مع أن الاعتداء الإسرائيلي الأخير والواسع على قطاع غزة اتّسم بطابع الردّ، فإن ما يتصف به، أنه غير تناسبي مع سقوط صاروخ في مستوطنة «سديروت»، لم يؤد إلى إصابات بشرية أو أضرار مادية. هذا «المنسوب» الخارج عن سياق السياسة الأمنية الإسرائيلية المألوفة، يُحوِّله من اعتداء من موقع الرد، إلى اعتداء ابتدائي له سياقاته وأهدافه التي تتجاوز إطلاق الصواريخ بصورة فردية لا تنظيمية.

تأتي غارات سلاح الجو الإسرائيلي ضد هذا الكمّ من الأهداف في القطاع، امتداداً للسياسة العدوانية الإسرائيلية ضد سكانه وفصائله المقاومة. وترجمة لمفهوم إسرائيلي تنتهجه القيادتان السياسية والأمنية في تل أبيب، ويقوم على أساس تدفيع الشعب الفلسطيني ثمن تبنيه خيار المقاومة. هذه السياسة تنتمي إلى مدرسة تحاول دفع الفلسطينيين إلى المقارنة بين واقعهم في غزة، حيث تسيطر فصائل المقاومة، وواقع السكان في الضفة المحتلة، حيث يفترض أن السلطة تسيطر على الأرض والأمن.
لكن نقطة ضعف هذه السياسة، الأكثر حضوراً في وعي الشعب الفلسطيني، تجاوُزها حقيقة أن أداء السلطة على مستوى التسوية والتنسيق الأمني لم يحقق تحريراً، أو ما يشبهه حتى على مستوى الشكل، بل لم يكبح التوسع الاستيطاني في الضفة.
بالعموم، شكّل الاعتداء الإسرائيلي خروجاً عن السياق الذي اتبعه جيش العدو منذ ما بعد عدوان «الجرف الصامد» قبل سنتين. ففي غالبية المراحل السابقة، كان الرد على حوادث إطلاق الصواريخ موضعياً وبالقرب من حدود القطاع، أو حتى في العمق أحياناً، لكن بمنسوب هو أقرب إلى الرسالة التحذيرية. وهو ما حدث بداية، أول من أمس، عندما أطلق جيش العدو نيران مدفعيته، وقصفت طائرة دون طيار أهدافاً لحركة «حماس» وراء الحدود في منطقة بيت حانون من دون سقوط إصابات.
هذا الاعتداء الأولي هدف إلى توجيه رسالة إلى «حماس»، مفادها أنها المسؤولة عن الحفاظ على الهدوء، وكترجمة لهذا القرار جُبيت أثمان تكتيكية منها، من قبيل إصابة وسائل جمع المعلومات التي يستخدمها الجناح العسكري للحركة (ككاميرات مراقبة)، وفق ما لفتت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية. من ثمّ، وفي ساعات متأخرة من الليل، شنّ سلاح الجو الإسرائيلي هجمات بمنسوب أكبر، فقصف أهدافاً للمقاومة شماليّ القطاع، الأمر الذي كشف عن نيات إسرائيلية تتجاوز الرد الموضعي.
كذلك يشير الفاصل الزمني بين الاعتداءين الإسرائيليين على حصول اتصالات ومشاورات يمكن الافتراض أنها جرت بين وزير الأمن أفيغدور ليبرمان، الذي ينادي بسقف أعلى في الردود، وبين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وقيادة الجيش، خصوصاً أنه لو كان هناك تصديق مسبَق على هذا المنسوب من الرد، لكان من المفترض أن نشهد هذا الاعتداء الواسع منذ البداية، ما يعني أننا أمام مسعى إسرائيلي لفرض معادلة جديدة إزاء غزة، عبر «منسوب مرتفع» من الاعتداءات مقابل «الصواريخ العشوائية» التي تطلقها من مدة إلى أخرى بعض المجموعات (السلفية غالباً).
التقدير الأولي والواضح أن هذا المنسوب من الاعتداءات هو نتيجة مباشرة لتولي ليبرمان وزارة الأمن، فقد تحوَّل إلى استحقاق مفصلي على المستوى الشخصي، ووضعه بين خيارين: إما تعزيز صدقيته السياسية والشخصية، وإما تقويضها. وأقل ما يمكن وصف موقف ليبرمان به أنه مُثقل بالشعارات والسقف الذي رفعه عالياً خلال انتقاداته السياسة الأمنية التي كان يتبعها نتنياهو إزاء غزة وفصائل المقاومة، وتحديداً عندما دعا إلى «قبضة قوية ضد سلطة حماس في القطاع». نتيجة ذلك، بات عليه أن يجترح، أو على الأقل، أن يتمايز عمن سبقه، عبر تقديم حل عملاني متمايز يهدف إلى تعزيز الوضع الأمني في «مستوطنات غلاف غزة»، بمعالجة سياسة «تنقيط الصواريخ»، أو تعاظم خطر الأنفاق لاحقاً.
أيضاً، يأتي الاعتداء الإسرائيلي، غير التناسبي وخارج سياق معادلة ما بعد «الجرف الصامد»، بعد أيام على معادلة «الثواب والعقاب/العصا والجزرة» التي قدمها ليبرمان إزاء العمليات الفلسطينية التي تنطلق من الضفة، لكن في ما يتعلق بالقطاع، يبدو أن تل أبيب تهدف إلى وضع سكانه بين حدَّين: «العقاب» ممثلاً باستمرار الحصار، أو «الأشد عقاباً» ممثلاً باستمرار الحصار وبرفع منسوب الاعتداءات العسكرية.

