يدلّنا إلى مكان المبنى المهدّم على الزاوية، جنوبَ الجسر قائلاً: "هون كانت البناية اللي كنّا نشرب من البير تبعها كل الحرب. طلعت متلانة جثث. كانوا من الـ75 يقتلوا الناس ويكبوهن بالبير...ونحنا عم نشرب منّه"، هكذا يبدأ "حسين" حديثه معنا ونحن واقفين على زاوية مبنى عكر وتابت، وهواء قادم من البحر يلفحنا وينسينا حر تمّوز.
ربّما اختار سكّان "الخندق الغميق" الأوائل العيش في هذه الـ"قرنة" من بيروت، لطيب هوائها على تلّة صغيرة مواجهة للبحر خارج سور بيروت مباشرة.
لا شيء يبدو غريباً على منطقة، شرب أهلها من هذه الماء وما زالوا أحياء يعيشون كل يوم بيومه، ضمن مجتمع لا يريدهم.
بين ستيغما الفقر والإجرام والخارجين عن القانون ومخيلة طبقية نشطة حول ما يمكن أن يكونه أهل هذه المنطقة، أصبح لدينا "وحوش الخندق". ربّما نرى "أهل الخندق" غريبين عن جوارهم. هم غريبون حقاً عن جيرانهم في "سوليدير"، عن مدراء الشركات والمصارف، لكنهم ليسوا بغريبين أبداً عن أهل الباشورة والبسطة والنويري وراس النبع. العدسة تنتقل بين هذه الأحياء فتجدها متشابهة، متناسقة، منطقية، بينما يبدو "وسط بيروت" هو المختلف، هو.. "الآخر".

الخندق وخارجه

الوصمة هذه لا تخفى على أهل الخندق، بل إنهم يواجهونها كما يجب: بلا مبالاة. ما يحدث داخل الخندق، هو استكمال لما يحدث في حواري بيروت كلها، هو إسقاط لحدود وهمية، تظهير لهوية طائفية مختلفة بينما الحقيقة هي في الواقع الطبقي للمنطقة. الأحياء الفقيرة هي التي يتمّ الهجوم عليها، واحدة تلو الأخرى، لتفريغها من أهلها عبر رسمها كبؤر للجريمة و"الغرباء"...وما الغريب إلا.. "الطائفة" الحاكمة لبيروت. الحرب الأهلية، الطبقية بوجه طائفي، لم تنته. بل تتّخذ اليوم شكلاً عقارياً تهجيرياً لمن هم لا يشبهون "وسط بيروت".
لا يراوغ حسين، يكلّمنا عن هؤلاء الذين يحكموننا، يقولون بأن الحرب انتهت، وهي الآن أصعب ممّا كانت. يمسكون برقابنا، ونحن نعيش وهم السلام. "عملونا متل المعزة. معيّشين كل واحد منّا مجموعة لحالها ومحاوطينا بحيطان. إذا قرّب حدا من برّا، منحس متل كأنه نحنا معزة أنثى وفات علينا ذكر...منخاف منه".
يكلّمنا حسين بأريحية ودون تكلّف أو خوف. يسبّ كل من يقامر بالناس وحيواتهم. مضحك أن نسمعه يتكلّم هكذا ونحن نستذكر الصورة النمطية التي أنتجها فقر هذه المنطقة. بالإضافة إلى فقرها، هناك فكرة أهم، تبدو واضحة: كراهية المدينة لهذا الحي، تأتي من سكّانه، أهل القرى الحدودية. فكيف لفقراء هذا البلد، لبنات وأبناء "المناطق"، الهامشيات والهامشيين، أن يعيشوا في المدينة، ويمدّوا أرجلهم التعبة في وجه وسط المدينة؟ كيف لهم أن يرتاحوا تحت صفيح كشك السجائر وهو يراقب الأبراج المتناثرة حوله، على أمتار قليلة تقدر بالملايين؟ كراهيتنا لهؤلاء تأتي من أننا لا نرى لهم حقاً في العيش على قطع من الأراضي تساوي ما نراه أكثر قيمة من مستغليه.

