في بداية شهر تموز الماضي، تلاقى أعضاء «الحزب الاشتراكي» في مناسبة وداع السياسي الراحل، ميشال روكار، وهي كانت ربما المرة الأخيرة التي يجتمعون خلالها، خاصة بعدما أُعلِن مؤخراً عن إلغاء الاجتماع الحزبي الذي كان مقرراً في نهاية الشهر الجاري.

ويبرز ذلك الجفاء بين أعضاء الحزب الفرنسي العريق الذي عاد في عام 2012 ليتربع على عرش السلطة في وقت يعاني فيه الاشتراكيون من تراجع حاد في الأداء السياسي ومن عوامل أخرى تجعل من الأشهر الأخيرة في عهد فرنسوا هولاند واحدة من أكثر المحطات جدلية في تاريخ الحزب، ويصفها الأكاديمي الفرنسي، ريمي لوفيبفر، بأنها تشبه «التدمير الذاتي للاشتراكيين».

ساهم هولاند في أن يتحول المشهد السياسي في فرنسا نحو اليمين

إخفاقات بالجملة

في بداية العهد الرئاسي، أمسك هولاند وفريقه برئاسة الجمهورية والحكومة، وبالأغلبية في الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، وبرئاسات البلديات في معظم المناطق الفرنسية. لكن أربعة أعوام كانت كافية لتعاني تلك القوة من تراجع هائل: خسر الاشتراكيون في العامين الماضيين رئاسات المناطق في أكثر من مكان لصالح اليمين واليمين المتطرف، وقد انعكس ضعفهم السياسي حين اضطر مؤخراً رئيس الحكومة، مانويل فالس، إلى اللجوء للمادة 49.3 مرتين لتمرير "إصلاحات" قانون العمل ولإقرار «قانون ماكرون» حول التعديلات الاقتصادية. كل ذلك كان يجري بالتوازي مع تسجيل هبوط هائل في شعبية هولاند، بينما كان الحزب يعاني من تراجع نسبة الوافدين إليه في العامين الأخيرين.
وفي سياق السعي الدائم إلى تلميع صورة العهد الرئاسي، آثر تيار هولاند داخل الحزب إلى اعتماد شعارات يرى ريمي لوفيبفر أنها تماثل بالنتيجة «التدمير الذاتي» الذي ساهم به بشكل كبير اعتماد سياسات ليبرالية: «لإعطاء تصرفات الحكومة قيمة، تلك الحكومة التي يتنصل منها مناصرو اليسار، اعتمد الحزب الاشتراكي، كلمة بكلمة، لغة اليمين ابتداء من عام 2012... من بين ذلك القول بضرورة الإصلاح من أجل الحفاظ على النموذج الفرنسي وإعلان المتحدث باسم الحزب، ستيفان لو فول، مثلاً، أن اعتماد سياسة اقتصاد الموارد الجانبية لا تنتمي لا إلى اليمين ولا إلى اليسار، بل هي ضرورة». ويلحظ لوفيبفر ثبات فريق هولاند على استراتيجية خفّضت شعبيته، لكنها تنبع، على المستوى الأول، من «القيود الأوروبية التي لم يُعِد هولاند مفاوضتها من جديد على عكس ما وعد خلال حملته الرئاسية عام 2012»، ويبدو أن عدم قدرة الاشتراكيين على ترسيخ مبادئ اجتماعية واضحة أحالت إلى «أزمة هوية».
في مقال في صحيفة «هوفنغتون بوست»، يعترف الاشتراكي، عقلي مللولي، بوجود تلك الأزمة، ويقول: «من الواضح أن الحزب الاشتراكي يعاني من مشكلة هوية... جزء من زملائنا، نسميهم المعارضين، هم ضد تصرفات الحكومة، كما أن عدد الوافدين إلى الحزب ينخفض في مختلف أقسامنا... النقابات التي كانت مقربة من الحزب الاشتراكي والتي نتشارك معها الناشطين، هي اليوم من أبرز معارضي تصرفات الحكومة».

