حتى أواخر الألفية الثانية، كان النقاش دائراً بين المعنيين، حول الصيغة الممكنة للتعايش بين الديني والدنيوي ضمن حيز الحياة العامة والشأن العام. وبالتالي ضمن أي إطار سياسي مجتمعي دولتي. وكان البحث حتّذاك، متمحوراً حول المنهجية الفكرية الآتية: أولاً، ثبت عبر التاريخ البشري، أن "الديني" عامل مكون للوجدان الإنساني، كما يقول ميرسيا إلياد. ثانياً، ثبت أيضاً، وعبر تطور المجتمعات البشرية، أن هناك ثنائية حتمية بين ما هو ديني وما هو دنيوي، تفرض نفسها على كل جماعة بشرية. ثالثاً، واستناداً إلى ذلك، لا بد من إيجاد صيغة ترعى العلاقة بين الاثنين في أي تشكل بشري، من المجتمع، وصولاً إلى الدولة.

وحتى ذلك الوقت، كان واضحاً أن البشر عبر تاريخهم، جربوا ثلاث صيغ للعلاقة بين الديني والدنيوي. أولاها، أن يقوم الديني بإلغاء الدنيوي. وهو ما جسدته التيوقراطيات، تاريخاً وراهناً. وهو ما خلف ملايين الضحايا وأهوالاً من القهر والظلم والدم والاضطهاد. صيغة ثانية قدمها لعالمنا تاريخنا الحديث، هي أن يقوم نظام مجتمعي سياسي، حيث يلغي الدنيوي كل ما هو ديني. وهو ما جسدته أنظمة الأفكار الإلحادية. وهو ما أورث عالمنا المعاصر قمعاً لا يقل قسوة ووحشية عن القمع الديني واضطهاداته. ففي الحالتين، كان النظام البشري القائم إلغائياً توتاليتارياً. باسم إله سماوي أو آلهة صنمية أرضية أو ما يعادل الفئتين معاً، من طواطم فوقية أو تحتية، تقوم المجتمعات والدولة على عبادتها، على قاعدة يعيش الطوطم والموت لكل ما عداه.
هكذا كان النقاش السائد حتى نهاية الألفية الماضية، قد رسا إلى حد ما، على ضرورة التسليم بصيغة ثالثة. صيغة وسطية. تبدأ من التسليم بضرورة وجود الديني والدنيوي معاً في أي مجتمع حي. وضرورة اعترافهما المتبادل وتعايشهما السلمي والثقافي وحتى المجتمعي والسياسي. وهي الصيغة التي أعادت إحياء مفهوم العلمانية، وصولاً إلى مقولة الدولة المدنية، بحيث تكون مؤسسة الدولة قائمة حصينة، وتكون مؤسسة الدين كذلك. وتكون العلاقة بينهما واضحة سوية وعائدة بالخير لكل بشري.
صحيح أن المسألة لم تحل بشكل جذري يوماً. وصحيح أن الصراع لم يخفت قط. غير أن هوامشه كانت قد أمست واضحة، محددة إلى حد ما. فلا أنور خوجه، ونظام التعليم المادي الإلزامي من جهة، ولا محاكم التفتيش أو دولة طالبان الزرقاء من جهة أخرى. ورغم هذا التسليم شبه العام، استمر النقاش، حتى بين ما سمي علمانية مؤمنة وأخرى ملحدة... ولم يقفل البحث.
غير أن ما نعيشه اليوم في عالمنا، ومحيطنا خصوصاً، وحتى في لبنان، بات ينذر بانقلاب البحث. لم يعد الخطر محدقاً بحضور الديني في حياتنا. صار الخطر الجدي والداهم، هو ذاك الذي يتهدد الدنيوي في حياتنا الخاصة والعامة على السواء. حتى ليمكن القول إننا نكاد نقترب من العيش في تيوقراطيات مقنعة. تماماً كما كان يحكى عن ديكتاتوريات مقنعة.
فلنستعرض بشكل "نقطي"، الحالة العامة التي وصلنا إليها: أحوالنا الشخصية خاضعة للدولة الدينية. ما يعني ذلك من نظام شمولي يطال أعمق ما في شخصية الإنسان. ولادته وتربيته وإنشاء عائلته وأحوال أفرادها وموته وموتهم وما بعد الموت مادياً وقانونياً... كلها خاضعة لدولة دينية. أضف إلى ذلك، أحوالنا السياسية، خاضعة أيضاً لإسقاطات الدولة الدينية. في تمثيلنا وسلطتنا وحدود اختصاص سلطات الدولة وقواعد تداولها والتناوب على مختلف مراكزها ومناصبها... بعد أحوالنا الشخصية والسياسية، وصلنا أخيراً إلى حياتنا الثقافية. مسرحنا وموسيقانا وغناؤنا ونحتنا ورسمنا وأدبنا وإعلامنا وشاشتنا الصغيرة والكبيرة... كلها صارت خاضعة لمنظومات مخفية حيناً ووقحة حيناً، من الحدود والقيود التي تفرضها دولنا الدينية. حتى صار جلياً أخيراً، أن الديني يجتاح حياتنا العامة، ويكاد يضطهد الدنيوي والمدني، ونكاد نقول المشترك الإنساني، من هذه الحياة. ليست مصر وحدها من يحاكم سيد قمني، بعد نحو قرن على كتاب "الإسلام وأصول الحكم". مصر القاطرة القومية والثقافية، مصر شاشة العرب وهوليوودهم... حتى في لبنان، صارت الدول الدينية فيه هي من يحكم أي كتاب يقرأ وأي فيلم يعرض وأي لباس لراقص في جبيل وأي مطرب لمهرجان في طرابلس وأي ثقافة لصيدا وأي شراب لمناطق كاملة وأي طعام لشعوب تامة، في الوطن الذي كان يثور على أن يكون أقل من شعب في أصغر من دولة!
أخطر ما في هذا الوضع، أن ليس الملحدون من يطلقون الصرخة في هذا القرن. بل هم المؤمنون من يكادون يصرخون في وجه الدينيين: مهلاً علينا. تكاد آلهتكم تبيد إنساننا. تكاد سماواتكم تدمر أرضنا... نكاد نختنق!