منذ أحد عشر عاماً ونيف، والعلاقة بين ميشال عون وسعد الحريري نموذج لإشكالية مفارقة غريبة. منذ زيارة قريطم ذات يوم من تموز 2005، والكلام عن اتفاق قارب التسعين بالمئة، إلى الـ"وان واي تيكيت"، مروراً بلقاءات جار الرابية وخلوة باريس سنة 2007 ومعادلة بشارة الخوري ورياض الصلح... انتهاء بالمرارة المتبادلة اليوم. فإلى أين من هنا؟!

بين الأوساط الصادقة والفاعلة المحيطة بالرجلين، ثمة كلام كثير. معظمه تساؤلات. وجلّها من نوع السؤال عمن صدق وعمن عجز. ومن خَدع ومن خُدع. عون، من جهته، لا يزال مقتنعاً بأن الحريري كان صادقاً معه. لا يخوض في نقاشات القدرة على الإيفاء ولا في مواقع الرفض والنقض داخل فريقه وخارجه وفي الخارج. يكتفي بالجزم بأن الرجل الذي التقاه في باريس كان صادقاً. يسكت عن الدليل الذي في حوزته. لكن ثقة الجنرال ويقينه هذا لا يمنعان البعض من رسم محطات ثلاث قاتمة في علاقة الطرفين: الأولى تلك الزيارة السرية العلنية في كانون الثاني 2014. كان يفترض أنها أنجزت مساراً متكاملاً. يبدأ بالحكومة. ينتقل بعدها إلى بيانها الوزاري، تجسيداً لقدرة عون على الجسر بين الحريري وحزب الله. تنتقل بعدها إلى قانون الانتخاب. لتصل إلى الرئاسة في ربيع ذلك العام. في ختام تلك المحطة، أخذ الحريري حكومة "المصلحة" وكانت خاتمة الأحزان.
بعدها في 18 شباط 2015، تكررت المحاولة. هذه المرة في بيروت. كانت المناسبة مناسبتين. مع قالب حلوى وتهاني بعمر وعهد وعهود. وكانت باكورة الاتفاق المفترض، معادلة قيادة الجيش ومديرية قوى الأمن الداخلي. بعد أيام، بعد أشهر، ذهب شامل روكز إلى التقاعد برتبة مواطن. واستقرت القيادتان حيث يريد الفريق الأزرق. المرة الثالثة كانت ثابتة في الاتجاه نفسه. قبل أشهر، جاءت الرسالة الحريرية، لا عبر قنوات الرابية هذه المرة. بل عبر حارة حريك. الحريري يسأل: إذا مشيت بعون رئيساً، ما هي الضمانات؟ عاد البحث والسعي.لم تمر المحاولة من دون جهود وكثير ونقاش وحوار وبعض "المَوْنة". حتى توجت بكلام السيد حسن نصرالله: نحن إيجابيون ومنفتحون ... فغاب الحريري!
هكذا تعود الإشكالية على بدئها. ماذا حصل؟ وتعود محاولة الجواب إلى ثنائيتها: إرادة الحريري أو قدرته؟
العارفون بأحوال الرجل وظروفه، يميلون إلى رأي عون فيه وعنه. كان الرجل صادقاً. فالكل يعرف ظروفه الصعبة التي يعيشها وتشهد عليها حركته وأحوال فريقه. حصار سياسي يبدأ من طرابلس ولا ينتهي في عواصم مرابط خيله السابقة. جاء بعده حصار شعبي تمظهر في صناديق البلديات وصناديق رسائل مؤسساته وناسها. كل ذلك في ظل حصار مالي، هو السبب أو النتيجة، لا فرق، لكنه جعل الرجل في وضع المستفرد، على رأس فريق حاكم متهم بالتفرد. لهذه الأسباب كلها، لم يكن الحريري يناور. خصوصاً حين مرر رسالته إلى حارة حريك. أكثر من ذلك، يقول العارفون في حلقة الحريري، انه كان قد بادر إلى القيام بسلسلة خطوات تمهيداً لرسالته تلك. فهو فاتح نبيه بري بالأمر. وقبل رئيس المجلس، صارح سفيراً عربياً فاعلاً، بأن الأمور تتجه إلى فرض عون مرشح شبه إجماع. حتى أن فرانسوا هولاند نفسه كان قد أصبح في تلك الأجواء. فجاء وزير خارجيته إلى بيروت سائلاً عون وحزب الله عن الضمانات مقابل الرئاسة. قبل أن يهمس الرئيس الفرنسي لضيوف لبنانيين التقاهم في جوار باريس لمناسبة اقتصادية قبل أيام، بأن الحل الرئاسي اللبناني بات يقتضي من فرنسا مقاربة السعودية، لدعم ما يمكن أن يتخذه الحريري من خطوات شجاعة تحتاج إلى الدعم والتغطية.
في المقابل، يقول العارفون بأحوال الحريري نفسه، أن رأيه هذا لم يكن الوحيد ضمن فريقه. بل لم يكن السائد ولا الغالب. فهناك من ظل يقول له، ويقول للذين يقول لهم وينتظرهم، أن لا لزوم إطلاقاً لتأييد عون. بل المطلوب فعلياً هو مجرد الالتزام بالاستراتيجية الراهنة. استراتيجية الانتظار لا غير. لا انتخاب رئيس. ولا إقرار قانون انتخاب. ولنكمل في لعبة عض الأصابع وعض الجراح بضعة أشهر. فالمعادلة باتت منقشعة. بعد تشرين ندخل في سباق جديد مع الوقت. عنوانه، ليس استحقاق الرئاسة. بل استحقاق المجلس النيابي. عندها يكون عون أمام الثنائية القاتلة نفسها: إما الخضوع لخيار التمديد لأكثريتنا. والقبول باستنفاد وقته وعمره في مقارعة مجلس الستين. وإما الذهاب إلى انتخابات نيابية بشروطنا. والشروط الزرقاء، يقول هؤلاء، ستكون مريحة جداً لنا. وصعبة أكثر على عون: بري لن يكون معه. فرنجيه كذلك، في زغرتا والكورة والبترون. جعجع لن يشكل معه حلفاً سياسياً. وهذا أمر يضمنه أصحاب الرأي الأزرق الآخر. حتى الطاشناق، يقولون، فتحنا وسنفتح معهم خطوطاً عريضة. نعطيهم حصة في بيروت. ونترك لهم توزيع أصواتهم حصصاً على ميشال المر وسامي الجميل وعون في المتن. ويكونون معنا في بيضة قبان زحلة. إلى جانب ميريام سكاف. أكثر من ذلك، يقول أصحاب الرفض الأزرق، سنراهن حتى على حيثيات من صلب التكوين العوني، كيلا تكون معه، وبيننا وبينها خطوط نوسعها ونفتحها لهم مع كل خصوم الرابية من الشمال إلى البقاع ...
ماذا سيفعل عون عندها؟ يقلب الطاولة؟ مجرد كلام، يعتقد هؤلاء. فكلام بري المناقض واضح. ومعه وقبله كلام الأميركي الذي فرض علينا وعلى الجميع انتخابات البلديات قبل أشهر. لن يقدر عون على شيء. سوى خوض معركته الخاسرة الأخيرة...
لا تبدو الرابية قلقة من هذا الرهان. فهي مطمئنة بالكامل إلى قدرتها على إحباطه. لكن قلقها يذهب صوب الحريري، حيال مخاطر مقامرة من حوله عليه، كما قال له وليد جنبلاط. والأهم، حيال مخاطر تلك المقامرة وأصحابها على البلد، كما حذر نبيه بري.