صنعاء | صعدة | لا شك أن المبادرة التي قدمها وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، عقب الاجتماع الرباعي في جدة، تعكس الرغبة الأميركية في بقاء التواصل مع كل أطراف الحرب اليمنية، لكنها بقيت مطعّمة بالتهديدات، فضلاً على أنها تترك الباب مفتوحاً أمام استمرار العدوان، بل ظهر كيري، خلال اجتماعه مع نظرائه البريطاني والسعودي والإمارتي في جدة (من دون تمثيل لعبد ربه هادي وحكومته)، متعاطفاً أكثر مع الرياض، وخاصة بعدما طفا التذمر الخليجي من «تفرج أميركا على نزف مالي وعسكري للخليج في اليمن» من دون تدخل منها يقلب موازين القوة!

مصدر مقرب من وفد صنعاء العالق في مسقط، أكد في حديث إلى «الأخبار»، أنه لا صحة عن تعاطٍ جاد مع مقترح كيري، كما لا موقف نهائياً منه. لكن هذا المصدر رأى أن الحديث الأميركي، الذي يتجنب السير وراء فكرة التدخل المباشر، يترجم «فعالية التقدم الذي يحرزه الجيش واللجان الشعبية في جبهات ما وراء الحدود، وخصوصاً على مشارف نجران أخيراً».
لكن الحرص، الذي أبدته المبادرة الأميركية على «الحل السياسي كمخرج وحيد للأزمة اليمنية»، سرعان ما تصادم مع تاكيدات بأن «استهداف السعودية أمر خطير ويمسّ سيادتها ويهدد أمن المنطقة وأمن الولايات المتحدة»، في دعوة غير مباشرة إلى وقف الأعمال القتالية والصواريخ داخل السعودية، لهذا رأى المصدر نفسه أن ثمة «ألغاماً تضمنها حديث كيري وخاصة تحميل أنصار الله وحدهم مسؤولية فشل مبادرته، الأمر الذي قد يكون مؤشراً على نية أميركية لشن حرب على اليمن، واتخاذ رفض المبادرة ذريعة لذلك».
وكان لافتاً أن المبادرة الجارية تقدم السعودية كأنها «وسيط» في الحرب لا طرفاً فيها، كما خلت من الحديث عن إنهاء الحصار المفروض على اليمن، برغم أنها تحدثت عن العودة إلى وقف الحرب كلياً. لكن المصدر المشارك في المباحثات، قال إن إشارات إيجابية حملها كيري؛ أبرزها التراجع عن فكرة تجزئة الحلول، ورؤية منفذ غير عسكري للحل، لكنها في الوقت نفسه «تجاهلت القرار 2216 وتحدثت عن أن سيادة اليمن على رأس الأولويات، كأنها مغازلة لفريق صنعاء أو لجرهم بعيداً عن الخطوات التي يستعد المجلس السياسي الأعلى في صنعاء لاتخاذها، كتشكيل حكومة سوف تحظى بثقة البرلمان»، الأمر الذي سوف ينعكس على شرعية الحكومة التي شكلها هادي أخيراً.

أعلنت القوة الصاروخية اليمنية استهداف مقارّ لشركة «أرامكو»

من جهة أخرى، يأتي المقترح الأميركي كإعلان وفاة لمبادرة المبعوث الدولي، إسماعيل ولد الشيخ، الأخيرة، ولكن إيجابيتها تبقى في أنها قدمت الحل السياسي والأمني في مسارين متوازيين، علماً بأنها تضمنت تشكيل حكومة وحدة وطنية يسبقها تسليم الأسلحة، وخاصة الصواريخ في صنعاء وبعض المناطق، إلى جهة ثالثة محايدة، من دون توضيحات مفصلة عن هذه النقطة.
على الصعيد الميداني، يواصل المقاتلون اليمنيون تقدمهم باتجاه الشرق من مدينة نجران، جنوبي السعودية، محكمين سيطرتهم على مجموعة كبيرة من المواقع العسكرية بعد معارك ضارية قتل فيها العشرات من عناصر الجيش السعودي؛ من بينهم ضباط من كبار قادة الجيش. ومن أهم تلك المواقع: موقع الشبكة الاستراتيجي الواقع إلى الشرق من جبل الشرقي، وهو مقر رئيسي لقيادة حرس الحدود السعودي وإدارة العمليات القتالية. ويحتوي «الشبكة» على مخازن للأسلحة والذخائر المتنوعة، كما تقع عليه أهم مرابض المدفعية السعودية في الجهة الشرقية لنجران.
وكان الجيش السعودي قد حرص على تحصين هذا الموقع وتعزيز خطوطه الدفاعية بتشييد الأبراج الاسمنتية المستخدمة للمراقبة العسكرية. لكن القوات اليمنية نجحت في سياق عملياتها العسكرية الواسعة، التي تشهدها جبهة نجران، في السيطرة على كامل المواقع العسكرية المشرفة على المدينة، وهي تبعد عن موقع الشبكة قرابة أربعة كيلومترات.
وأظهرت مشاهد «الإعلام الحربي»، التي وثقت العملية، كمّاً كبيراً من الأسلحة والذخائر التي اغتنمها اليمنيون في المواقع السعودية، فيما نقلت مصادر ميدانية أن حصيلة الأيام الماضية كانت على الأقل إحراق ثماني آليات (دبابات ابرامز وناقلات ومدرعات برادلي). كما أظهرت المشاهد بطاقات عسكرية تعود إلى أفراد في الجيش السعودي تركوها في الموقع قبل فرارهم ومقتل آخرين.
في الوقت نفسه، وزع «الإعلام الحربي» يوم أمس، مشاهد متنوعة للعمليات العسكرية الواسعة التي شهدتها جبهة عسير قبالة منطقة ظهران، وانتهت بسيطرة اليمنيين على مناطق جبلية مطلة على مدن سعودية. كذلك أعلنت القوة الصاروخية اليمنية إطلاقها صواريخ باليستية؛ وجه اثنان منها إلى مقارّ ومخازن لشركة «أرامكو» النفطية.
إلى ذلك، تعرضت قناة «المسيرة» التابعة لـ«أنصار الله»، للوقف إثر عرضها مشاهد «الإعلام الحربي». وأفاد مصدر في مكتب القناة بتلقيهم تهديدات في حال عرضهم المشاهد مجدداً، مضيفاً أن انقطاع بث القناة حدث فعلاً أثناء عرضها المشاهد. وأظهرت المشاهد المعروضة لحظة هرب عشرات الجنود السعوديين من مواقعهم قبل وصول المقاتلين اليمنيين إليها، كما تضمنت صوراً لجثث العشرات من الجنود السعوديين محملين على أطقم عسكرية تحاول الهرب من موع تبة الشيباني.