ضجّ عالم كرة القدم في الأسبوع الماضي بتلك اللوحة الجميلة التي لوّنها جمهور فريق سلتيك الاسكوتلندي بألوان العلم الفلسطيني في مدرجات ملعبه "سلتيك بارك" خلال مواجهته مع فريق أبويل بئر السبع الإسرائيلي، في ذهاب مباراتيهما ضمن الأدوار التمهيدية لمسابقة دوري أبطال أوروبا.

مشهد توقّفت عنده وسائل الإعلام العالمية والإسرائيلية على حدٍّ سواء، وخلق ضجة كبيرة في الأوساط الكروية الأوروبية بين مؤيد ومعارض لما فعله هذا الجمهور الثائر دائماً على الظلم والمناصر للقضايا المحقة أينما كانت.
ذاك المشهد الجميل عكس أمراً أساسياً ويختصر بالتأكيد على أن القضية الفلسطينية هي قضية إنسانية قبل أن تكون سياسية، لكن ليس بالنسبة الى الاتحاد الأوروبي للعبة!
جماعة الـ"يويفا" سارعت الى المناداة بإنزال العقوبات بحق نادي سلتيك على خلفية ما فعله جمهوره، معتبرةً أنه رفع لافتات غير شرعية ومناقضة للقوانين التي نصّها وتخص مسابقاته الأوروبية، ليذهب حتى الى تحديد جلسة خاصة للاستماع الى القيّمين على النادي الاسكوتلندي قبل إنزال الحكم به.

يمكن التأكيد أن قوانين الاتحاد الأوروبي بالية

الأمر المحسوم والأكيد هو أن عقوبات غير بسيطة ستُنزل بحق سلتيك، ولو أن هذا الأمر غير مقبول وترفضه المنظمات الإنسانية التي رأت في ما فعله الجمهور الاسكوتلندي الجميل خطوة أكثر من رائعة للفت أنظار العالم الى معاناة الفلسطينيين في ظل الاحتلال الصهيوني لأرضهم. واللافت أن العقوبات التي سيقرّها الـ"يويفا" سيستمدها من قوانينه البالية التي لا تتطابق أصلاً مع رفع علم دولة معترف بها. ففي حالة من هذا النوع، يعاقب النادي المخالف إذا ما رفع لافتة فيها معانٍ سياسية أو أيديولوجية أو إهانة عنصرية أو دينية. وهنا تنتفي المسألة مع ما فعله جمهور سلتيك لأنه لم يُقدِم على رفع أي لافتة من النوع المذكور، بل جلّ ما فعله أنه "استفز" الإسرائيليين على طريقته الخاصة برفع ذاك العلم الذي يشكّل عقدتهم الأزلية.
طبعاً، وبموضوعية، قد يكون الـ"يويفا" محقاً في مكانٍ ما بمحاولة إبعاد الرسائل السياسية عن ملاعبه، أو الصراعات الإتنية التي عرفتها أوروبا منذ زمنٍ طويل، فهو إذا ما ترك المجال لهذا الموضوع ستصبح الملاعب ساحات للتظاهرات. لذا، فقد أقدم في الموسم الماضي على تغريم برشلونة بطل إسبانيا بمبلغ وصل الى 150 ألف يورو لرفع مشجعين له علم إقليم كاتالونيا، وهو الأمر الذي اعتبره الكاتالونيون مهيناً، وخصوصاً أن هذا العلم يعكس شعارهم الحقيقي وارتباطهم بالنادي وبالإقليم، رغم أن خلفية رفعه تبدو سياسية حيث توجد فيه رسالة مبطّنة موجّهة الى حكام العاصمة الإسبانية مدريد ضمن الصراع الذي لم ينتهِ يوماً بينهما.
هناك في إسبانيا، يرفع الكاتالونيون علمهم رغم كثرة الجدال الذي تثيره هذه المسألة، وخصوصاً عند كل زيارة لهم الى ملعب "سانتياغو برنابيو" الخاص بالغريم التقليدي ريال مدريد. لكن العقوبات لم تصل الى درجة التهديد بإبعاد النادي عن الدوري الإسباني أو رفعها الى الحدّ الأقصى من العقوبات المالية. وهذه النقطة تحدث عنها البعض في مجالس ضيّقة في الـ"يويفا"، وتحديداً أولئك الذين يميلون بتوجهاتهم السياسية المتطرفة الى الدولة العبرية، أو أولئك الذين يجدون مصلحة مشتركة مع الشركات الإسرائيلية التي بلا شك تغلغلت في الاتحاد الأوروبي في مرحلة أولى، ثم وضعت نفسها في المسابقات الأوروبية، ما يعني أن الـ"يويفا" لا تعنيه الإنسانية بقدر الأعمال التجارية.
حسناً، يعاني الاتحاد الأوروبي انفصاماً فاضحاً وتطرّفاً في شخصيته، فهو اليوم يرى في العلم الفلسطيني سبباً لمعاقبة سلتيك، ويعتبره مهيناً بحق هذا الفريق أو ذاك، متجاهلاً كل الجرائم الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. لكن العلم الإسرائيلي الموجود في الكثير من المباريات الأوروبية لا يراه أصحاب القرار هناك في الـ"يويفا"، لا بل إنه في ملاعب معيّنة أصبح ضيفاً دائماً، تماماً على غرار حضوره بالآلاف في كل مباراة تقام على ملعب نادٍ غير إسرائيلي اسمه أياكس أمستردام الهولندي، لا للدلالة على شيء سوى على تأكيد الهوية اليهودية لهذا النادي، وهي المسألة التي تلتقي مع ما ذُكر أنه ما يرفضه الاتحاد الأوروبي من رسائل سياسية ودينية في آنٍ معاً.