لسنوات خلت، نجت مدينة حماة من الاكتواء المباشر بسعير الحرب السوريّة. تضافرت في ذلك عوامل عدّة، في مقدّمتها حرص «وجهائها» على تجنيب المدينة كارثة جديدة، وهي التي لم تتعافَ جذريّاً من كارثة أحداث الثمانينيات. ورغم أن المعارك حوّمت في مرّات كثيرة حول المدينة، فإنّ ما تشهده أرياف حماة أخيراً يبدو مختلفاً عن المرّات السابقة. ومردّ هذا الاختلاف في الدرجة الأولى إلى صعوبة تأثير «الوجهاء» على المجموعات الفاعلة التي أعلنت عزمها هذه المرّة على «تحرير حماة».

تكتسب معارك حماة أهميّة استثنائيّة بفعل عوامل عدّة، يأتي على رأسها عامل الجغرافيا. فالسيطرة على نقاط مفصليّة في المحافظة تعني قطع عدد من خطوط الإمداد الاستراتيجيّة، سواء القادمة من الساحل عبر بيت ياشوط نحو مدينة السلمية (وعبرها إلى حلب)، أو حتى تهديد خطوط الإمداد من دمشق إلى حماة ثم الشمال. كذلك تشكّل التحولات الأخيرة في حماة تهديداً لمناطق ظلّت في منأى عن التأثر المباشر بالحرب، مثل مصياف. في الأهداف «الأبعد» أيضاً، يمكن أن نلحظ آمالاً لدى المهاجمين في الوصول تالياً إلى مدينة حماة، وتجاوزها نحو السلميّة الاستراتيجيّة والمتصلة عبر الصحراء بمناطق نفوذ تنظيم «داعش» المرتبط بصلات جيدة مع تنظيم «جند الأقصى». ولا يُستبعد أن يبادر «داعش» قريباً إلى فتح جبهات جديدة على هذا المحور، خاصةً بعد الانكفاء الذي مُني به في الشمال.
التوقيت الذي اختاره تنظيم «جند الأقصى» وأقرانُه لفتح المعركة ليس اعتباطيّاً. ويمكن التأكيد أنّ «غزوة مروان حديد» هي معركة «البحث عن نفوذ سعودي في قلب سوريا». وخلال الشهور الأخيرة، تحوّل الشمال السوري بمعظمه إلى بوّابة لتعاظم الهيمنة التركيّة على المجموعات المسلّحة، وتضاءل الدور السعودي تدريجيّاً ليغدو أخيراً مجرّد دور هامشي. وتزامن ذلك مع انحسار السطوة السعودية عن غوطة دمشق الشرقيّة تدريجيّاً منذ مقتل مؤسّس «جيش الإسلام» زهران علوش. (الأخبار، العدد 2775). أمّا في الجنوب، فقد هيمنت غرفة عمليات «الموك» على المشهد منذ أكثر من عام، ليتلاشى النفوذ السعودي شيئاً فشيئاً.

