حالما خمدت قضية لاسا إعلامياً لاحت بدلاً منها قضيّة مشاعات العاقورة، أمّا البطل المُفترص لمعركة تحصيل حقوق المسيحيين والدفاع عن أراضيهم فهو النائب السابق فارس سعيد. سعيد نفسه التي جرفت بساتين العاقورة وأشجارها بمياه إحدى البرك الاصطناعيّة المستحدثّة بتغطية منه لمصلحة مشروع سياحي. أمّا المقصود من الهجوم فهو أولاً حزب الله لكون سكّان اليمونة المتاخمة للعاقورة من الموالين له وتربطهم بأهالي العاقورة خلافات سابقة حول الجرد، وثانياً التيار الوطني الحرّ لكون العاقورة تتبع قضاء جبيل حيث نفوذه الكبير وهو لا يحرّك ساكناً.


الخلاف على الجرد

في 21 كانون الأوّل الماضي، أصدر وزير المال علي حسن خليل المذكّرة الإداريّة الرقم 4863 التي يطلب فيها من مندوبي دائرة "أملاك الدولة الخاصّة" المكلفين حضور التحديد الوجاهي في المناطق التي تجري فيها أعمال تحرير وتحديد للعقارات، ومن المسّاح المكلّف تنفيذ أعمال التحرير والتحديد، تسجيل عقارات الدولة وفقاً للأنواع التالية؛ 1- العقارات الخاصّة العائدة لمختلف الوزارات (ملك وأميري)، وتلك التي لم يجرِ تثبيتها ومتروكة مرفقة، وتلك التي لا تستوفي شروط مرور الزمن للتملّك بوضع اليد بالإستعمال. 2- العقارات المتروكة مرفقة (مشاعات) ملكيّتها للجمهوريّة اللبنانيّة ولكن منتفع بها لعموم أهالي البلدة، على أن يدوّن المندوب النوع الشرعي للعقارات (متروك مرفق)، وملكيّتها (ملك الجمهوريّة اللبنانيّة)، والامتناع عن تدوين العبارات الخاطئة التي كانت ترد سابقاً (ملك عموم أهالي البلدة).

لا تخضع أراضي ومشاعات جبل لبنان القديم لقانون الأملاك العموميّة

المذكّرة الصادرة منذ تسعة أشهر، تشمل جميع الاراضي في لبنان، الا انها أثارت حفيظة بعض أهالي العاقورة منذ يومين فقط، باعتبار أن مشاعات الجرد ملك لعموم أهالي العاقورة. يستفيد الأهالي من بدل تضمين المشاعات للرعاة، الذي يعود ريعه للقيام بمشاريع عامّة في البلدة، ويتوجّسون من وجود مؤامرة لاقتطاع أجزاء من جردهم بذريعة الحفاظ على أملاك الدولة وإلحاقها باليمونة الطامعة به، فقد سقط خلال عقود قتلى بسبب اعتداءات متكرّرة حاصلة في الجرد.

القوانين الراعية

فعلياً لا تخضع أراضي ومشاعات جبل لبنان القديم الممتدّة من بشري إلى جزين (من ضمنها العاقورة) إلى قانون الأملاك العموميّة الرقم 3339 الصادر في 12/1/1930، إذ استثناها البند الخامس منه وجعل قوانين وأعراف جبل لبنان القديم سارية عليها، باعتبارها أملاكاً لعموم أهالي البلدات وتحت إدارة البلديات.
ويستند رئيس بلدية العاقورة منصور وهبي إلى مجموعة من القرارات الصادرة منذ أيام العثمانيين للتأكيد على ملكيّة العاقوريين لهذه المشاعات: 1- قرار المتصرف الصادر عام 1902، الذي منح العاقورة الدفتر الشمسي المسجّل في دائرة المساحة. 2- صك المصالحة الشامل المسجّل في الدوائر العقاريّة عام 1906 ويحدّد مساحة العاقورة 110 ملايين متر مربّع وحدودها مع الجوار، وحدودها الداخليّة المتداخلة بين المشاعات والأوقاف والأملاك الخاصّة. 3- حكم قضائي صادر عام 1936 عن القاضي عبده بو خير لفضّ نزاع عقاري بين بلدتي بيت مشيك واليمونة، الذي استفادت منه العاقورة لترسيم حدودها.
يطالب وهبي وزير المال بإعادة دراسة مذكّرته والتراجع عن الخطأ الوارد فيها. يدعمه بالموقف عضو الأمانة العامّة لـ14 آذار نوفل ضوّ باعتبار أن "هذا الوضع سيخوّل من يتحكّم بالجمهوريّة اللبنانيّة من السيطرة على مساحة 70% من الأراضي اللبنانيّة، حيث توجد مشاعات في أراضٍ خارج نطاق جبل لبنان القديم، وتحديداً في عكار ورأس بعلبك والقاع"، ويشير ضوّ إلى أن "الخلاف هو على المبدأ، إذ لا يمكن لوزير الوصاية على السجل العقاري أن ينقل بشحطة قلم ملكيّة خاصّة إلى ملكيّة عامّة دون العودة إلى القضاء وقراراته المفترض أن تستند إلى رأي لجنة متخصّصة وتخمين عقاري مع ما يرافقها من دفع تعويضات لأصحابها الأصليين".

العودة الى عام 2012

ما يحصل في العاقورة هو محاولة لنقل القضايا إلى خارج سياقها القانوني والطبيعي، هذا ما أكّده وزير المال علي حسن خليل، مشيراً إلى أن ما صدر من تصريحات لا يعدو كونه "قراءة ارتجاليّة وغير دقيقة في الملف". لا ينفي خليل إستثناء العاقورة وكلّ قرى وبلدات جبل لبنان القديم من المذكّرة الصادرة، باعتبارها أراضٍ ملك، وفق ما ينصّ عليه القانون الرقم 3339، متوجّها إلى أهالي البلدة للقول "أرضكم ملككم". يتابع خليل: "المذكّرة تخاطب الموظّفين التابعين للسجل العقاري ولا علاقة لها بالقانون، من واجب هؤلاء المطالبة بأملاك الدولة ومسح الأراضي بحضور المخاتير والمالكين والمجاورين، أمّا عمليّة التحرير والتحديد، فهي من اختصاص القاضي العقاري".
يردّ خليل الحملة إلى عام 2012 عندما ادّعت النيابة العامّة الماليّة على الموظّف ف.ع. (مسّاح محسوب على القوات اللبنانيّة) بعدما أعطى الإذن بملاحقته، وأحد مخاتير العاقورة ب.هـ. (محسوب على فارس سعيد)، بشكوى تقدّم بها ألفرد معلوف بعدما اقتطعوا نحو 2500 متر مربع من أرضه في محاولة لضمّها إلى عقار آخر، ويشير خليل: "يبدو أن المختار والمسّاح لديهما شعبيّة تمكّنهما من تحريك الأهالي".