قليلون يعلمون بوجود 16 حزباً أميركياً رسمياً، حتى منهم من هم داخل الولايات المتّحدة لا يعرفون بها، وذلك بسبب هيمنة الحزبين الجمهوري والديموقراطي على الساحة السياسية، الأمر الذي دفع بالحزب الثالث إلى خلف الكواليس. غير أن الأنظار تتجه نحو "الحزب الليبرتاري"، هذه المرة، على اعتبار أنه يمثّل "الخيار الآخر" وليس الوحيد، في ظل وجود خيارين أحلاهما مرّ.

وتحاول الأحزاب الـ16 التي تتوزّع بين اليسار واليمين إيجاد موطئ قدم لها في السباق الرئاسي، فتقدّم في كل مرة مرشحين، من دون أن تنال النصاب القانوني الذي يخوّل مرشحيها خوض الانتخابات النهائية. وباستثناء "حزب الدستور" و"الخضر" و"الليبراليين" و"الإصلاح"، التي بإمكانها الحصول على 270 كتلة انتخابية (وهو العدد المطلوب لانتخاب الرئيس)، لن تُدرج الأحزاب الأخرى ضمن القائمة الانتخابية على مستوى أميركا. وفي الواقع، فإنّ مرشحي تلك الأحزاب لا يسعون إلى المنافسة بقدر ما يرغبون في لفت نظر الناخب الأميركي لبرامج أحزابهم.
هذا العام، استطاع "الحزب الليبرتاري"، الذي يتّخذ من القنفذ رمزاً له، جذب انتباه الإعلام إليه، فاستضافت قناة "سي أن أن"، في حزيران الماضي، مرشح الحزب للرئاسة غاري جونسون، نظراً إلى نجاحه في الحفاظ على نسبة ثابتة نسبياً (10%) في استطلاعات الرأي، خلافاً للسابق، ذلك أنه من المعروف أنّ أصوات الحزب الثالث تتآكل مع وصول الانتخابات إلى مراحلها النهائية. ويسعى غاري جونسون إلى بلوغ نسبة 15%، وهي النسبة التي تتيح له المشاركة في المناظرة التلفزيونية، وإلّا "فلا فرصة له بالفوز" على حدّ تعبيره.
ويعرّف الحزب عن نفسه عبر موقعه الإلكتروني بأنّه "ممثلكم في السياسية الأميركية، وهو الحزب الوحيد الذي يحترم الفرد الخاص والمميز"؛ تلخّص هذه العبارة المرتكز النظري للحزب، حيث الأولوية للفرد، ويقتصر دور الدولة على صون حرية الأفراد وحفظ ملكياتهم، أي ما يعرف بمصطلح "الدولة الشرطي". وليس مستغرباً أن يكون الحزب قد تأسّس عام 1971، أي خلال حقبة الرئيس ريتشارد نيكسون التي شهدت حصول أزمة مالية عالمية، فضلاً عن فضيحة "ووترغيت" الشهيرة. الحزب الذي يتّخذ من تمثال الحرية شعاراً له، يتبنّى على لسان مرشحه غاري جونسون الليبرالية الكلاسيكية، مستنداً إلى مبدأ رائد الليبرالية الاقتصادية آدم سميث: "دعه يعمل دعه يمر"، فيدعو إلى حكومة مصغّرة وهجرة غير مقيّدة (بغية استقطاب اليد العاملة الرخيصة) وتجارة حرّة بين البلاد، كما يرفض فرض الضرائب على الفئات كافة، ويناهض قانون الحدّ الأدنى للأجور، ويؤمن بأن تحرير السوق من التدخل الحكومي سيقود، في نهاية المطاف، إلى إحلال التوازن، بما أن الدولة لم تستطع حلّ المشكلات الاقتصادية والاجتماعية. ويطرح هذا الأمر شكوكاً حول قدرة الحزب على إحداث التغيير المنشود، في زمنٍ يشكّل الوضع الاقتصادي أولوية المواطن الأميركي، لا سيما أن النهج الاقتصادي الذي يتبنّاه تسبّب في أزمات مالية دورية، فضلاً عن أنه يطالب بإلغاء المساعدات الاجتماعية والمكتسبات العمالية.

