تنفق وزارة الأشغال العامة سنوياً مئات مليارات الليرات. تتضمن موازنتها السنوية أكثر من 300 مليار ليرة لصيانة الطرق وإنشائها، وهناك مليارات أخرى مرصودة من خلال موازنات مديريات مختلفة تابعة للوزارة، منها المديرية العامة للطيران المدني، ومديرية النقل البري والبحري وسواهما... ورغم ذلك، إن إنفاق وزارة الأشغال لم يتسم يوماً بالشفافية، بل كان إنفاقاً سياسياً في الدرجة الأولى وفاسداً. التجربتان الأخيرتان في وزارة الأشغال تكشفان عن جانب أساسي من هذا المشهد. الوزير السابق غازي العريضي أنفق مئات مليارات الليرة بطريقة استدراج العروض المحصور، فيما ينفق الوزير الحالي غازي زعيتر مئات مليارات الليرة بمناقصات شرطها الأساس الحصول على إفادة خبرة صادرة عن وزير الأشغال.


تلغيم دفتر الشروط

حالياً، تحاول وزارة الأشغال التلطّي وراء كلمة «مناقصة» فيما هي تعمد إلى «لغم» دفتر الشروط. الهدف من هذا الأمر، هو تجنّب الاتهامات التي وجهت الى الوزير السابق غازي العريضي بسبب التلزيم بطريقة استدراج العروض المحصور وتجزئة الملفات. استدراج العروض المحصور يعني أن الوزير يطلب من شركات يسميها بقرار منه المشاركة في تقديم أسعارها للفوز بمشروع ما، وبالتالي يملك القدرة على تسمية شركات معيّنة واستبعاد شركات أخرى، ويملك القدرة على توزيع الأدوار بين الشركات ولعب دور ضابط إيقاع للتلزيمات... وفق مصادر مطلعة، فإن فريق عمل الوزير زعيتر، رأى أن اعتماد أسلوب استدراج العروض يجعله عرضة للتساؤلات التي رافقت فترة ولاية العريضي والاتهامات بالفساد والمحاصصة والانتفاع من السلطة. ولذا قرّر تغيير أسلوب العمل. ففي شباط 2016 اصدر مذكرة إدارية تحمل الرقم 21/ف عنوانها «آلية إعطاء إفادات تنفيذ الأشغال الصادرة عن الإدارة». وينصّ البند الثالث من المذكرة على الآتي: «تخضع الإفادات لتصديق وزير الأشغال العامة والنقل بعد رفعها من قبل المدير العام للطرق والمباني»، وتشير المادة السادسة من المذكرة إلى أنه «على الإدارة التقيّد بما ورد أعلاه عند إعداد دفاتر الشروط الخاصة بتلزيم أشغال تأهيل وصيانة شبكة الطرق أو المباني الحكومية».

لزّمت وزارة الأشغال 19 مشروعاً بقيمة 235 مليار ليرة في سبعة أشهر

إفادة وزير

بالفعل بدأت دفاتر الشروط الخاصة بالتلزيمات التي تعدها وزارة الأشغال العامة تتضمن شرطاً أساسياً هو إفادة الخبرة الصادرة عن وزير الأشغال طبقاً للمذكرة 21/ف. في السابق كان بإمكان أي مقاول أو متعهد نفّذ أشغالاً للوزارة أن يستحصل على إفادة تثبت قيامه بهذه الأعمال لحساب الوزارة، إلا أن هذه الإفادة لم تكن شرطاً أساسياً للاشتراك، بل كانت شرطاً عاماً، إذ كانت دفاتر الشروط تتضمن بنداً يشترط أن يكون المتعهد قد نفذ أشغالاً بقيمة معينة، ولم يشر أي نص سابق إلى إفادة مصدقة من وزير الأشغال.
استناداً إلى هذا الشرط، نفّذ زعيتر العديد من المناقصات في عام 2016. في الأشهر السبعة الأولى من هذه السنة، لزّمت وزارة الأشغال 19 مشروع صيانة وإنشاء طريق أو مبنى أو مرفأ بحري بقيمة إجمالية تصل إلى 235 مليار ليرة. طريقة التلزيم في غالبية المشاريع كانت عبر «مناقصة عمومية» شرطها الأساسي هو تقديم إفادة خبرة صادرة عن وزير الاشغال العامة ولا يكون قد مضى عليها أكثر من 6 أشهر.
اللافت في هذه الإفادة، ليس فقط كون شرطها الأساسي مرتبطاً بشخص الوزير، بل كونها لاغية للخبرات السابقة التي حصّلها المتعهدون أثناء العمل مع وزارة الأشغال، ما يثير الأسئلة الآتية: هل تسقط الخبرة بمرور الزمن؟ ألا يمكن أي متعهد أن يقدّم إفادة خبرة صادرة قبل سنة؟ لمَ تذكر المذكرة 6 أشهر فقط؟ ما العبرة والهدف من هذه المدّة؟

