بدأت السلطات اللبنانية بإصدار جوازات سفر جديدة على النظام البيوميتري الحديث وفق أحدث معطيات تكنولوجيا جوازات السفر في العالم. ويقوم هذا النظام على الاحتفاظ ببصمات الأيدي والعيون للأفراد إليكترونياً على نحو يسهّل على السلطات متابعة وتدقيق وثائق السفر والأشخاص على نقاط الحدود. على رغم الشلل الذي تعاني منه أجهزة السلطة اللبنانية بسبب الانقسام السياسي والصعوبات الأمنية وعجزها الفعلي عن إنجاز أي مشاريع تنموية أو بيئية، إلا أنّ هذا المشروع تحديداً حصل على كل الموافقات والاعتمادات اللازمة للانتقال به إلى حيّز التنفيذ. اللطيف أن إقبال المواطنين على استبدال جوازات بيوميترية بجوازاتهم القديمة فاق كل التوقعات، ووضع ضغوطاً غير عادية على دوائر الأمن العام للاستجابة للطلب غير المسبوق على الجوازات الجديدة.

ما لا يعرفه الكثيرون أن فكرة جوازات السفر البيوميترية هي أشد إجراءات التحكم والسيطرة طموحاً في تاريخ العالم لرصد ومراقبة وتصنيف حركة الأشخاص عبر القارات، وذلك من خلال نشر خوارزميات حواسيب فائقة التطور وتقنيات للبحث في قواعد البيانات لتحديد من هو غير مرغوب فيه ــ وفق تصنيف سري معين أو مصدر تهديد محتمل، وفق قواعد معينة ــ تحددها سلطات غير معروفة للناس العاديين. جوازات السفر البيوميترية هي تذْكرتكم للدخول إلى قواعد البيانات هذه.
هذا البرنامج الطموح الذي تتعاون على تنفيذه معظم حكومات العالم يستند إلى تكنولوجيا طوّرها تحالف شركات تكنولوجيا اسمه «ذي تراستيد بوردرز كونسورتيوم» (أي تجمّع الحدود الموثوقة) يضم عدة شركات متخصصة وترأسه شركة أنظمة الدفاع الأميركية الضخمة «رايثيون»، ويستهدف بناء أكبر قواعد بيانات بيوميترية لاقتفاء تحرّكات الأشخاص عبر الحدود، والاستفادة من خوارزميات متقدمة في توقع تهديدات مستقبلية قبل أن تقع فعلاً. ولمن لم يسمع بـ«برايثيون» سابقاً، فهي الشركة التي تصنّع صواريخ «كروز» الموجهة والطائرات من دون طيار التي تستخدمها وكالة الاستخبارات الأميركية منذ عام ٢٠٠٢ لشنّ عمليات الاغتيال في الشرق الأوسط وأفغانستان وباكستان، وهي في قلب المجهود التكنولوجي الأميركي لاستخدام البرمجيات المتقدمة في بناء منظومات قتل آلي تبادر إلى استهداف الأعداء من دون أي تدخل بشري على الإطلاق، وفق خطط الجيل الجديد من أنظمة العسكرة الأميركية.
السلطات البريطانية أنفقت مليارات عدة من الجنيهات الإسترلينية على تنفيذ مشروع البيوميترات هذا في المملكة المتحدة منذ عام ٢٠٠٧، وهو الآن جزء أساسي من منظومة عمل أمن الحدود البريطانية ولسفارات المملكة المتحدة. ورغم أنّ التنفيذ لم يكتمل حتى الآن، لكنه ــ خلال وقت قريب ــ سيكون بمقدور سلطات الأمن البريطانية مقابلة أسماء جميع المسافرين إلى المملكة المتحدة مع قوائم الأشخاص «الممنوعين من السفر» وقوائم «اعتراض الهدف» ومراقبة «الغرباء» وحتى «المواطنين الذين هم موضع اهتمام» إلكترونياً، مع إعطاء تحذيرات للأجهزة الأمنية خلال ثوانٍ. الولايات المتحدة، أيضاً، تطبّق هذا المشروع الآن، ويتعيّن حتى على مواطني دولة حليفة مثل بريطانيا مثلاً الحصول على كشف على وثائق السفر أو «فيزا» مسبقة للدخول إلى الولايات المتحدة، لذا يفضّل الكثير من البريطانيين ممن يعتزمون السفر إلى أميركا استخدام مطار شانون في إيرلندا المجاورة، حيث تدير السلطات الأميركية هناك نقطة تحكم ومراقبة متقدمة لقوائم المسافرين، بحيث لا يحتاج المسافرون بعدها للوقوف في الصفوف الطويلة للتحقق لدى منافذ الوصول في المطارات الأميركية.
إنّ لبنان، بدخوله إلى نادي البيوميتريات، إنما يلتحق بمجموعة أنظمة دولية متداخلة من مشاريع المراقبة الحكومية الشاملة تعكس كما يقول الأستاذ الجامعي البريطاني ستيفن غراهام اتجاه العسكرة المروّع للمجتمعات المدنية، حيث انفلاش المفاهيم العسكريّة في الملاحقة وتتبع الهويات وتصنيف الأشخاص إلى داخل مساحات ومسارات الحياة اليومية للمواطنين. هذه العسكرة ليست مجرد استجابة عابرة لتهديدات أمنية متغيّرة، بل هي محاولات واعية، شديدة الطموح، لترجمة أحلام عسكرية فاشية الطابع، إمبراطورية النزعة تبني على تنامي العولمة، وتستفيد ــ على حساب أموال دافعي الضرائب ــ من أحدث معطيات التكنولوجيا والبحث العلمي.

