في الأسابيع الماضية، عزلت «مصلحة السجون» الإسرائيلية أسرى «حركة المقاومة الإسلامية ـــ حماس»، ووضعت رئيس «هيئة الأسرى في الضفة»، محمد عرمان، في زنزانة انفرادية، ونقلته من سجن نفحة، جنوب الضفة المحتلة، إلى سجن «هداريم» شمال فلسطين. حينذاك، أعلنت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية أن قوات خاصة من «مصلحة السجون» عزلت أسرى حماس بعد العثور على «رسائل وبطاقات كتب عليها أوامر وتعليمات من الأسرى إلى خارج السجن لتنفيذ عمليات، إضافة إلى معلومات استخبارية مهمة للغاية». لكن وفق مصادر في الحركة، فإن «عملية نقل وعزل الأسرى جاءت في سياق تحضيراتهم لانتخاب ممثليهم في مجلس شورى حماس (برلمان الحركة)».

خلال الأشهر الماضية، انتخب الحمساويون في مناطق انتشارهم ممثليهم من «النقباء» و«الرقباء»، وبعض أعضاء «مجلس الشورى» الذي يعتبر أكبر هيئة قيادية في جسد الحركة. في غزة، شارفت الانتخابات على الانتهاء، أما في الضفة، ورغم أعين أجهزة أمن السلطة الفلسطينية وجيش العدو الإسرائيلي، جرت الانتخابات في أكثر من منطقة. تقول مصادر في «حماس» إنهم حالياً ينتظرون «انتهاء الأسرى من انتخاب ممثليهم في الشورى، للانتقال إلى المرحلة الثانية، وهي انتخاب أعضاء المكتب السياسي (أعلى هيئة قيادية في الحركة)». ويتوقع هؤلاء الانتهاء من انتخابات الشورى مع نهاية تشرين الأول المقبل، لكن «لا يوجد التزام بجدول زمني، خاصة أن نتائج انتخابات الأسرى تتأخر عادة، بسبب الظروف والصعوبات الأمنية التي يعيشونها».
رغم سير العملية الانتخابية بصمت، فإن بعض الصحف الخليجية، تحديداً السعودية، سعت إلى بث الشائعات ضمن «حملة منهجية تستهدف الحركة، ابتداءً من تسريب تسجيل موسى أبو مرزوق (صحيفة الشرق الأوسط)»، يقول أحد قيادات «حماس»، ممن رافقوا نائب رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية، الذي خرج من قطاع غزة منذ أيام، لأداء فريضة الحج. وكانت «الشرق الأوسط» السعودية قد قالت إن هنية خرج لتسلّم منصبه الجديد رئيساً للمكتب السياسي. واللافت أن «الشرق الأوسط»، المملوكة لآل سعود، لم تعتد مبدأ تداول السلطة أو إجراء انتخابات داخلية، بما أن كل شيء في الرياض تسلّم وتسليم
في السياق، رأى القيادي في «حماس» يحيى موسى، في حديث إلى «الأخبار»، أن «حالة الترويج الإعلامية، المقصود منها تشويه الحركة ومواقفها»، فيما تكشف المصادر التي تحدثت أولاً، عن أن «خروج هنية كان مقرراً مسبقاً، لكننا كنا في انتظار موافقة السلطات المصرية على السماح له بالمرور فوق أراضيها».
«أم الدنيا» رفضت خروج «أبو العبد»، الأمر الذي رأت فيه الحركة مؤشراً سلبياً، خصوصاً بعد وعود سابقة بتسهيل مروره وجولته إلى إيران والسعودية. حينذاك، سمحت مصر فقط بمرور وفد الحركة الذي ضمّ محمود الزهار ونزار عوض الله وخليل الحية الذي توجه إلى الدوحة حيث اجتمع المكتب السياسي بغياب «أبو العبد». والآن، هنية، استفاد من فتح القاهرة معبر رفح لخروج الحجاج، فتوجه إلى المعبر، لكن السلطات المصرية لم تسمح له بالمرور فوراً، وجعلته ينتظر على الحدود يوماً كاملاً قبل قبولها خروجه.
وبعد أداء مناسك الحج، ولقائه الملك سلمان في مكة، سيتوجه «أبو العبد» إلى إحدى الدول العربية للمشاركة في اجتماع للمكتب السياسي الذي يُعقد بحضوره للمرة الأولى، ثم سيقوم جولة إقليمية تتضمن تركيا وطهران. ووفق المعلومات، سيبقى هنية خارج القطاع إلى حين الانتهاء من انتخابات المكتب في آذار المقبل.
هذه الأمور تعرفها السعودية وأجهزة مخابراتها المنتشرة في المنطقة جيداً. وهي تعرف متى ستبدأ انتخابات الحركة، ومتى ستنتهي، كما تعلم أن المكتب السياسي الجديد سيسعى إلى تطوير العلاقة مع إيران وتحسينها، خصوصاً في ظل التسويات الإقليمية التي بدأت تركيا الحديث عنها تجاه سوريا وإيران ومصر.