يرى الحزب أن الضمان الاجتماعي والتعليم الجامعي من مسؤولية الفرد

أمّا في الشأن الاجتماعي، فيرى "الحزب الليبرتاري" أن الضمان الاجتماعي والتعليم الجامعي من مسؤولية الفرد، ويدعو إلى إخضاع قطاع التعليم للخصخصة، فيما يدعم التعليم المنزلي. كذلك، يدعو إلى إناطة دور الدولة، على صعيد الخدمات الاجتماعية، بالجمعيات الخاصة.
على صعيد آخر، حاز غاري جونسون أعلى نسبة تأييد في صفوف الفئة الشابة، استناداً إلى إحصاء أجراه مركز "بيو" للأبحاث، فنال نسبة 32% مقابل 13% لهيلاري كلينتون و12% لدونالد ترامب في الفئة العمرية البالغة 30 عاماً وما دون. ورغم تخطّيه الستين من العمر، نجح جونسون في جذب الجيل الشاب، بلباسه الرياضي ودراجته الهوائية ودفاعه الشرس عن الحرية الشخصية، فساند حق المرأة في الإحهاض، ودعا إلى تقنين الدعارة ودعم زواج المثليين ونادى، بشكل خاص، بوقف حرب المخدرات وتشريع الماريجوانا التي سبق أن اعترف بتدخينها شخصياً لعلاج آلام الظهر، إثر تعرّضه لحادث خلال ممارسته رياضة القفز بالمظلّات عام 2005.
وقد شهد الحزب نزاعاً بين جناحين: الجناح الليبرالي المتطرّف الذي سيطر على الحزب، منذ أواخر عام 1980 حتّى عام 2006، حينما انعقد المؤتمر العام، ليتسلّم على إثره الجناح الإصلاحي الحكم. إضافة إلى ذلك، يحاول الحزب الحصول على الدعم من خلال علاقته بالرابطة الوطنية للبنادق الأميركية ( (RNA، التي ارتبط اسمها بتمويل حملات المحافظين الجدد والجمهوريين، وتدعمها تاريخياً أسر كآل شيني وآل كيسنجر وآل بوش. فـ"الحزب الليبرتاري" يؤيّد حرية حيازة الأسلحة استناداً إلى الدستورالأميركي، لكنّه في المقابل يدعو إلى خفض الإنفاق العسكري ويعارض التسلّح النووي، كما أنّه من مناصري مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.
ويتصرّف حاكم ولاية نيو ميكسيكو السابق ببراغماتية، فعبارته الشهيرة "جمهوري مالياً اجتماعي ديموقراطياً" تلخّص استراتيجية الحزب، القائمة على سحب البساط شيئاً فشيئاً من تحت أقدام العملاقين. وفي حين يتصرّف دونالد ترامب كمرشّح يميني مستقلّ، وهيلاري كلينتون كخلفٍ للرئيس باراك أوباما، يتصرّف غاري جونسون كأنّه مرشّح حزب رئيسي، داعياً الناخبين إلى "عدم التصويت للأقل سوءاً، لأنّ ذلك سيكون تصويت لسيّئ بكل الأحوال". كذلك، دعا الناخبين إلى التصويت لحزب وليس لشخص، في خطوةٍ ذكية تهدف إلى ترسيخ الحزب كمنافس جدّي في الاستحقاقات الانتخابية اللاحقة من جهة، وصرف النظر عن افتقار المرشح الليبرتاري إلى الكاريزما الشخصية وطلاقة اللسان من جهة أخرى.
وعلى الرغم من موقف الحزب الصريح بشأن دور الدولة، وقع غاري جونسون في فخّ التناقضات. ومثال على ذلك، عندما صرّح في إحدى المرات بأنه سيترك تنظيم مهنة الدعارة للدولة، مضيفاً أن العاملات في تلك المهنة هن الضحيات الوحيدات. وصرّح في مناسبة أخرى بأن "بعض الأشخاص لا يجدون سوى الدولة ليلجأوا إليها"، إضافة إلى العديد من التناقضات حول قضايا السلاح والمخدرات والدين، وغيرها من المواضيع الإشكالية في المجتمع الأميركي التي يقع فيها جونسون، في سعيه إلى تجنّب استفزاز بعض شرائح المجتمع، ليكون مرشحاً وسطياً أكثر من كونه مرشحاً معارضاً.
وهنا، تجدر الإشارة إلى أنّ هناك فئة من "الليبرتاريين" ترى أنّ مجرد المنافسة على منصب حكومي هي مسألة معارضة لفلسفة الحزب.
في الخلاصة، يمكن القول إن الولايات المتحدة ليست استثناءً؛ ففضلاً عن أن الخروج من فكّي كماشة الحزبين المهيمنين لن يتمّ في المستقبل القريب، تدلّ مؤشرات عدّة على رغبة الشعب في الاطلاع على الخيارات البديلة، بمعزل عن فرص نجاحها. ففي عقر النظام الرأسمالي، ليس مستغرباً أن تداعب فكرة العودة إلى الليبرالية، في شكلها الأصلي، خيال البعض.




ترامب: سأوضح موقفي من الهجرة السرية

أعلن المرشح الجمهوري للرئاسة الاميركية، دونالد ترامب، أنه سيلقي يوم غد خطابا بشأن الهجرة السرية منتظراً منذ ايام.
وقال ترامب، في تغريدة على موقع "تويتر"، "سألقي خطابا كبيرا عن الهجرة غير القانونية الاربعاء في ولاية اريزونا"، موضحاً أنه يبحث عن صالة لاستقبال عدد كبير من الحضور في هذه الولاية الواقعة على الحدود مع المكسيك.
ويفترض ان يسعى ترامب في هذا الخطاب الى وضع حد للالتباس بشأن نواياه بشأن مصير احد عشر مليون مهاجر سري في الولايات المتحدة. وبعدما اعلن انه يريد طرد كل هؤلاء، قال الثلاثاء الماضي انه يمكن ان يعدل خطته لتصبح اكثر ليونة، ما اثار التباسا كبيرا. وبعد ذلك تبنى لهجة اكثر تشددا.
وقال مايك بنس، المرشح لمنصب نائب الرئيس مع ترامب، إنّ قطب العقارات ترامب "تحدث بأسلوبه الصريح الاعتيادي عن آلية لا سياسة".
(أ ف ب)