هذه البيوميتريات يديرها نظام حواسيب أميركي ضخم

لا أحد يمانع ــ نظرياً بالطبع ــ من القبض على الإرهابيين المزعومين قبل صعودهم إلى الطائرات أو دخولهم إلى نقاط الحدود. لكن هذا المشروع الضخم (الذي تشكّل جوازات السفر البيوميترية بوابة الدخول إلى قاعدة بياناته) قادر أيضاً على تصنيف المسافرين وتنميطهم وفق معطيات معينة تحددها السلطات ولا يعلم عنها المواطنون. مثلاً، تضغط السلطات الأميركية على بريطانيا لترميز جوازات السفر البريطانية للمواطنين الذين هم على صلة وثيقة بباكستان مثلاً. وهكذا عندما يتقدم بريطاني له علاقة ما بباكستان ــ وفق خوارزميات معينة ــ للحصول على تأشيرة سفر للولايات المتحدة، يجري التعامل معه أمنياً بطريقة مختلفة عن بريطاني أبيض، وهكذا.
هذا النظام من خلال توسّعه وضم دول أخرى إليه ــ وهي مرغمة في ذلك لا راغبة ــ يثير مخاوف اجتماعية هائلة، لأن نتائجه البعيدة قد تطيح تماماً مفاهيم السيادة القومية والمواطنية للدول كما تعارف عليها البشر منذ القرن السابع عشر، ليس لمصلحة الانتقال إلى مواطنيّة كونيّة بديلة، بل إلى تنميطات هجينة تتحدى التعريف القانوني والجغرافي، وتسهّل للطبقات المهيمنة تكريس مستويات مختلفة من الفصل الطبقي والعنصرية البغيضة.
هذه البيوميتريات يديرها نظام حواسيب أميركي ضخم يدمج حالياً مع أنظمة الرقابة الحكومية المحليّة والتجارة وأبحاث التسويق والبنوك وبطاقات الائتمان وتكنولوجيا تحديد المواقع (GPS) ووسائل الاتصال الحديثة والهواتف والإنترنت وغيرها، على نحوٍ سيتيح مراقبة وترقب وتوقع سلوك الأفراد وعزل مجموعات مختارة منهم وراء حدود الدول الكبرى أو المدن الغنية بناءً على لونهم أو أصولهم أو وضعهم المادي أو حتى نوعية الصحف التي يشتركون بها، وسيلغي بالكامل فكرة اللجوء والهجرات غير المتحكم بها. وهذا النظام ببساطة لا يعرف حدوداً ولا سيادة، فالمعلومات التي عليه هي ملك للسلطات التي تدير النظام، وهي دون شك تمتلك وحدها صلاحيات الاشتراك بما تراه مناسباً من معلومات قاعدة البيانات والخوارزميات مع الحكومات المختلفة والجهات المناسبة.
الرأسمالية بالطبع نظام أساسه السيطرة والمراقبة، وهذا ليس بالأمر الجديد، لكن التقدم التكنولوجي المذهل واندثار سيادة الحكومات المحليّة لمصلحة الإمبراطورية المعولمة أعطى منظومة رأس المال سلطة قد لا يعود قريباً بالإمكان وقف تغولها على حقوق الأفراد والمجموعات عبر العالم.
أيها اللبنانيون، مرحباً بكم. أنتم أيضاً معنا في قاعدة بيانات الإمبراطوريّة!