إلى ماذا كان يرمي من مدّد لقائد الجيش العماد جان قهوجي في آب عام 2015 سنة واحدة فقط، بدل السنتين؟ وهل كان يعتقد ان هذه السنة ستشهد انتخاب رئيس الجمهورية، ام كان يؤجل انفجار الوضع الداخلي سنة واحدة، في ضوء الأزمة الحادّة التي يشهدها لبنان حاليا؟

يدخل السؤال من باب مقاربة ما حصل في طاولة الحوار، بعدما تعدّى الوضع الازمة الحكومية العادية على خلفية التعيينات العسكرية، لتصبح الازمة أزمة نظام وعيش مشترك وشراكة، على حد ما يقول احد السياسيين. لأن الكلام الحاد والصريح الذي قيل على طاولة الحوار اول من امس، وضع البلاد خلال ساعات قليلة في أجواء تنذر بالأسوأ، وتؤكد ان البلاد وصلت الى حافة الهاوية، وهو الامر الذي كان يتطلّبه سابقاً سنوات من الحروب والهدنات والمفاوضات والحوارات ليصل الى هذا المستوى.
خطورة الكلام الذي يقال في هذه الايام، بحسب الاوساط السياسية المتابعة للأزمة الراهنة، انه كشف ان عمق الخلاف لم يعد يتعلّق بتعيينات عسكرية او ادارية ولا بنتائج حوار حول السلة الضائعة، بل انه اظهر الى العلن كل ما هو مستور وكل ما تريد القوى السياسية ان تبقيه في يدها، فلا تعيد الى الاحزاب المسيحية ما اخذته منها. فمنذ الشغور الرئاسي، والى حد ما قبله، والكلام يدور حول المواضيع نفسها الشراكة والمناصفة والحقوق المسيحية. كل عناصر المواجهة كانت موجودة منذ سنوات، لكنها لم تنفجر، ولم يغامر اي طرف في ان تتحول الخلافات مواجهة سياسية شاملة، فظلت النقاشات على حماوتها من دون اي مغامرة بمصير البلد. اليوم وصلت المواجهة، وانكشفت كل عناصرها، الى الحد الذي ينذر بالخطر، والذي جعل قلة من "المسؤولين" بالمعنى الفعلي للكلمة يستشعرون خطورة ما حصل في الساعات الاخيرة، لانه على طريق ان يتحول ازمة كيان واولى الضربات الحقيقية للنظام القائم. وكلام المجالس السياسية ينبئ بأن هؤلاء المسؤولين باتوا يتعاطون بجدية تامة مع ما حصل اخيرا.
لكن اذا كان بعض الذين شاركوا في طاولة الحوار قد ادركوا ان ما جرى جدي ويتعدى المناورات الظرفية للتيار الوطني الحر، فان ثمة موجبات طرحت امس اسئلة جدية عن الاسباب التي تدفع البعض الى الاستمرار في المواجهة المكشوفة وسط مستويين من "الخفة" في اخذ الصراع الى الحد الاقصى.

انكشفت كل عناصر المواجهة ووصلت الى الحد الذي ينذر بالخطر

أولا: استمرار الدعوة الى مجلس الوزراء وعقد جلسة حكومية، حتى من دون التوقف 48 ساعة بعد انفجار الحوار، اي من دون اي مراعاة للتيار الوطني ومن تضامنوا معه. اذ ليس بسيطا ما يحصل مع الشخصيات المسيحية التي تدور في فلك تيار المستقبل، ووقوفها الى جانب التيار والقوات والتضامن معهما في مطالبهما. علما ان القوات تتعرض اليوم لهجوم من المستقبل بدأه الرئيس فؤاد السنيورة واستُكمِل مع النائب محمد عبد اللطيف كبارة امس، على خلفية تحالفها مع التيار الوطني.
وانعقاد جلسة للحكومة يعني بحسب الاوساط السياسية ان ثمة من ينفخ من نار الازمة ويدفع الرئيس تمام سلام الى الاستمرار في سياسة التحدي، بما يبدو وكأنه ايضا نوع من تقديم اوراق اعتماد في اي حوار مستقبلي حول التسويات المفترضة حول ثنائية رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة العتيد، وسط تداول اربعة اسماء لرئاسة الحكومة: سلام والرئيس فؤاد السنيورة والوزيرين اشرف ريفي ونهاد المشنوق. لان احتمالات الذهاب الى تسوية بعد مواجهة من هذا النوع لا يمكن اغفالها، حين تكون حظوظ التسوية والانهيار الكامل متساوية.
والاستمرار في عقد جلسات الحكومة، يعني ايضا حزب الله، الذي يريد ابقاء شعرة معاوية مع المستقبل وسلام، فلا يشارك في المواجهة لكنه يمتنع عن توقيع المراسيم المتخذة في الجلسات، ما يبقي الحد الادنى من عوامل التهدئة قائما.
اما المستوى الثاني، فيتعلق باللجوء الى قرار من وزير الدفاع سمير مقبل بالتمديد لقائد الجيش، وسط العاصفة الحالية. الامر الذي يساهم في تأجيج الصراع الحالي ويدفع في اتجاه تعميق الازمة، من دون الالتفات الى خطورة اي قرارات منفردة في جو تصعيدي لا يبدو ان في افق التيار اي نية للتراجع عنه.
وهنا بيت القصيد. فالتيار الوطني الحر بدأ معركة على طريق استعادة دور المسيحيين في السلطة. اهمية هذه المعركة ستكشفها الايام المقبلة، لجهة ما اذا كان التيار يريد فعلا ان يخوض معركة حقيقية وشاملة تتعلق بالحضور المسيحي في السلطة كشريك حقيقي، ام انه سيكتفي ببازار يتعلق بالرئاسة وتوزيع المغانم فحسب. ويكمن في هذه اللحظات التحدي الحقيقي الذي يواجهه تكتل التغيير والتيار على السواء في معركتهما الآنية، بين ان تكون المواجهة شاملة وكبيرة، ام تصبح مجرد منازلة ومحطة مرحلية يعود بعدها التيار الى الانتظام في صفوف الحكومة والحوار معا.
يبقى سؤال اخير: اين البطريركية المارونية مما يجري فيما كل كلمة وعبارة من نصوص المجمع الماروني يمكن اللجوء اليها لتحديد دور بكركي في مراحل مصيرية كالتي نشهدها حاليا؟