في عصر البروباغندا؛ يستحيل ألا يكون للجيش الذي يمتلك دولةً، «متراسٌ» الكتروني يبث رسائله منه. بعد النجاح الذي أحرزته صفحة الناطق باسم جيش العدو الصهيوني أفيخاي أدرعي، التي تحوي أكثر من مليون متابع (يمكن القول إن 30 في المئة أو أكثر منهم هم عرب، لكن لا إحصائية دقيقة بذلك)؛ كان لا بد من المراكمة على ذلك. لقد فهم الصهاينة أنَّه يمكن الحديث/ التنسيق مع الفلسطينيين بشكلٍ مباشر من دون الحاجة إلى جهاتٍ وسيطة (في الواقع الحقيقي أو الأثيري). طبق هذا الأمر بدايةً عبر توزيع ثمانية آلاف «تصريح عمل» للفلسطينيين في الكيان العبري، في التاسع من الشهر الحالي في الضفة الغربية، ومن دون أي تنسيقٍ مع وزارة الشؤون المدنية الفلسطينية التي يتم التعامل معها في حالات مماثلة.

تبدو «صفحة» الوحدة الصهيونية الجديدة «وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق» التي حملت اسم «المنسّق» (نسبة إلى دورها كمنسق بين الاحتلال والمدنيين الفلسطينيين) واحدةً من أهم تلك الخطوات الأثيرية. كعادتهم، زينوا تلك الصفحة على مواقع التواصل الاجتماعي (تويتر، فايسبوك وسواهما) بصورة «الباشا المنسّق» الجنرال يوآف مردخاي بزيه العسكري (هو الحساب نفسه الذي أوقع المغني صابر الرباعي في فخ صورته مع ضابط «التنسيق» قبل أيام). باختصار، تهدف هذه الصفحة إلى التواصل «المباشر» مع الفلسطينيين، علماً أنّه خصصت لها ملايين الدولارات تبعاً لمصادر صهيونية كموقع «والاه» نقلاً عن وزير الحرب الصهيوني أفيغدور ليبرمان. الأخير أكّد الخبر، مشيراً إلى ضرورة التواصل مع «شخصيات فلسطينية» بعيداً عن «أبو مازن تحديداً» (و«حماس» والحركات المقاومة ضمناً حكماً).
تحظى صفحة «المنسّق» (على الفايسبوك) حتى اللحظة بقرابة خمسين ألف متابع. رقمٌ صئيل نسبياً، خصوصاً إذا لاحظنا الحساباتٍ الوهمية الكثيرة، ما يعني أنَّ غالبية المتواجدين لا يزالون «وهماً» عبرياً كاملاً، أي بلغةٍ أكثر مباشرةً نتاجاً لوحدة «الهاسبارا» الشهيرة المصممة لحماية الكيان العبري والدفاع عنه إلكترونياً.

