياً يدحض نفيها. بحسب هذا التسجيل، تقول الموظفة في مكتب الدخول ــ رداً على سؤال عمّا طلبه المستشفى من عائلة الطفل عند الساعة الرابعة فجراً ــ إن «وضعه يكلف 22 ألف دولار (…) وأنا عطيتهن شيء ثاني بديل عن المصاري، إنن يخلوّا شيك بالأمانات حتى يتأمن المبلغ». يكشف التسجيل، بعد أخذٍ ورد حول صعوبة توفير المبلغ، أن شخصاً من مرافقي الطفل النازف صار يفاوض، قال: «الوالد يملك 3 آلاف دولار، وأنا والشباب بنقدر نجمع شي ألف دولار، وهناك سيارتي برا إذا بدك نرهنها». أجابت الموظفة: «شو القصة شطارة، القرار مش عندي بدنا ننطر للصبح ليجي القرار من فوق».
«فوق» في تلك الساعة كان «نائماً»، وجواد السابح في دمه كان عليه انتظار صحوه، لمناقشة كيفية دفع الـ22 ألف دولار ليتسنى إدخاله إلى قسم الطوارئ وإنقاذ حياته. لا يوجد قانون هنا، علماً بأنه يفرض على كل مستشفى إدخال الحالات الحرجة بلا سؤال عن التكاليف.
مرّت عشرة أيامٍ على الحادثة، والمستشفى لا يزال «عدّاده» مفتوحاً، إذ طلب بعد الحادثة من مريضٍ آخر 25 ألف دولار أميركي «فروقات ضمان»، فيما القيّمون على الضمان «نيام»، وهم الذين لم يحركوا ساكناً لقضية جواد أصلاً. «لو حدث هذا الأمر في بلد آخر، لأُغلق المستشفى، بس نحنا بغابة»، يتابع والد الطفل. أما هنا، فجلّ ما فعله المستشفى، بعد إجراء تحقيق داخلي، هو نقل الموظفة من قسمٍ إلى آخر. وكأنّ ما جرى حادث فردي لا يستحق أكثر من ذلك. ولكن، هل تحلّ أزمة نظامٍ بإجراءٍ اداري سخيف لا يؤرق "الفوق النائم"؟
يعلّق وزير الصحة العامة، وائل أبو فاعور: «كبرت بيننا وبين المستشفى، وهذا سيكون الإنذار الأخير»، مشيراً إلى أن «إدارة المستشفى بعد إجراء تحقيقها الداخلي، أرسلت إلى الوزارة رسالة رسمية تلفت فيها إلى أنها تقوم بمراجعة لكل أنظمة الدخول لديها، مع تعهّد بأن ما جرى لن يتكرر».
سينتظر أبو فاعور «مفاعيل» هذا التعهّد قبل اتخاذ «إجراءات صارمة»، قد لا يكون أقلّها تحويل المسألة إلى «القضاء».
أخطأ المستشفى، يقول أبو فاعور، ولكن، مع ذلك، يحار الوزير في «كيفية الضغط على المستشفى، عقدي مع المستشفى يبلغ 4 مليارات ونصف مليار ليرة لبنانية، منها مليار ونصف مليار لمركز سان جود لسرطان الأطفال، ومليار أخرى للخدمات الخاصة، منها العمليات الجراحية الخاصة للأطفال، وثالثة للأطفال الحديثي الولادة الذين يعانون من مشاكل صحية معقّدة، وخصوصاً المشاكل القلبية، ومليار لخدمات الاستشفاء الأكثر من طارئة، ومنها مثلاً عمليات زرع نُقي العظم حيث لا تتوافر هذه العمليات إلا في الجامعة الأميركية ومستشفى المقاصد». وهنا، تكمن «أزمتي، فأين سألغي لأضغط على المستشفى».
ربما هي أزمة، لكن الاكتفاء بنقل موظّفة لم تفعل سوى التزام قرارات «فوق» لا يكفي. إجراء كهذا لا يحلّ أزمة ناسٍ يموتون عند أبواب المستشفيات. وهي، تالياً، أزمة نظامٍ كامل، حيث تؤكد الإحصاءات أن 50% من اللبنانيين لا يمتلكون ضماناً صحّياً، وكل المصرّح عنهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يفقدون ضمانهم الصحّي عند التقاعد أو عند البطالة، أي في ذروة حاجتهم إلى هذا الضمان. وبحسب هذه الإحصاءات، لا تمتلك نسبة مهمّة من غير المضمونين أي قدرات مالية لتسديد اشتراكات سنوية أو المساهمة في كلفة الطبابة والاستشفاء والدواء والمختبرات. فهل من يستوعب، مثلاً، أن جواد لن يكون الأخير؟ والعلاج لا يمكن أن يكون موضعياً؟ وهل من يعيد التذكير بأن كل قوى السلطة وقفت سداً منيعاً ضد مشروع التغطية الصحية الشاملة الممولة من الموازنة العامة عندما طُرح قبل سنوات؟