تشكل حماة بوابة للعودة السعودية في ظل مفاوضات قد تكسب منها أنقرة

وسط هذه المعطيات، يبدو أن الخيار السعودي قد وقع على محافظة حماة الاستراتيجيّة لتكون بوّابة للعودة إلى المشهد العسكري، سيّما مع المخاوف المتزايدة من «صفقة وشيكة» يبدو اللاعب التركي أحد أبرز الحاصدين الإقليميين فيها على حساب الرياض. كذلك، جاء توقيت فتح المعركة في مرحلة يعيش تنظيم «جند الأقصى» فيها «ازدهاراً» على خلفيّة تحوّله إلى بوصلة استقطبت (بصمت) شريحةً واسعةً من «المهاجرين» الذين كانوا يقاتلون في صفوف «النصرة» ثم انشقّوا عنها بعد قرار «فك الارتباط» الشهير. وينطبق الأمر نفسه (وإن بدرجة أقل) على جماعة «أجناد القوقاز» التي تشارك في معركة حماة.
كان لإطلاق تسمية «غزوة مروان حديد» دور في الإيحاء بأنّ «الغزوة» تأتي في سياق «التمدّد التركي»، نظراً إلى ما باتت تمثله أنقرة من رمزية في كل ما يتعلّق بجماعة «الإخوان المسلمين». ويصبّ اختيار التسمية في خانة «مغازلة الهوى الإخواني» لدى بعض البيئات الحاضنة في حماة التي شكّلت في ثمانينيات القرن الماضي معقلاً أساسيّاً لـ«الجماعة».
ولوضع المعركة في سياقها الصحيح ينبغي الوقوف عند ماهيّة المجموعة التي تتزعّم المعركة، وطبيعة ارتباطاتها. يُعتبر «جند الأقصى» واحدة من أكثر المجموعات المسلّحة في سوريا غموضاً، وهو على سبيل المثال «قاعدي» الولاء من دون أن يؤثّر ذلك على علاقاته «الطيبة» بتنظيم «داعش». وهو تنظيم تكفيري بامتياز، لكنّه يتحالف عند اللزوم مع مجموعات محسوبة على «الجيش الحر». لم يسبق له أن سيطر على مناطق غنيّة بمصادر التمويل (كالنفط، والغاز، والمصانع القابلة للنهب)، لكنّه في الوقت نفسه يحقق «اكتفاءً ماديّاً» لافتاً. مرّ التنظيم بمحطات كثيرة، وضعته في صلب «التحالفات الثوريّة» إبّان تشكيل «جيش الفتح»، ثمّ أخذته إلى شفير التفكك، قبل أن يعود إلى واجهة المشهد من بوابة حماة. ويحظى «جند الأقصى» منذ إنشائه بتمويل سخي يوفّره له عدد من «أعلام سلفيي الكويت». ورغم عدم تسليط الضوء بما يكفي على دور هؤلاء في توجيه بوصلة المعارك في سوريا، وحقيقة تحالفاتهم «السياسيّة»، فإنّ الدور الذي لعبوه باستمرار كان مؤثراً في موازين القوى على الأرض. وبفضل سلطة التمويل وعبرها، يتلاقى «جند الأقصى» مع التوجيهات السعوديّة غير المباشرة.
ثمّة «قائدان» مؤثران في مسيرة التنظيم، علاوة على مؤسّسه الشهير «أبو عبد عزيز القطري» (فلسطيني الأصل، عراقي المولد أحمد يوسف عثمان العثامنة، 1956 – 2014) (الأخبار العدد 2441)؛ أوّل القائدين هو الكويتي عبدالله العتيبي، الذي يُعتبر المؤسّس العسكري الفعلي (سبق له أن قاتل في أفغانستان ثم سوريا، وكانت محطته الأخيرة في اليمن حين استهدفته طائرة من دون طيّار قبل حوالى عام). أما الثاني، فهو زعيمه الحالي أبو ذر النجدي (كان معتقلاً سابقاً في السعودية، ثم واحداً من الذين أُفرج عنهم وانطلقوا إلى «الجهاد» في سوريا). وتجدر الإشارة إلى أنّ مسرح النشاط الأوّل لـ«جند الأقصى» كان الريف الشمالي لحماة، قبل أن ينقلوه لاحقاً إلى إدلب بضغط من زعيم «النصرة» أبو محمد الجولاني (الأخبار العدد 2650).
أثار التنظيم غضب «جيش الفتح» وحلفائه من جرّاء رفضه دخول معركة حلب، وربط الغاضبون بين هذا الرفض و«ولاء الجند لداعش». والواقع أنّ «إملاءات المموّلين حالت بين الجند والانخراط في تلك المعركة»، وفقاً لتأكيدات مصادر «جهاديّة» عدّة. في العمق، يرتبط السبب الجوهري في إبعاد التنظيم عن تلك المعركة بالصراع غير المعلن على النفوذ بين الأتراك والسعوديين؛ فمن المعروف أنّ معركة حلب هي معركة تركيّة بامتياز. ويراهن المخططون لـ«الغزوة» الأخيرة على أنّ «الانتصارات توحّد الجميع، كما تفرّقهم الهزيمة»، وفقاً لما ينقله مصدر «جهادي» لـ«الأخبار». المصدر «يُبشّر» بأنّ «اليومين القادمين سيشهدان انضمام معظم الفصائل إلى المعركة».