ربع أساتذة الملاك في التعليم الثانوي الرسمي يقومون بأعمال إدارية ولا يدرّسون. فهناك 1038 إدارياً من أصل 4299 أستاذاً في الملاك، بحسب الدراسة التي أعدتها وزارة التربية هذا العام عن الحاجة الفعلية لتعيين أساتذة ملاك. الدراسة لا تلحظ أعداد المنتدبين من التعليم الابتدائي (التي تتزايد سنة بعد سنة وتوصف في أوساط الأساتذة بالبطالة المقنعة) للقيام أيضاً بأعمال إدارية في الثانويات الرسمية، ما يعني أن عدد الذين يقومون بأعمال إدارية قد يوازي عدد الذين يدرّسون، ما يزيد كلفة التعليم الثانوي ويستدعي الحاجة إلى متعاقدين جدد.

كان لافتاً في السنوات الأخيرة الارتفاع المطرد لأعداد الثانويات، اذ بلغت، بحسب الدراسة، 265 ثانوية في عام 2015 ــ 2016، اي بمعدل ثانوية لكل 251 طالباً، من دون أن يقابل ذلك ارتفاع في أعداد الطلاب في المرحلة الثانوية، بل على العكس، فقد انخفض عدد الطلاب اللبنانيين مثلاً من 64 ألفاً و510 طلاب في عام 2013 ـ 2014 إلى 63 ألفاً و280 طالباً في 2015 ــ 2016. فتح ثانويات جديدة وتفريع أخرى استدعيا ادخال طلاب الحلقة الثالثة في الثانويات (السابع والثامن والتاسع أساسي)، فكبرت الحاجة في التعليم الثانوي وقابلها فائض في التعليم الأساسي، وهناك ثانويات يكاد عدد طلابها يوازي عدد أساتذتها.
الدراسة تظهر أن هناك 66 ألفاً و588 طالباً وطالبة لبنانيين وغير لبنانيين في التعليم الثانوي مقابل 7264 أستاذاً وأستاذة في الملاك، أي بمعدل أستاذ لكل 9 طلاب. وينزل العدد إلى 8 طلاب في حال احتساب الأساتذة الذين يقومون بأعمال إدارية. مع ذلك، ثمة من يقول إن احتساب أعداد المتعاقدين لا يكون على أساس جمع أعدادهم بل على أساس احتساب ساعات التدريس الفعلية التي يغطونها، ما يؤدي إلى ارتفاع نسبة الطلاب إلى الأساتذة، لتصبح 14 طالباً للأستاذ الواحد على الأكثر.
أما الأساتذة فينقسمون بين موظفي ملاك (تدريس فعلي): 3151 أستاذاً، وموزعين على أعمال إدارية وتربوية (من دون تدريس): 1038 أستاذاً، ومتعاقدين: 2943 أستاذاً، ومستعان بهم (أساتذة يستعان بهم من دون إبرام عقود معهم): 1170 أستاذاً. الأخيرون يجري تبرير دفع أتعابهم بأنه ممّول من الجهات المانحة، علماً بأن الدراسة تقدر قيمة الرواتب المصروفة لهم هذه السنة بـ 6 مليارات و185 مليوناً و823 ألف ليرة لبنانية.

