مرّت سنوات، وما زالت بلدة الدبيّة (الشوف) مهدَّدة بالتحوّل إلى "مسخ إسمنتي" شبيه بـ"مسوخ" كثيرة استولت على القرى وغيّرت طبيعتها ونسيجها العمراني والاجتماعي، وأجّجت المضاربات على أسعار الأراضي فيها. إلا أن الاعتراض المتجدد حالياً لا يركّز على هذا الجانب الخطير من انفلات المشاريع العقارية، بل يتخذ من فزّاعة "الخطر على الوجود المسيحي" في البلدة عنوانه العريض، ولا سيما أن بعض القوى المعترضة حالياً تعبّر عن ودّ ظاهر لمشاريع "التطوير العقاري" في الكثير من البلدات والمحميات، ما دام "المطوِّر" "منّا وفينا".

تعود القصّة إلى عام 2010، عندما اشترت "شركة إنماء الدلهميّة" الأرض، ومساحتها نحو 3.5 ملايين متر مربّع، بقيمة 240 مليون دولار، وقد نُقلَت ملكية هذه الأرض عبر نقل ملكية الشركة في السجل التجاري، من دون المرور بالبلديّة وأمانة السجل العقاري، إذ تنازل المالك الأوّل (روبير معوّض) عن أسهمه في شركة إنماء الدلهميّة للمالك الحالي (علي تاج الدين). ومنذ ذاك الحين، تجري محاولات حثيثة لتعديل التصميم التوجيهي والنظام التفصيلي العامّ الصادر عام 1998، ولا سيما عبر المرسوم 11855، وترمي هذه المحاولات إلى زيادة عامل الاستثمار في بعض أراضي البلدة من 2 إلى 40%، وتحديداً في الدلهميّة التي تشكّل 20% من مساحة البلدة والمصنّفة محميّة.