في الخندق الحرب الأهلية الطائفية تتخذ شكلاً عقارياً تهجيرياً

مبان جميلة مزخرفة من زمن نسمع أنه كان حلماً قصيراً من السعادة، نحسدهم: كيف لفقراء أن يعيشوا في مكان بهذا الجمال؟ "ضيعانها فيهم"، مبانٍ من عهدٍ مضى يُحكى أنه كان ذهبياً، يحتلّها أبناء القرى الحدودية.
يدلّني على التقاطع حيث نقف ويقول "كنّا نلعب "كلل" هون. حزب الله ينزلوا من هالجهة، وحركة أمل من الجهة الثانية. تعلق بيناتن. نتخبّى. تخلص المعركة، نرجع ننزل نلعب. الحرب كانت توقف. هلق نحنا بحرب ما بتوقف". الحرب لم تتوقّف عليهم. يحيطونهم بأسمنت، بتبليغات إخلاء، يخنقونهم، يبنون حولهم جداراً حلزونياً يضيق بهم شيئاً فشيئاً، ليقولوا لهم بأن هذه المدينة ليست لهم. وهم لا يتعلّقون بأحد، ولا يرجون نجدة من أحد. يقولون بأنهم سيتركون بيوتهم ويعودون إلى قراهم...أو يهاجرون، فما من مكان لفقير في هذا البلد.
«هيديك سوليدير تبعن، وهاي سوليدير تبعنا»
بمرور سريع على جسر الرينغ أو من الجهة الغربية للخندق، يبدو واضحاً بأن الخندق أصبح مطوّقاً بالمشاريع. من الـ"ديجيتال ديستريكت" حتى قطعة الأرض الهائلة من جهة الرينغ (شمالاً) والتي يُقال أنها والمبنى الذي يحتلّه الجيش حالياً، بيعا لابن أحد زعماء الطائفة الشيعية وسيبني عليها مركزاً تجارياً.
وفي الداخل، في قلب الخندق، الكلام كثير. يبدو جلياً أن المباني "التراثية" تُترك لتنهار، وأن باقي الأبنية المهجورة والأراضي غير المبنية يتمّ بيعها وشراؤها منذ زمن، وأن بعض الأبنية قد اشترتها مصارف وشركات وهي ترمّمها لتصبح مركزاً لها. فالخندق (وننصح بتغيير اسمه عند التهجير الكامل، فليس من الممكن كتابة عنوان لشركة محترمة يبدأ بـ"خندق غميق") قريب جداً من "وسط بيروت"، وخطوة كهذه تُظهِر أن الشاري يعلم أن المنطقة سيتمّ تغييرها ديموغرافياً ووظيفياً، وستصبح امتداداً آخر لـ"سوليدير".
لا أسماء مؤكدة عمّن يشتري هذه الأراضي، السماسرة لا يريدون الكلام، وأهل المنطقة يقولون "منيّمين الأراضي"، مشددين على أن هناك عمليات بيع وشراء كثيرة تحصل، والإشاعات أكثر. حتى أن أحد الشباب تكلّم عن تأجير أكثر من 5 قطع أراضٍ من وقف الكنيسة في المنطقة، لمدة 99 سنة، لأحد أهم زعماء الطائفة الشيعية. نسأله كيف يتمّ ذلك فيقول وهو يضحك "شو إشبك؟ إنت جديدة هون؟! ما مقسمينها بيناتن. عم يعملوا فينا متل ما عملوا بأهل بيروت بالبلد.

هيديك السوليدير تبعن، وهاي السوليدير تبعنا".

كان "حسين" قد بنى كشكاً صغيراً للعصير والسجائر على قارعة الطريق، فجاؤوا ليزيلوه عندما اشترى أحد رجال الأعمال قطعة الأرض المجاورة له. "قلتله بيعني ياه هالمتر. متر واحد، شو قديش بيطلع حقّه؟ قلت ببيع بيت الضيعة وبشتري المتر. قلّي "عم تحلم"، ولا عشر بيوت بالضيعة فيك تشتري فيهم المتر".
لا يتعلّق أهل الخندق بحيّهم بشكل رومانسي، أو ربّما يفعلون دون أن يُظهروا ذلك، فهم قبضايات الحيّ. لكن لا بدّ لنا هنا من النظر إلى أن قيمة التبادل هي التي تجعل من تهجير الناس "حلالاً"، ومن محو ذاكرة المدينة "حلالاً"، ومن خنقنا بشكل موحّد للعمارة "حلالاً"، ومن فرض وظيفة واحدة تجعل المدينة كلها عبدةً لرأس المال، وتابعة للتحويلات المالية، وجزءاً أساسياً في بناء اقتصادٍ ريعي خدماتي في منطقة ساقطة أمنياً، "حلالاً".
كيف لفقراء «المناطق» أن يعيشوا هنا ويمدّوا أرجلهم التعبة في وجه وسط المدينة؟