هنية وأبو مرزوق من أبرز المرشحين للفوز برئاسة المكتب

حالياً، يعيش خالد مشعل آخر أيامه في رئاسة المكتب السياسي، فالانتخابات المقبلة ستنتج مكتباً جديداً لن يكون مشعل عضواً فيه، والصفة التي سيحملها في السنوات الأربع المقبلة هي عضوية مجلس شورى. وقد راجت في الآونة الأخيرة أفكار حول استحداث منصب فخري جديد ليشغله «أبو الوليد»، لكن الفكرة رُفضت داخل الحركة، خصوصاً بعدما رفض مشعل سابقاً تعديل النظام بما يسمح له أو لغيره من أعضاء المكتب بالترشح لدورة ثالثة، والتزام المدة التي نص عليها القانون. رغم ذلك، تقول بعض مصادر في الحركة إن «مشعل قد يترشح مجدداً لرئاسة المكتب السياسي في الدورة اللاحقة».
ومن المتوقع أن تشهد انتخابات المكتب السياسي في الأشهر المقبلة بروز وجوه قديمة ــ جديدة، في ظل أن القانون الداخلي للحركة يحظر أن يشغل الفرد عضوية المكتب السياسي لمرتين متتاليتين. ووفق النظام نفسه، فإن عدداً من أعضاء المكتب سيغادرونه لشغلهم المنصب أكثر من دورة، باستثناء الأسرى المحررين الذين خرجوا في صفقة شاليط عام ٢٠١٢، ما يعني أنه يمكنهم الترشح لعضوية المكتب السياسي مجدداً.
ومن بين أبرز المرشحين لعضوية جديدة في المكتب، القيادي في «كتائب القسام» يحيى السنوار، الذي قالت وسائل إعلام العدو إنه ينافس على رئاسة المكتب، وهو ما نفته قيادة «حماس»، لأن طبيعة عمل السنوار الأمنية تتنافى مع طبيعة عمل رئاسة الحركة المشروطة بالتواصل والظهور الإعلامي والسياسي. كذلك يوجد عُرفٌ سعت الحركة إلى ترسيخه في السنوات الماضية، وهو أن ترأس المكتب السياسي شخصية من خارج غزة، لاعتبارات رمزية وسياسية، منها تجسيد قضية اللاجئين الذين يشكلون غالبية الفلسطينيين، إضافة إلى الخوف من اغتيال رئيس المكتب إذا كان موجوداً في القطاع. كذلك تحرص الحركة على إيجاد شخصية لها علاقات متشعبة مع الدول العربية، وهو ما لا تملكه قيادة «حماس» في الداخل بسبب صعوبة تحركها.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، فإن أبرز الأسماء المرشحة لرئاسة المكتب السياسي اثنان، هما إسماعيل هنية وموسى أبو مرزوق. للرجلان أنصار يروّجون لهما. أنصار الأول يقولون إن الرجل رغم بقائه في غزة طوال السنين الماضية، لكنه يملك رصيداً يخوّله رئاسة المكتب. فهو «سياسي تكنّ له كتائب القسام احتراماً شديداً، لأنه على تواصل مباشر معهم، وهذا ما يرفع رصيده في حال ترشح لرئاسة المكتب». تضيف المصادر: «رئاسة المكتب السياسي في غزة أهم من خارجه، لما للحركة من ثقل في القطاع».
أما أنصار أبو مرزوق، فيقولون إنه «مؤسّس المكتب السياسي، وترأسه منذ عام ١٩٩٢حتى اعتقاله في ١٩٩٧ في الولايات المتحدة، لذلك من المتوقع إعادته إلى المنصب الذي كان يشغله». لكن، يعيد أنصار الرجلين التذكير بالملفات التي حملاها؛ فأبو مرزوق تولى مؤخراً جملة من الملفات «الدسمة»، مثل العلاقة بين الحركة ومصر، وهي أكثر الملفات تعقيداً، إضافة إلى ملف المصالحة مع حركة «فتح».
وعرف عن أبو مرزوق علاقته الجيدة بإيران وحزب الله، قبل تسريب «الشرق الأوسط» تسجيلاً ينتقد فيه إيران. كذلك، يقولون إنه بالنسبة إلى الإيرانيين طويت هذه الصفحة بعد اعتذار أبو مرزوق عبر «فضائية الأقصى». أما أنصار هنية، فيقولون إنه على علاقة جيدة جداً مع إيران وحزب الله، ويستشهدون باتصال أبو العبد بالأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصرالله، معزياً بشهداء تفجير عين السكة في برج البراجنة، كما يذكّرون بمشاركة هنية أكثر من مرة في إحياء مراسم انتصار الثورة في طهران.
في غضون ذلك، رأى المستشار السياسي السابق لهنية، يوسف رزقة، أن «الاهتمام الإقليمي والدولي بالانتخابات الداخلية لحماس يعود إلى حجم الحركة وتأثيرها في المشهد الفلسطيني الداخلي، وموقفها من عملية التسوية والحرب مع الاحتلال». ونفى في حديث إلى «الأخبار» أن «تنعكس نتائج الانتخابات الداخلية على المسار السياسي للحركة وتغيير سلوكها، لأن حماس محكومة برؤية وبقواعد أساسية ملزمة لجميع أعضائها». ولفت أبو رزقة إلى «التوجه الإستراتيجي للحركة المحكوم بتوجه المجالس الشورية والسياسية لها، فلا تخضع لمزاجية رئيس المكتب السياسي، وفي مقدمة هذه الملفات علاقات حماس السياسية».




