جرابلس نافذةٌ على تعقيد جديد وغير مسبوق في الشمال السوري. لا يقتصر الأمر هنا على ما يمكن أن يخلّفه دخول القوّات التركيّة الغازية مناطق سوريّة، وتبعات توغلها المستمر، ولا على نشوب حرب مباشرة بين قوّتين حليفتين للولايات المتحدة يشكّل كلّ منهما عنصراً مؤثراً وفاعلاً من عناصر «التحالف الدولي» (تركيّا، والأكراد السوريين) فحسب، بل يتعدّى ذلك إلى تجذير انقسام حاد في بنية المجموعات المسلّحة في الشمال السوري. ورغم أنّ «وحدات حماية الشعب»، الكردية، تأتي في واجهة مشهد الحرب مع الأتراك، لأنها تشكل العماد الأساسي لـ«قوّات سوريا الديموقراطيّة»، إلا أنّ الأخيرة تضم أيضاً بين مكوناتها مجموعات أخرى، يتشكّل أحدها من مقاتلين تركمان وهو «لواء السلاجقة». ويحتفظ آخر بعلاقات «طيبة» مع السعوديّة وهو «جيش الثّوار» الذي تُعتبر بعض «كتائبه» امتداداً لـ«جبهة ثوّار سوريا» البائدة (كان يقودها جمال معروف). ويبدو أنّ التطوّرات الأخيرة قابلةٌ لتصبح «تربة صالحة» لتحويل السباق التركي ــ السعودي الخفي على النفوذ، إلى مواجهات مباشرة بين المجموعات المحسوبة على كل من الطرفين في المدى المنظور. وممّا يزيد المشهد تعقيداً أنّ كلّاً من العناصر الفاعلة في الصراع على «كعكة الشمال» يجهد للحفاظ على «خطوط خلفيّة» مفتوحة على مسارات متعاكسة تماماً. اللاعب الأميركي يأتي في رأس القائمة، وهو الذي شكّل غطاء فعليّاً لـ«قسد» منذ وقت طويل ومنح أنقرة أخيراً غطاءً سياسيّاً وجويّاً لمهاجمتها. ومن غير الواضح بعد ما إذا كان الغطاء الأميركي الممنوح لأنقرة مستنداً بأكمله إلى تكتيك الحفاظ على جذوة الصراع بين الطرفين والاستثمار فيه، أو أنّه جاء فعلاً بعد استشعار ميل تركي جارف نحو التنسيق مع موسكو وطهران، وبشكل أو بآخر مع دمشق. «قسد» بدورها تحافظ على علاقة وطيدة بالأميركيين، وعلى مسار مفتوح مع موسكو، وآخر أشبه بـ«شعرة معاوية» مع دمشق. أما على خط أنقرة ــ دمشق، فتتسم الأجواء بغموض يتركها مفتوحة على كل التكهنات، وخاصّة مع تزايد المعلومات عن تواصل أمني «رفيع المستوى» بين الطرفين. ومن المفيد التذكير بأنّ الحكومة السورية اكتفت (حتى الآن) بتصريحات تدين الهجوم التركي، ولم تبادر إلى إجراءات أخرى مثل تقديم شكوى أمام مجلس الأمن على سبيل المثال. وإذا كانت بعض القراءات تذهب إلى أن سبب الإحجام عن إجراء كهذا هو استناد أنقرة إلى تفاهمات 1998 الأمنية مع دمشق، فثمّة قراءات أخرى تستشعر «تنسيقاً خفيّاً» بين العاصمتين ضدّ «الخطر الكردي». ومن نافلة القول إنّ هذا «الخطر» يُشكّل هاجساً تركيّاً «وجوديّاً»، ودافعاً أساسيّاً من دوافع الغزو التركي لأراضٍ سوريّة، لكنّ لحسابات «الصفقات» المحتملة حيزاً لا يستهان به في حث أنقرة على الخوض المباشر في المستنقع السوري. فوجود قوّات تركيّة داخل الحدود كفيلٌ بزيادة أسهمها في أي تسوية (قد) تفرضها تفاهمات روسيّة أميركيّة.

