منذ أن جرى الانتقال الى مرحلة العلاقات العلنية بين السعوديين والإسرائيليين، كان واضحاً أن ما يجري جزء من مسار تصاعدي، له ما قبله وما بعده، وسيجّر معه ووراءه أطرافاً خليجية أخرى. لذا لم يكن مفاجئاً الكشف عن مناورات مشتركة بين سلاح الجو الإماراتي، ومعه الباكستاني، مع سلاح الجو الإسرائيلي في الولايات المتحدة، وايضاً، لن يكون مفاجئاً في أي مرحلة لاحقة الكشف عن المزيد من التنسيق والتعاون مع تل أبيب، من قبل دول المعسكر التي ترفع راية التطبيع والتحالف مع كيان الاحتلال.

صحيح أن هذه الخطوة تنطوي على مضمون ودلالات عسكرية، ولكنها قبل ذلك، تعكس خيارات استراتيجية تكفّل الطرف السعودي بالتدرج في تظهيرها، لما للرياض من «مركز ثقل» في تطبيع العلاقات مع العدو، وباعتبارها تملك كلمة الفصل في الانتقال الى مرحلة التحالف معه. نتيجة ذلك، كان متوقعاً في حينه، والآن أيضاً، أن نكون أمام المزيد من الخطوات «الكمية والنوعية» في سياق الانتقال الى مرحلة جديدة في الموقف من العدو الإسرائيلي بما فيها التسويق لنظرية التنسيق وتعزيز التعاون مع تل ابيب على قاعدة المصالح والتهديدات المشتركة. وبطبيعة الحال، كل ذلك على حساب الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية.

نجاح نسبي سعودي في الدفع نحو تنضيج بيئة «التطبيع»

لكن اللافت أن حدثاً على مستوى اجراء مناورات عسكرية مشتركة مع إسرائيل، يمرّ كما لو أنه خبر عادي، وليس كشفا عن تنسيق مع من يفترض أنه تنسيق مع عدو الشعوب العربية ومع من هجر الشعب الفلسطيني ولا يزال. الأمر الذي يعكس نجاحاً نسبياً سعودياً ولكل معسكر التطبيع، في الدفع نحو تنضيج البيئة الاقليمية نحو خطوات لاحقة، واستكمالاً للمرحلة التي تمر بها المنطقة.
كما هو الحال في أي مناورة عسكرية، فقد كانت مناورة أسلحة الجو في الولايات المتحدة، كما كشف ضابط إسرائيلي، «اقرب الى حرب حقيقية وتشمل مواجهة طائرات معادية وتهديد صواريخ مضادة للطائرات، بما فيها بطاريات ارض – جو، من طراز أس – 300 التي بحوزة إيران، وهجمات سايبر ضد الطائرات». وهو ما يوضح الرؤية العامة التي ينطلق منها اجراء هذه المناورة، والسياق الذي تندرج ضمنه، ويؤشر الى ما سيتبعها من خطوات ومناورات مشابهة.
على المستوى السياسي، تؤشر هذه المناورات ايضاً إلى المرحلة التي بلغتها العلاقات السرية ومستوى التنسيق بين تل أبيب والعديد من الاطراف العربية، وعلى رأسها السعودية ومعها الامارات ايضاً. لكن ما يُعزِّز الحاجة للانتقال الى مرحلة اجراء المناورات، والكشف عنها، هو فشل المخططات التي تستهدف سوريا والعراق ومعهما اليمن. الأمر الذي دفع السعودية وحلفائها، للبحث عن طرف اقليمي يتمتع بـ«ثقل نوعي» استراتيجي بهدف إحداث قدر من التوازن مع محور المقاومة وفي مواجهة التهديدات التي قد تتعرض لها هذه الدول، وعلى اساس تحقيق المصالح المشتركة.
وكانت وسائل الاعلام الاسرائيلية قد كشفت عن مناورات جوية جرت بين 15 – 26 الشهر الماضي، في الولايات المتحدة الاميركية. وهي المرة الاولى التي يجري فيها الاعلان عن مناورات مشتركة تشترك فيها اسلحة الجو الاسرائيلي والاماراتي والباكستاني والاسباني.
وبحسب القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي، كانت المناورة مميزة لأنه جرى خلالها تدريب أسلحة الجو المذكورة على تنفيذ عشرات المهمات الهجومية والمعارك الجوية والتزود بالوقود في الجو. ولفت التقرير إلى أنّهم في سلاح الجو الإسرائيلي يرون أن «ثمة أهمية كبيرة جداً لمجرد أن طيارين إسرائيليين يتدربون معا مع طيارين اماراتيين وباكستانيين، ولكونهم لم يرفضوا التحليق مع الطيارين الإسرائيليين». وبحسب ضابط رفيع في سلاح الجو الأميركي، لم تقتصر المناورة على التحليق المشترك فقط بل «الاعداد للمهمات والمعلومات الاستخبارية وفهم الجبهة والتنفيذ في الجو». هذا مع الاشارة إلى أن إسرائيل تشارك في مثل هذه المناورات، منذ عدة سنوات.