قياديون: الانتخابات سرّية وتراتبيّة وليست للتكهّن

قال القيادي في «حماس» يحيى موسى إن «انتخابات حماس سرية، وقواعدنا الشعبية تفرز قيادتها العامة، التي تعمل على اختيار الأشخاص الذين يشغلون عضوية المكتب السياسي. والأمور أكثر تعقيداً من التزام جدول زمني... الانتخابات تجري وفق نظام دقيق».
بناءً على ذلك، رأى القيادي في الحركة أحمد يوسف، أنه «لا يمكن التنبّؤ بخليفة مشعل أو التهكن به»، مشيراً إلى أن اختيار قيادة المكتب السياسي «يتم عن طريق الأطر الانتخابية التي يشارك فيها الآلاف من كوادر الحركة في مناطق وجودها، ورئيس المكتب السياسي يجري التوافق عليه من بين تلك القيادات التي تنتخب وتتصدر المجالس الشورية للحركة». وأضاف في حديث إلى «الأخبار» أن المرحلة الأولى من الانتخابات لم تنته فعلياً كي يجري الحديث عن اختيار رئيس مكتب.
وأوضح يوسف أن «تناول الإعلام للأسماء المرشحة لرئاسة المكتب السياسي تبدو كأنها تهريج إعلامي الهدف منه تجريح الحركة»، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن «الطريق سالكة لإعادة ترتيب العلاقة بين حماس وإيران، وليست هناك شروط ولا أسماء تعترض عليها طهران... إيران دولة إسلامية مركزية في المنطقة، وهي مدرسة في الدبلوماسية والعلاقات الدولية، وحريصة على علاقاتها مع حركة حماس، حتى إن وجدت هناك بعض الصعوبات».