الاعتداء الأخير خرج عن السياق الإسرائيلي المتَّبَع منذ سنتين

وبعيداً عن حقيقة موقف نتنياهو من سياسة حافة التصعيد، التي من المفترض أنه لا يريدها في هذه المرحلة، فإنه لا يستطيع التكيّف مع سياسة «تنقيط الصواريخ»، التي تقدمه كأنه زعيم لا يملك حلاً وحزماً أمنياً في مقابل غزة. وفي الوقت نفسه، لا يستطيع أن يقف معترضاً في وجه ليبرمان، لاعتبارات تتصل بالتنافس داخل المعسكر اليميني.
بناءً على ذلك، قد نكون أمام بداية مسار جديد في الاعتداءات الإسرائيلية، وهو ما لمّحت إليه القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي نقلت عن مسؤول رفيع في المؤسسة الأمنية تأكيده أن «معادلة الردود مقابل قطاع غزة قد تغيّرت، وعليكم أن تتعودوا ذلك». أما عن مواقف الشخصيات الأساسية في صناعة القرار الأمني، في تل أبيب، من هذا المسار الذي ينطوي على التصعيد إن واصلت إسرائيل اتباعه، فلفتت «هآرتس» إلى أن «التوجه الإسرائيلي سيتضح خلال الأيام المقبلة، لكن الكثير من الأمور يرتبط بمنظومة التوازنات والكوابح بين نتنياهو وليبرمان وايزنكوت».
مع ذلك، لا يمكن تجاهل حقيقة أن قرار التصعيد ما كان ليصدر إلا استناداً إلى رؤية يبدو أنهم في تل أبيب يتبنونها، بشكل أو بآخر، وفيها أن الطرف الفلسطيني لن يردّ بما يتناسب مع مستوى الاعتداء تجنباً للتدحرج نحو سيناريو تحرص «حماس»، تحديداً، على تجنبه في هذه المرحلة. أو أن الطرف الإسرائيلي، وتحديداً ليبرمان «معني بتوجيه رسالة قوية إلى حماس، حتى لو كلف ذلك المخاطرة بتصعيد الأوضاع»، أو لو أدى فعلاً إلى هذا التصعيد.
على خط موازٍ، يأتي التصعيد في ظل تزايد المؤشرات نحو مزيد من تعزيز العلاقات بين تل أبيب وعدد من العواصم العربية، وتوسيع دائرة التطبيع بعد الانفتاح السعودي الأخير مع إسرائيل. لذا، مما يشير إليه هذا الاعتداء، أنه يكشف عن مدى الاطمئنان الإسرائيلي إلى أن هذه الاعتداءات لن تترك أي أثر فعلي وجاد على المسار السياسي والتطبيعي، الذي يشرعن الاعتداءات الإسرائيلية على غزة.
ولعل أقل الخطورة الكامنة في هذا الاعتداء، أنه يهدف إلى التأسيس لمعادلة أمنية جديدة إزاء القطاع، تكون فيها يد إسرائيل هي العليا. ويعني ذلك، عملانياً، أن إطلاق أي صاروخ فلسطيني، في مقبل الأيام، سيكون سقفه وفق هذا المنسوب وصعوداً. ومن مفاعيل هذا التوجه أن مجموعات «السلفية الجهادية»، التي تحاول حشر «حماس» وتسجيل النقاط عليها، ستكون أكثر تأثيراً في الواقع الأمني للقطاع، عبر استدراج العدو إلى اعتداءات أشدّ ما دامت على علم مسبق بطبيعة وبحجم الرد الإسرائيلي.
في ضوء كل ما تقدم، يضع الاعتداء الإسرائيلي فصائل المقاومة، خاصة «حماس»، أمام تحدي الرد، الذي يراوح بين عدة خيارات: إما التكيف مع المعادلة الجديدة (ستكون له أثمانه المؤلمة على واقع القطاع وهامش حركة المقاومة ومعادلاتها في الصراع مع العدو)، وإما الرد الرادع الذي ينطوي على مخاطر تدحرج قد لا يريده الطرفان في هذه المرحلة... أو على الأقل الرد ــ الرسالة، الذي يهدف إلى التحذير ورفع منسوب القلق في تل أبيب من مخاطر التدحرج، أكثر من كونه رداً مؤلماً متناسباً. ويهدف النمط الأخير من الردود إلى رمي الكرة في الملعب الإسرائيلي مع ما قد يترتب على ذلك من مفاعيل وتداعيات في الساحة الداخلية.
إلى ذلك، لاقى الموقف الذي تناقله الإعلام عن وزير الخارجية المصري، سامح شكري، وأظهر فيه الأخير تعاطفاً مع إسرائيل وتبريراً لتصرفاتها واعتداءاتها على الفلسطينيين، ترحيباً واسعاً في الإعلام العبري، الذي وصف هذا الموقف بـ«الاستثنائي»، فيما أشارت القناة العاشرة إلى أنه «دليل إضافي على موقف النظام المصري من إسرائيل». كذلك رأت فيه «إشارة إلى سعي القاهرة لتحسين العلاقات الاستراتيجية القائمة أساساً بين الجانبين»، رغم تشديدها على أن «الرأي العام المصري لا يزال معادياً لإسرائيل ولا يرغب في أي مستوى من مستويات التطبيع معها».