تنويع الأساليب

أي إجابة على هذه الأسئلة لا تعني أن وزارة الأشغال ستلغي نهائياً الأسلوب القديم، بل ستعود إليه للتنويع. أفضل الأساليب هي تلك التي لا تغرق في «الروتين» وهذا تماماً ما تعمل عليه وزارة الأشغال. ففي مطلع نيسان الماضي عرضت على مجلس الوزراء مجموعة من تلزيمات «أشغال تنظيف وتأهيل شبكات تصريف مياه الأمطار والمجاري الصحية بطريقة استدراج عروض عبر إدارة المناقصات» بالاستناد إلى المواد 145 و146 من قانون المحاسبة العمومية. أما موافقة مجلس الوزراء فقد كانت تلقائية، أي من دون نقاش. المشاريع المطروحة للتلزيم عددها 13 مشروعاً وقد بدأ ينفذ منها ثلاثة مشاريع حالياً.
قرار مجلس الوزراء يوحي بأن إدارة التلزيمات ستنفذه إدارة المناقصات، فيما الدور الأبرز تلعبه وزارة الأشغال التي تضع دفتر الشروط وتسمي الشركات التي ستشارك في المناقصة بقرار من الوزير، ما يترك لإدارة المناقصات صلاحية فضّ العروض وإبلاغ وزارة الأشغال بالنتائج. هذا يعني أن مجلس الوزراء يغطّي الفساد بشمّاعة إدارة المناقصات.

نسف قانون المحاسبة

أما الخطأ الأكبر الذي يرد في قرار مجلس الوزراء هو أنه يستند إلى المادتين 145 و146 من قانون المحاسبة العمومية. هذا القانون الذي يفترض أنه المرجع الوحيد في تنفيذ كل المناقصات والرقابة عليها أيضاً، قد أولى موضوع «المناقصة العمومية» أكثر من 20 مادة بعدما وضعها في المرتبة الأولى من قسم «صفقات اللوازم والأشغال والخدمات». ووفق تفسيرات الخبراء، فإن هذه المرتبة القانونية تعني أن المناقصة هي الطريقة الأساسية، وما يليها هو استثناء يمكن الاستدلال عليه بمضامين المواد التي ترعاه، فـ«المناقصة المحصورة» جاءت في المرتبة الثانية، ثم «استدراج العروض» في المرتبة الثالثة، وأخيراً «الاتفاق بالتراضي» في المرتبة الأخيرة. ولكل من هذه العمليات، شروط خاصة ترعاها، فالمناقصة المحصورة مشروطة بأن تكون «طبيعة اللوازم أو الأشغال أو الخدمات لا تسمح بفتح باب المنافسة أمام الجميع»، أي أن «تحصر المناقصة بين فئة محدودة من المناقصين تتوفر فيهم المؤهلات المالية والفنية والمهنية المطلوبة، وأن تحدّد هذه المؤهلات بصورة مفصلة في دفتر الشروط الخاص». أما الاستدراج المحصور، فمن شروطه أن يكون محصوراً «بالأشغال التي تقوم بها الإدارة على سبيل التجربة أو الدرس، شرط أن يقرر ذلك الوزير المختص، وبالأشياء والمواد والغلال التي يجب شراؤها في مكان إنتاجها نظراً لطبائعها الخاصة، وبالشحن والنقليات والضمان، وباللوازم والأشغال والخدمات التي لم يقدم بشأنها أي سعر في المناقصة، أو قدمت بشأنها أسعار غير مقبولة، وباللوازم والأشغال والخدمات التي لا تسمح بعض الحالات المستعجلة الناشئة عن ظروف طارئة بطرحها في المناقصة، على أن يقرر ذلك الوزير المختص، وباللوازم والأشغال والخدمات الفنية التي لا تسمح طبيعتها بطرحها في المناقصة العمومية، على أن يقرر ذلك الوزير المختص». أما بالنسبة للاتفاق بالتراضي، فقد نصت المادة 147 من قانون المحاسبة العمومية على 12 شرطاً لتطبيق الاتفاق بالتراضي.
وبالتالي، لا يمكن التذرّع بجهل هذه التراتبية القانونية من أجل التهرّب من تطبيق مواد قانون المحاسبة العمومية عن المناقصة العمومية، كما لا يمكن التذرّع بوجود تفسيرات مختلفة لمواد قانون المحاسبة العمومية، إذ أن هذه المواد واضحة ولا لبس فيها. رغم ذلك، لم يكن يسري الأمر على وزارة الأشغال العامة بصرف النظر عن الذين تعاقبوا عليها. هذه الوزارة فيها الكثير من المبالغ التي تصرف من دون رادع أو حسيب.