ساعات مهدورة نتيجة عدم استكمال أساتذة الملاك أنصبتهم

الأرقام تشير إلى أنّ نسبة المتعاقدين إلى أساتذة الملاك باتت تتجاوز 50%، إذ إنّ هناك2419 متعاقداً ومستعاناً به مقابل 4299 أستاذاً في الملاك، فيما لم تكن هذه النسبة قبل أواسط التسعينيات تضاهي 5%، وكان التعاقد لأسباب طارئة.
إلى ذلك، يبلغ حجم رواتب أساتذة الملاك 185 ملياراً و544 مليوناً و452 ألف ليرة، مقابل 37 ملياراً و255 مليوناً و792 ألف ليرة للمتعاقدين والمستعان بهم، علماً بأن المتعاقدين يغطون مليوناً و339 ساعة تدريس، فيما يغطي أساتذة الملاك من دون الإداريين مليوناً و942 ساعة تدريس.
عوامل كثيرة ساهمت في ازدياد الاعتماد على التعاقد، منها بصورة أساسية خروج 200 أستاذ سنوياً إلى التقاعد، ففي السنوات الثلاث الماضية تقاعد 201 أستاذ في 2013 ـ 2014 و254 أستاذاً في 2014 ـ 2015 و202 أستاذ في 2015 ـ 2016.
كذلك، فإن توقف كلية التربية في الجامعة اللبنانية في عام 1980 عن إعداد أساتذة تعليم ثانوي رسمي، وإجراء مباريات متقطعة غير دورية لمجلس الخدمة (تفصل بين المباراة والأخرى أكثر من 5 سنوات) ساهما في زيادة أعداد المتعاقدين.
إلى ذلك، سحب توسيع مهمات جهاز الإرشاد والتوجيه منذ 2012 وحتى الآن 600 أستاذ من ملاك التعليم الثانوي الرسمي وفرض استبدال هؤلاء بالمتعاقدين، وإن بقي هؤلاء يغطون 6 ساعات تدريس على الأكثر في الثانويات أسبوعياً. ومن أسباب النقص في أعداد الأساتذة أيضاً تفرغ عدد من الأساتذة الثانويين في الجامعة اللبنانية والاستقالات لأسباب شخصية وترك المهنة.
يرى مراقبون أن ثمة مبالغة في فرز 1038 أستاذاً لمزاولة أعمال إدارية، فيما الثانويات تحتاج إلى نصفهم، بحسب ما يقولون. إلا أنّ وزير التربية الياس بوصعب يسأل: «هل فرز ثلاثة أو أربعة أساتذة لكل ثانوية للإدارة والمكتبة وغيرها كثير؟».
لكن ثمة من يتحدث عن إشكالية قائمة في تنفيذ أساتذة الملاك أنصبتهم التعليمية، أي 20 ساعة في الأسبوع والتي تتناقص تدريجياً بعد قضاء 16 سنة خدمة فعلية لتصبح مع نهاية الخدمة 14 ساعة، باعتبار أن هناك أساتذة لا ينفذون الساعات المطلوبة (بسبب حمايات حزبية أو عدم الحاجة إليهم في الثانوية)، حتى لو كانوا في بداية خدمتهم، ما يعني أن هناك ساعات مهدورة. وهنا تُطرح أسئلة: لماذا لا يجبر جميع الأساتذة على استكمال أنصبتهم قبل اللجوء إلى التعاقد؟ وماذا عن مناقلات الأساتذة من ثانويات هم حاجة فيها إلى فائض في ثانويات أخرى لا يفعلون فيها شيئاً وتغطى الحاجة في الثانويات التي انتقلوا منها بالتعاقد؟
يقول أصحاب هذا الرأي إن هذا المعطى يجري تجاهله عند إعداد أي دراسة رسمية لتقدير الحاجات الفعلية لأساتذة الملاك، إذ تحتسب الأنصبة القانونية المفترضة وليست الواقعية.
وبينت الدراسة الأخيرة أن هناك حاجة إلى 3042 أستاذاً في كل المواد وكل الأقضية، نجح منهم 2884 أستاذاً في مباراة مجلس الخدمة المدنية لدخول ملاك التعليم الثانوي الرسمي، فيما بلغ المحقق من الحاجة من بين الناجحين 1771 أستاذاً من دون مواد اللغة الفرنسية والتربية والفلسفة التي لم تصدر نتائجها بعد، وبقي هناك حاجة، بحسب الدراسة، إلى 765 أستاذاً من دون المواد الثلاث نفسها، وهذه الحاجة لا يمكن تأمينها من دون إجراء مباراة جديدة لمجلس الخدمة يسعى بوصعب فيها إلى «إنصاف المتعاقدين القدامى» بتعديل بعض الشروط مراعاة لمن تجاوزوا سن الـ44 عاماً.
ما فعله مجلس الوزراء في جلسة 16 آب الأخيرة الموافقة على 1771 أستاذاً من دون أن تجد المباراة طريقها إلى التنفيذ، ما يعني استمرار الاعتماد على التعاقد.
ويبقى السؤال: متى يتخلص التعليم الرسمي من بدعة التعاقد؟ متى يدخل الأساتذة إلى الثانويات من باب مباريات مجلس الخدمة لا من شباك المحسوبية والنفعية؟