صفحة تعنى بفبركة «إنسانية» الكيان المحتلّ وتعامله «الراقي» مع الفلسطينيين

لكن ماذا عن مضمون الصفحة؟ تبدو الإعلانات في الصفحة طفوليةً ومضحكةً إلى حدٍ كبير. يظهر الصهاينة «ملائكةً: على اختلاف مشاربهم: منسقة الشؤون الصحية داليا باشا في الوحدة تداعب وجه طفلةٍ فلسطينية بحنوٍ بالغ أثناء «تنسيق خروج عدد من المرضى» من الضفة الغربية (يسميها الكيان العبري اصطلاحاً يهودا والسامرة) إلى احدى الكيبوتسات شمال فلسطين المحتلة للتخفيف عنهم. صورةٌ أخرى لفلاحين «فلسطينيين» ــ بحسب المنشور- يتلقون «دروساً» في الزراعة على يد مدربين صهاينة. نقلٌ لحيواناتٍ من حديقة في خان يونس في قطاع غزّة عبر معبر إيريتس إلى الكيان العبري مع «تطبيل» للتعاون مع منظمات حماية الحيوانات العالمية (مثل four paws مثلاً)، والإصرار على أنَّ ذلك حدث «لتأمين حياة أفضل للحيوانات» نفسها.
طبعاً فوق كل هذا، هناك «المعلومات» المنمّقة من نوع: هل تعلم أنَّ عدد الأطباء «العرب» الذين يعملون ويتدربون في الكيان هم 160 طبيباً؟ من دون تجاهل «الكرزة» التي تزيّن قالب الحلوى: «انشر هذه المعلومة لأن الإعلام العربي لن ينشرها». لا ينسى القائمون على الصفحة أن يطلوا على السياسة الفلسطينية، فيكذّبون وزيراً هنا، ومسؤولاً هناك، مع الإصرار على إظهار «حرفيةٍ» عاليةٍ في «تحديد» مواعيد «فتح» المعابر مثلاً، أو استعداد الوحدة لنشاطاتٍ من نوعٍ «ترفيهي» أو «اجتماعي» بهدف «خدمة والترفيه عن الشعب الفلسطيني». ساعتها، يخيّل لمطالع الصفحة بأنَّ فلسطينيي غزّة أصبحوا فجأةً مواطنين سويديين، وجيش الاحتلال شرطةً اسكندنافية، لناحية الرقي والتفاهم والتعامل والتنسيق المتبادل. على الجانب الآخر، تبدو الصفحة مختلفةً عن «جو» أفيخاي أدرعي «المسرحي». لا يتحدّث المنسّق طوال الوقت، بل يترك «الصور» تتحدث. طبعاً هو لا يحرمنا من طلته «البهية» نهائياً، فهو يظهر في فيديو الترحيب «المسلّي» في الصفحة. يقرأ كلامه من ورقةٍ غير ظاهرةٍ، بلغةٍ عربيةٍ «مبعثرة» (أكثر من مكسّرة). يحاول «خلق» الرابط مع الفلسطينيين (تحديداً أهل الضفة الغربية وغزّة) «آمراً» بمتابعة الصفحة «لأجل مصلحتكم» من دون أن ينسى أن يختم بـ «لطخة» المزاح الصهيونية اللزجة وبالعامية: «عم نستناكم».
تكثر «الشكاوى» التي يكتبها فلسطينيون على صفحة «المنسّق» ــ وبعضها حقيقي للأسف - حول المعابر وكل ملحقاتها (تصاريح المرور، تمرير الأدوية والأغذية والمساعدات وسواها). يعترف كثيرون بأنَّ وجودهم على الصفحة محصورٌ فقط في رغبتهم في ملاحقة حياتهم اليومية، حيث لا يمكن معرفة تواقيت المعبر إلا عبر هذه الطريقة مثالاً. لكن في الإطار عينه، يحضر في البال سؤالٌ قد يراه كثيرون «محرّماً»: هل يمكن سؤال الجانب الفلسطيني (سواء «حماس» أو السلطة) عن طريقة إدارتهم للمعابر من جهتهم؟ إذ، لا يمكن تجاهل أنَّ هناك مشكلةً فلسطينية فعلية على الأرض، ولا تكمن فقط في الاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية، ولكن في أنَّ الوضع الفلسطيني الداخلي (العلاقة «المتشنّجة» بين «حماس» والسلطة، أو «حماس» وأي أحد، كما السلطة وأي أحد) عموماً هو الذي يشجّع الصهاينة على تحقيق أهدافهم وتحسين موقعهم سواء التفاوضي (في حال كانت هناك نوايا تفاوض سلطوية/ حمساوية) أو العسكري/الاحتلالي. مجرّد قبول كثيرين بالدخول إلى صفحة مماثلة وتحويل شخصية «جنرال صهيوني» قاتل إلى شخص «معتاد» ويومي هو قمة التعود والقبول، وصولاً إلى مراقبته وأنشطته بحيادية وقبول، مما يمكن اعتباره أكبر أحلام هذه الوحدة العسكرية الصهيونية.
هنا أونلاين، يلعب الصهاينة لعبةَ البراءة المطلقة ملقين جلّ اللوم على «حماس»، تارةً باتهامها بالسرقة، وطوراً بخداع الشعب الفلسطيني، وأخيراً بأنّها تجر «المصائب» على أهل غزّة. المشكلة أن «تفرّد» حماس بالقرار في غزّة، وعدم قدرة السلطة الفلسطينية على لعب أي دور «حقيقي» و«فعال» فلسطينياً –وغزياً ضمناً، أمر يجعل «تطبيل» الصهيوني قابلاً للتصديق ولو بنسبة 10 في المئة. نسبةٌ قد تبدو صغيرة، ولكن من قال إن الصهيوني يحتاجُ أكثر من ذلك؟