«الديوان» يقونن

طبعاً ليس هناك رادع أو حسيب، طالما أن الأجهزة الرقابية «نائمة» أو «منوّمة». يذهب ديوان المحاسبة في اتجاه «تشريع المخالفات». يحصل ذلك على يد قضاة الديوان! ففي 4/8/2016 أصدرت إحدى غرف الديوان برئاسة القاضي ناصيف ناصيف، قراراً ينصّ على الآتي: «توصية الإدارة (وزارة الأشغال) بضرورة لفت نظر إدارة المناقصات إلى وجوب التقيد بأحكام البند 24 من دفتر الشروط الخاصة له وتقديم العارضين إفادة رسمية مصدقة من قبل وزير الاشغال العامة والنقل منظمة وفقاً للمذكرة 21/ف». توصية الديوان لا تجعل من وزارة الأشغال جهة رقابية على إدارة المناقصات فحسب، بل تشرّع المذكرة 21/ف وتمنحها الغطاء اللازم.
ولم يفلح أي من الاعتراضات على التلزيم بهذه الطريقة. فبحسب المعطيات المتداولة بين المتعهدين، إن رئيس مجلس نقابة المقاولين مارون الحلو حاول أكثر من مرّة أن يفتح النقاش مع وزير الأشغال العامة غازي زعيتر بشأن كيفية التلزيم والشروط الموضوعة من الوزير التي تقيد العمليات وتجعلها محصورة بأشخاص معينين، إلا أنه اصطدم بتفسيرات الوزير وتبريراته. إذ تبيّن لمجلس النقابة في أكثر من جلسة أن هناك متعهدين محظيين يأكلون «البيضة والتقشيرة» وان هناك متعهدين «لا محلّ لهم من الإعراب» نظراً لضعف علاقاتهم مع وزير الاشغال ومجلس الإنماء والإعمار وبلدية بيروت.




نظام الزبائنية

ما هو مشترك بين وزيري الأشغال السابق والحالي، أن كليهما رفع لائحة بملفات أشغال الطرق والصيانة على مجلس الوزراء لإقرارها. الهدف من هذا الأمر هو الاستحصال على موافقة كل أركان السلطة التي تتقاسم هذا الإنفاق وفقاً لمنطق الزبائنية السياسية. كل وزير أو نائب أو مرجعية سياسية يقدّم الوعود للناخبين بإنشاء طريق أو مركز حكومي أو صيانة أي منهما... عرض الأمر على مجلس الوزراء يضمن لكل طرف في السلطة حصّته من الأشغال ويمنح شرعية التلزيم ولو كانت آليات التلزيم مخالفة لقانون المحاسبة العمومية. أما آلية التلزيم وتوزيعها على المقاولين فهي متروكة للوزير بما يمثّل سياسياً. نظام الزبائنية السياسية يفتح باباً واسعاً للانتفاع من السلطة، وإنفاق مليارات الليرة الممولة من جيوب المكلف اللبناني. في عام 2012 أقرّ مجلس الوزراء إنفاق 250 مليار ليرة على الطرق وإنشاءات أخرى لزمت غالبيتها بطريقة استدراج العروض المحصور وبالتجزئة، أما اليوم فهناك مبالغ طائلة أيضاً ستنفقها الوزارة أيضاً على أشغال تنظيف وتأهيل شبكات تصريف مياه الأمطار والمجاري الصحية بقرار من مجلس الوزراء أيضاً.