لم تلغ الأزمة الحكومية الجديدة والتساؤلات عن وضع الحكومة الكلام عن مصير الاستحقاقات الأخرى المتعلقة بإقرار قانون انتخاب وإجراء انتخابات نيابية السنة المقبلة، إضافة الى الاستحقاق الأساسي المتمثل بانتخاب رئيس للجمهورية. وبما أن الكلام عن رئاسة الجمهورية صار في حكم المؤجل وطارت كل المواعيد التي أعطيت، تحول الاهتمام الى الانتخابات النيابية.

لكن في الأيام الأخيرة، طغى الحديث عن التمديد للمجلس النيابي على أي احتمال ينبئ بإمكان حصول الانتخابات في موعدها، رغم كثرة المطالبين علناً بإجرائها والعاملين سراً على إرجائها. والكلام الذي كشفته أوساط سياسية قبل أيام تحول فجأة إلى كرة ثلج، فصار متداولاً لدى مختلف القوى السياسية، الى الحد الذي كثرت معه الأعذار والحجج التي يراد منها إبعاد كأس الانتخابات عن المتضررين من حصولها. والمفارقة أن هذه القوى بدأت تتحدث، في مجالسها، عن تأجيل الانتخابات كأمر واقع، بدل الحديث عن إجرائها ولو وفق قانون الستين، الذي كان ولا يزال يشكل مصدر رفض للقوى المسيحية تحديداً، علماً بأن هذه القوى ترفض التمديد للمجلس وتصرّ على إجراء الانتخابات، ولو أنها لم تصل بعد الى اتفاق سياسي على قانون انتخابات بديلٍ للقانون الحالي.

المادة 55 من الدستور تنصّ على استمرار هيئة مكتب المجلس المنحلّ في تصريف الأعمال

واحتمال عدم إجراء انتخابات نيابية مقبلة وعدم التمديد أيضاً يعنيان أن تطوراً كبيراً سيمسّ بصورة مباشرة المجلس النيابي ويهدد مصير المؤسسة التشريعية وبقاءها. فهل يمكن أن يسقط المجلس وتبقى الحكومة الحالية قائمة، بعدما تعذر إجراء الانتخابات الرئاسية، فتتحول وحدها إلى الحاكم الفعلي في لبنان؟ وهل بإمكان حزب الله والرئيس نبيه بري أن يقبلا ما قبله المسيحيون الذين تعايشوا مع غياب رئيس الجمهورية وتوزع السلطة المركزية بين رئاستين ثانية وثالثة؟
الأكيد أنه لا بري ولا حزب الله في هذا الوارد، لا بل إن لرئيس المجلس رأياً آخر، بحسب ما تتداوله أوساط سياسية مطلعة على موقفه. ووفق معلومات نقلتها أوساط سياسية، فإنه لا فراغ في المجلس النيابي، على غرار ما حصل في رئاسة الجمهورية. ورئيس المجلس النيابي باقٍ في موقعه ولن يترك المجلس، حتى لو لم تحصل الانتخابات النيابية أو رفضت بعض القوى السياسية التمديد للمجلس. فبري الذي يصرّ على إجراء انتخابات نيابية وعدم التمديد للمجلس مرة أخرى، سيبقى مترئساً هيئة مكتب المجلس التي ستبقى قائمة، ولن تحل. وستتحول الهيئة تالياً إلى شكل من أشكال المجلس النيابي ويبقى بري رئيساً "لمجلس النواب المصغر" الى أن تجرى انتخابات نيابية. وهذا يعني أنه لا فراغ في موقع الرئاسة الثانية، ورئيس المجلس يستمر في مزاولة تصريف أعمال المجلس النيابي، طالما أن النظام الداخلي للمجلس حدد لرئيسه مجموعة من الصلاحيات التي تخوّله الاستمرار في موقعه.
ثمة عبارة في المادة 55 من الدستور المتعلقة بحق رئيس الجمهورية بالطلب من مجلس الوزراء حل المجلس النيابي وإجراء انتخابات جديدة، تعزز هذا الاحتمال، ويمكن الاستناد إليها، إذ إنها تشير في إحدى فقراتها الى أن "هيئة مكتب المجلس تستمر في تصريف الأعمال حتى انتخاب مجلس جديد". ورغم أن المادة المذكورة تتعلق بواقع حل المجلس وكيفية الدعوة الى انتخابات جديدة والمهل المحددة، إلا أن العبارة المستقلة تعطي شرعية لبقاء هيئة مكتب المجلس، في حال تعذر التمديد للمجلس الحالي وعدم إجراء انتخابات جديدة، ما دام النص الدستوري لم يتحدث عن احتمال تعليق الانتخابات والتمديد للمجلس النيابي كون الأمرين استثنائيين ولا يمكن لأي دستوري أن يلحظهما.
في الأسابيع الماضية، دار نقاش سياسي حول رئاسة المجلس النيابي ومن سيكون رئيسه في ضوء كلام الرئيس فؤاد السنيورة وردّ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله. النقاش اليوم، ينتقل الى مكان آخر، طالما أن كل الذرائع تسقط، حين يتعلق أي نقاش سياسي بالرئاسة الثانية أو الثالثة. ووفقاً لذلك، بإمكان القوى السياسية أن تتعامل مع واقع جديد، فالحكومة لن تبقى وحيدة تتفرد بالحكم، إذا تعذر إجراء انتخابات رئاسية وانتخابات نيابية. وهذا يعني أن الأشهر المقبلة، ستكون بمثابة تحدّ حقيقي أمام هذه القوى الراغبة في إجراء الانتخابات كي تدفع في اتجاه الاتفاق على قانون انتخابي لسحب الذرائع الحالية المتعلقة بإرجاء الاستحقاق النيابي، وعدم تكرار واقعة التمديد مرة أخرى.