قد يتحوّل السباق التركي ــ السعودي الخفيّ إلى مواجهات مباشرة

الميدان

على الأرض، تسارعت التطورات في جرابلس ومحيطها لتشكل نُذر حرب طاحنة بين أنقرة والأكراد داخل الأراضي السورية تأتي امتداداً للحرب «التاريخيّة» بين الطرفين. ورغم أنّ حلفاء «وحدات حماية الشعب» هم الذين تصدروا مشهد المعارك مع الأتراك وأذرعهم، إلا أن أصابع «الوحدات» حاضرة في معظم التفاصيل. الصواريخ الكرديّة عرفت طريقها إلى مطار ديار بكر التركي، والدبابات التركيّة اختبرت سريعاً مضادات الدروع. واستهدفت الطائرات التركيّة مباني سكنيّة، ما خلّف عشرات القتلى في منطقة أكدت مصادر كرديّة لـ«الأخبار» أنّه «مُتفقٌ على تحييدها». ووفقاً للمصادر، فقد تم الاتفاق عبر وجهاء على تحييد القرى المقصوفة لأنها «مناطق نزوح. وقد سقط من بين الشهداء نازحون من قرية العريمة». المصادر أكّدت أن «كل ما يشاع عن اتخاذ المدنيين دروعاً من قبل «مجلس جرابلس العسكري» عارٍ من الصحة»، وأنّ «حصيلة مجزرتي الصريصات وبير الكوسا 37 شهيداً حتى الآن، والأعداد قابلة للزيادة بسبب وجود جرحى في حالة حرجة، بينهم نساء وأطفال». الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بدا مصرّاً على انتهاز الفرصة للسعي إلى تصفية الوجود الكردي على الشريط الحدودي، وجدّد أمس عزمه على «استمرار العمليات حتى استئصال حزب الاتحاد الديموقراطي الإرهابي الانفصالي». بالمقابل؛ وفي عزم واضح على خوض المعركة «حتى نهايتها» أعلنت «قوات سوريا الديموقراطيّة» أمس ما أطلقت عليه مشروع «المقاومة الكرديّة السوريّة ضد الاحتلال التركي». وهي وفقاً لـ«عضو مجلس سوريا الديموقراطيّة»، ريزان حدّو، «مقاومة سوريّة. المكوّن الأغلب فيها مكون كردي، لكنها تضمّ مجموعات سورية أخرى مثل «كتائب شمس الشمال»، «لواء السلاجقة»، «جيش الثوار» و»لواء الشمال الديموقراطي»». حدّو أوضح لـ«الأخبار» أنّ «الأخير هو لواء مكونٌ من مقاتلين من محافظة إدلب، أعلنوا اليوم (أمس) دعمهم الكامل ووقوفهم في وجه الاحتلال التركي».

«قسد»: للحفاظ على وحدة سوريا

حدّو رأى في ما يحصل في الشمال السوري سعياً تركيّاً «لاستنساخ ما فعلته إسرائيل في جنوب لبنان من احتلال، ثمّ إحلال لميليشيات عميلة (في إشارة إلى ميليشيات سعد حداد وأنطوان لحد)». وأَضاف «الأتراك إذا نجحوا في احتلال المنطقة تحت اسم «منطقة آمنة» أو سواه، ولن ينجحوا، فلن يكون مفاجئاً أن يدعوا مستقبلاً إلى استفتاء حول انضمامها إلى تركيّا». وشدّد حدّو في الوقت نفسه على أنّ «مشروعنا هو الحفاظ على وحدة الأراضي السورية واستقلالها، وهذا أكبر رد على كل من حاول استغلال أحداث الحسكة المؤسفة». يُشكل «الحلم الإردوغاني بحلب» قوام التحركات التركية وفقاً لحدّو، فـ«الذين يهاجمون حلب عبر جبهتها الجنوبية هم حلفاء أنقرة وأذرعها، وهم أنفسهم من يساندونها في غزو جرابلس، ويخططون معاً للتوجه نحو الباب. وعندها يتم وضع حلب بين فكي كماشة». يؤكّد «مجلس سوريا الديموقراطيّة» أن التحالف مع الأميركيين لا يزال قائماً لـ«مواجهة داعش». ويقول حدّو إنّ «الخبراء الأميركان والفرنسيين لا يزالون موجودين، ويقدمون خبراتهم واستشاراتهم لنا في المعارك ضد داعش». ويضيف «طالبنا «التحالف» بفتح تحقيق والمساعدة في كشف ما جرى والوقوف على تفاصيل المجازر التي ارتكبها الاحتلال التركي».




درس الحسكة

«ما حصل في الحسكة كان خطأ فادحاً، والسلاح تم توجيهه إلى المكان الخطأ». بهذا الوضوح، يوجّه ريزان حدّو «رسالةً» إلى دمشق. ويقول لـ«الأخبار» إن «الجيش السوري والوحدات الكردية هما القوتان السوريتان الوحيدتان اللتان تحاربان الإرهاب فعليّاً. وبكل أسف، شهدت الحسكة أخطاء من الطرفين». لا تواصل مباشراً بين «قسد» ودمشق في شأن جرابلس حتى الآن، وفقاً للمسؤول الكردي الذي يضيف «سوريا بلدنا جميعاً، ومستعدون للتنسيق مع كل سوري يرغب في الدفاع عنها ضد الاحتلال التركي. الخلافات السورية السورية مهما كانت طبيعتها قابلة للحل إذا توافر حوار برعاية طرف موثوق، وما جرى في حميميم أكبر دليل».