ضلال الطريق

تنعكس الخيارات «الإيديولوجية» المتنوعة بتعدد المرشحين للرئاسة من داخل الحزب. من ضمن فريق هولاند في الحكم، يبرز مانويل فالس، رئيس الحكومة الحالي، الذي «يحلم»، وفق «لوموند»، بإعادة بناء «الاشتراكي» بعد عام 2017، بيد أنه لا يحظى بشعبية داخلية في حزبه. وفي الطريق عينه، يسير وزير الاقتصاد، إيمانويل ماكرون، محاولاً «من خارج الاشتراكي» تطبيق خطة مشابهة «عبر المزايدة في مخالفة الأسس السياسية لليسار».
أما استراتيجية هولاند، فتبدو أكثر إرباكا، إذ يفترض ريمي لوفيبفر أن الرئيس الفرنسي يعتمد على تحول المشهد السياسي نحو اليمين، وهو «تحوّل ساهم هو نفسه بحصوله». ولعلّ نجاح ساركوزي في الوصول إلى مرحلة متقدمة من الانتخابات الرئاسية من شأنه أن يفيد هولاند أكثر مما هو متوقع. أيضاً، فإن صعود اليمين المتطرف قد يساعد هولاند، لأن ذلك من شأنه أن يعطي صورة عن فريقه بأنه «حامي الجمهورية».
«الاشتراكيون الليبراليون» ليسوا الوحيدين الذين يحتلون مشهد الترشيحات، ففي داخل الحزب الاشتراكي يبرز تيار «المعارضين» الذي لا يوافق على سياسات الحكومة، وقد أقدم البعض على خطوة الترشح تحت شعار غير معلن وهو تصويب «ضلال» عهد هولاند. ومن بين أبرز هؤلاء وزير التعليم السابق، بينوا هامون، الذي أعلن ترشحه للانتخابات الأولية للرئاسة والتي يعقدها الحزب الاشتراكي ما بين 22 و29 كانون الثاني المقبل. ويعتقد هامون، الذي دعم مارتين أوبري في عام 2011، أن «لا شيء يستطيع ترميم الثقة التي خسرها هولاند، لا أعتقد أنه يستطيع أن يفعل المزيد في خمس سنوات إضافية». ويعوّل المرشح المعارض على قدرته على التواصل مع أجنحة «يسارية» أخرى في البلاد، أي حزب «الخضر» و«حزب اليسار». ويعد هامون أيضاً بطروحات لإيجاد الأسس حول الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية في الجمهورية مثل قانون العمل، الذي وعد بأنه سيسعى إلى إبطاله.
من جهة أخرى، يبرز اسم الوزير السابق، أرنو مونتبورغ، الذي أعلن ترشحه قبل يومين. ووفق «لوموند»، فإن مونتبورغ «المدافع الأول عن شعار صنع في فرنسا، يُظهر تردداً حول الاستراتيجية التي يريد اتباعها... وكأن الحليف السابق لفرانسوا هولاند، الذي أصبح منذ عام 2014 من أبرز منتقديه، يريد أن يبتعد تدريجياً عن الاشتراكي بهدف طرح نفسه كنموذج ديغولي من اليسار، يخاطب كل فرنسا».
بالنتيجة، فإن تلك الترشيحات المتعددة التي تريد القول إن هناك بدائل "اشتركية" لهولاند، قد لا تشكل حلاً للأزمة، بل هي مجرد انعكاس لها، وقد تصبّ في النهاية في صالح هولاند الذي لم يعلن ترشحه بعد.
من جهة أخرى، فإن هذا الإرباك داخل «الحزب الاشتراكي» الفرنسي وتعدد التيارات فيه، قد لا يكون إلا جزءاً من أزمة أوسع على المستوى الأوروبي، خصوصاً في اليونان وإسبانيا وألمانيا والمملكة المتحدة، ويقول بخصوصها الصحافي جان دومينيك ميرشي: «الاشتراكيون الأوروبيون أضاعوا البوصلة» بسيرهم نحو اعتماد تحالفات وسياسات تتعارض في المبدأ مع أفكارهم.




مانويل فالس: طوني بلير فرنسا

قد يكون فالس من بين المستفيدين من التراجع الحالي في «الحزب الاشتراكي». وإن "استراتيجية التدمير" التي يعتمدها، والتي تبينت من خلال إخفاقات متتالية، قد تكون طريقاً متعمداً، إذ إن فالس الذي لا يحظى بشعبية داخل حزبه (5.3 في المئة في انتخابات 2011 للرئاسة)، يسعى إلى تصفية «الحزب القديم» ليصبح نموذجاً ينطبق مع أفكاره، كما فعل طوني ليز في حزب «العمال» البريطاني، وليعيد بذلك اللعبة السياسية إلى الوسط، كما يعتبر ريمي لوفيبفر.
وتتطابق أفكار فالس إلى حد كبير مع أفكار طوني بلير، إذ أن الرجلين ليسا من محبي الاشتراكية التقليدية. وعلى سبيل المثال، يرى فالس في الاشتراكية أنها تعبير انتهى مع سقوط جدار برلين. وما حماسته لقانون العمل الذي عارضته النقابات في فرنسا وأشعل تظاهرات في الشارع على مدى أشهر، إلا جزء من تصوره السياسي الذي لا يمكن اعتباره اشتراكياً. ولعل كتابه الصادر في عام 2008 تحت عنوان «لإنهاء الاشتراكية التقليدية... لكي نصبح يساراً بالنهاية»، يلخص رؤيته التي تجعل منه أحد مناصري «يسار السوق» على حساب اشتراكية الدولة التقليدية على الطريقة الفرنسية.