ويبقى أن وجود هذا الحي بحدّ ذاته، ضروري فيما يظهّر الضد ضده: الخندق الغميق يظهّر كذبة إعادة الإعمار، يظهر زيف الأطقم وربطات العنق، ويرسل بتراب "بوراته" لتوسّخ زجاج السيارات.
عمليات البيع ليست مفصولة عما يحدث للمدينة ككل. علينا حقاً قراءتها كجزء من الخطة التغييرية لشكل بيروت ووظيفتها وأحيائها كما لسكانها.
من الخندق تبدو الصورة أوضح. خط تناظر يرسمه جسر الرينغ بين وجهي مدينة لا يختلفان: "البلد" وسوليديره والتهجير والخصخصة والسرقة، والخندق الغميق ومولاته الجديدة والديجيتال ديستريكت ومباني الطبقة العليا المنتظرة. "هيديك سوليدير تبعن، وهاي سوليدير تبعنا" يقول مرافقنا، واحدة لكل طائفة يقصد، وأهل الطوائف يقتسمون الكأس المرة وحياة بعيدة عن بيروت.
تستهلك هذه المدينة عمّالها، تستكثر عليهم نسمة باردة في تمّوز، يرتشفون قهوة بـ 1000 ليرة أمام أراضٍ بالملايين. هنا الخندق الغميق. هنا، يحسد أهل هذه المدينة سكانها على كل ما لا يملكون.
*مهندسة عمرانية لبنانية




عن الأماكن العابرة

على الحدود الشرقية للخندق، بدأت تتمدّد مبانٍ تسمّى حالياً «بيروت ديجيتال ديستريكت» (القطاع الرقمي لبيروت)، وهي مراكز تقدّم خدمات لعمّال جدد ظهروا في الاقتصاد العالمي وهم الفري-لانسرز (free-lancers) أو العمال الذين يبيعون خدماتهم، بعقد عمل (او دونه حتى) مؤقت، دون أيٍّ من التقديمات الاجتماعية التي ينصّ عليها قانون العمل.
وفي المقابل، في الجزء الثاني من ممرّ النقل هذا (القادم من بشارة الخوري حتى وسط بيروت)، تتناثر محلّات بيع العصير والفلافل وخدمات القهوة السريعة للسيارات (Take Away).
وفيما يتنوّع زبائن الجزء الثاني من هذا الممرّ، بين أهل الخندق وخارجه، يبدو جلياً أن الجزء الأول (الذي يحمل اسماً أجنبياً أصلاً)، له زبائنه المحددون، غير المعتادين على النظر حتى إلى الخندق.
بين الشارع والآخر، عالم يحتضر وعالم آخر يخلق. بين الشارع والآخر، يظهر من تريد هذه المدينة إخفاءهم تحت السجادة في يوم «العزيل» الطويل هذا الذي بدأه رفيق الحريري ولم ينته بمقتله. وبين الشارع والآخر أيضاً مفاهيم مختلفة عن علاقتنا بالمدينة: أماكن عابرة لا تبقى في ذاكرة أحد ولا ينتمي أحد إليها، وأخرى حيث يذكرك فيها البائع ولو مررت مرة منذ ثلاثة أشهر مع صديقيك، فيسأل إن كنت قادمة معهم، أم أنك ستشربين الشاي الأخضر لوحدك.




عن الستيغما

غالباً ما يُنظر إلى الخندق الغميق وأحياء ذوي الدخل المحدود بطريقتين: إمّا عبر شيطنتها والمطالبة بإزالتها بوصفها "سرطاناً" في وجه المدينة الحلوة، أو بمبادرة حسن نية يحاول الناس عبرها تبرير وجوده فيحوّلونه إلى مادة "إكزوتيكية". فإن عكس فكرة إقصاء الفقراء وتصوير مناطق عيشهم كأحياء موبوءة، لا يكون بالاعتذار عمّا هم عليه ولا يكون بتبرئتهم من اتهامات بالجريمة والخروج عن القانون. من المضحك سماع أشخاص يتّهمون أبناء الخندق أو غيره بالتحشيش أو "الحبحبة". ومن المضحك أكثر أن نرى أشخاصاً يحاربون وجود الأحياء الفقيرة بحجّة أنها معقل المهربين والمتاجرين والمتعاطين. من المعروف (نعتقد) بأن المخدرات موجودة في كل مكان، لا حاجز طبقياً لمكان ترويجها أو لمروجيها ومتعاطيها كأشخاص. وليست البضع فضائح التي كشفت في السنين الماضية في مدارس أبناء الوزراء والأغنياء سوى مثال على ذلك. ومن هنا، لا تبدو لنا الطريقة المناسبة لنُصرة أهل الأحياء الفقيرة بنفي أية "آفة" تُتّهم بها، بل بتأطير أي اتهام بأنه اتهام يريد صبغ المنطقة بستيغما أخلاقية، بينما هي في الحقيقة تفرقة على قاعدة طبقية.