تعديل التصميم التوجيهي ينصّ على زيادة عامل الاستثمار من 2 إلى 40%

في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، رُميت الكرة في ملعب المجلس البلدي لإبداء الرأي بالمشروع، والأخير طلب ستة أشهر لدراسة الملف، ما يعني كسب المزيد من الوقت من دون رفع السيف المصلت هناك، إذ إن الشركة المالكة للأرض تُصرّ على تنفيذ مشروعها، وهناك من يدعمه.
نُقلَت ملكية الأرض من معوّض إلى تاج الدين عبر بيع أسهم "شركة إنماء الدلهمية"، ما فوّت على "الدولة اللبنانيّة" رسوم التسجيل، وهو ما يحصل في معظم البيوعات العقارية الكبيرة، وهي إحدى الطرق "المقوننة" للتهرب الضريبي. إلا أن المشكلة في الدبية لا تكمن في هدر حقوق الخزينة العامّة، ما دام التهرب من تسديد رسوم التسجيل العقاري معمَّم، بل تكمن في المشروع الذي تنوي شركة إنماء الدلهميّة تنفيذه هناك. فهذه الشركة تسعى إلى زيادة عامل الاستثمار وتغيير تصنيف المنطقة لتتمكّن من تنفيذ مشروع "ميدار"، الذي يقضي بتحويل البلدة إلى كتلة إسمنت، عبر بناء نحو 6000 وحدة سكنيّة، وبالتالي رفع الكثافة السكانيّة بنحو 40 ألف نسمة، من دون أن تتوافر بنية تحتية مؤهلة تستوعب مثل هذه الزيادة.
الدراسة التي بُني عليها طلب تعديل مرسوم التصميم التوجيهي، أعدّتها الشركة المستثمرة نفسها، وقدّمتها بداية إلى البلدية قبل تقديمها إلى مجلس الوزراء. يقول رئيس البلدية نبيل البستاني إنه طلب "مهلة ستة أشهر لدراسة الملف قبل إبداء الرأي فيه، لكون المطلوب تعديله يشمل منطقتين في الدبيّة، هما الدلهمية (عبر رفع عامل الاستثمار وتغيير التصنيف) والهيلونة (تغيير التصنيف من سكني حرجي إلى سكني وتجاري)". يحرص البستاني على القول إنّ هاجسه "عدم الإضرار بالمطوّر العقاري ولا أهالي البلدة، بل التأني بدراسة طلبات إعادة التصنيف وآثارها قبل بتّها".
يقول العضو السابق في البلدية المهندس فادي البستاني، إن "الدراسة أعدّها صاحب المشروع، وتتضمّن ما يصبّ في مصلحته. المطلوب إعداد دراسة من قبل البلديّة عبر شركة هندسية محايدة". ويتابع: "الدبيّة ضيعة نموذجيّة لا نريد تحويلها إلى مدينة، كذلك فإنها مصنّفة منذ عام 1998، ولا يجوز تغيير طابعها من أجل مصالح أحد المستثمرين، وإلغاء منطقة محميّة وتدمير ملعب غولف بمواصفات عالميّة. نريد بناءً منظّماً لا مجمعات سكنيّة".
يشرح المحامي شادي البستاني، ابن البلدة، أن "خطورة التصميم التوجيهي الجديد أنه يشمل أراضي الدبية كافة"، ويرى أن هناك هدفين منه: "أولاً إمرار صفقة الدلهميّة العقاريّة عبر التلاعب بعامل الاستثمار والتعديل بالمناطق الارتفاقيّة، وثانياً تشريع مخالفات للمرسوم رقم 11855"، ويقول إن "المطلوب هو المحافظة على الطابع القروي والعمراني والبيئي للبلدة".
الأضرار المترتبة عن مشروع التعديل عديدة بحسب المعارضين: أولاً، زيادة الأبنية ستؤدي حكماً إلى زيادة الكثافة السكانيّة، في ظلّ غياب البنى التحتيّة القادرة على استيعابها. ثانياً، الإضرار بالبيئة وتحويل منطقة محمية طبيعياً إلى كتلة عمرانيّة، فالتنظيم الحالي يسمح بأبنية بعلو 3 طبقات كحدّ أقصى، فيما المطروح حالياً يسمح بأبنية مرتفعة جداً. ثالثاً، تغيير طابع البلدة القروي وتسريع عملية النمو المديني فيها. رابعاً، رفع مستوى أسعار الأراضي بما يفوق قدرة السكّان على تحمّله، وبالتالي تهجيرهم. خامساً، تدمير ملعب غولف أُنشئ وفق المواصفات العالميّة، ويعدّ مركز استقطاب حضاري وسياحي إلى البلدة.
راهناً، تراوح أسعار الأراضي في الدبيّة بين 100 – 300 دولار أميركي للمتر المربع الواحد، وهو سعر مرتفع، فكيف بعد زيادة عامل الاستثمار؟ بحسب المتابعين، إن رفع أسعار الأراضي يُسعد بعض الملّاك في البلدة الطامحين إلى بيع عقاراتهم، ولكنه يؤذي البقية، وهم الأكثرية، الذين يخشون من ارتفاع كلفة المعيشة، ولا سيما السكن، بما يفوق قدرتهم على تحمّلها.





مسار تعديل التصنيف

عام 2012، أعدّ مالك الأرض دراسة هندسيّة، قدّمها إلى المجلس البلدي، طالباً تعديل تصنيف المنطقة. يومها أصدر المجلس البلدي (مؤلّف من 12 عضواً أحدهم متوفى) قرار الموافقة على التعديل رقم 13/2012، بعد ثمانية أشهر من الخلافات تُرجمت بإقناع ستة من أعضائه، وأحيل على المجلس الأعلى للتنظيم المدني. قبل الطعن به أمام مجلس شورى الدولة عبر المراجعة الإداريّة المسجّلة تحت الرقم 18040/2012 نظراً إلى المخالفات التي اعترت اتخاذه، وانحلّت البلديّة باستقالة نصف أعضائها.
في 6/7/2013 صدر القرار البلدي رقم 17 لطلب تعديلات محدّدة في المنطقة الارتفاقيّة للدلهمية والهليونة، قبل صدور القرار 31 عن المجلس الأعلى للتنظيم المدني الذي يتضمّن تعديلات مخالفة للقرار 17، فصدر بعدها القرار البلدي رقم 28/2014 القاضي بوقف العمل بالقرار 31 واستمرار العمل بالمرسوم 11855/1998، ثمّ تحوّل الملف إلى مجلس الوزراء الذي طلب من وزير الداخليّة استطلاع رأي البلديّة حول مشروع تصديق التصميم التوجيهي الجديد. وبتاريخ 18/8/2016 تأجل بتّه إلى أن تنهي البلدية دراستها.