ثلاث مرات حاول مدير طاولة الحوار، الرئيس نبيه بري، حثّ رئيس الحكومة تمام سلام، أو حتى استدراجه إلى الكلام، عند اندلاع السجال حول مسألة الميثاقية في جلسة الحوار الأخيرة يوم الاثنين الماضي، إذ أدرك بري منذ الكلمة الخلافية الأولى، أن إطار النزاع ليس طاولة الحوار، بل طاولة مجلس الوزراء، وأن المعنيّ بمراجعة جبران باسيل ليس عين التينة إطلاقاً، بل هي السراي. وبالتالي اعتبر بري أن ليس من مسؤوليته، ولا طبعاً من واجبه، أن يدافع عن هذه التركيبة الحكومية وعن أدائها، خصوصاً أن رئيسها حاضر وناصت. وبهذه الخلفية جرّب بري مرة واثنتين وثلاثاً، أن يطلب من سلام التدخل أو التداخل، من دون جدوى... حتى أدلى رئيس تيار المردة سليمان فرنجية بدلوه، فبطل العجب.

كان موقف باسيل قد لاحت بوادره منذ أيام سبقت الجلسة. حتى إن بعض الإعلام المعادي لرئيس "التيار" كان قد تناول تفاصيله بدقة صائبة. وبناءً على ذلك، كان فريق السنيورة يراهن على أن فرنجية لن يسكت حيال مطالعة باسيل، وأنه قطعاً سيبادر إلى الرد عليه. تكفي تراكمات ما كان ويكون وسيكون بين الرجلين، ليصحّ التوقع. فكانت تعليمات السيد الأزرق بالتزام الصمت الكامل، حتى تنحرف المواجهة عن محورها الأساسي، من نزاع ميثاقي إلى اشتباك مسيحي مسيحي. وهكذا حصل، أو هكذا بدا أنه تم.
نجحت مناورة السنيورة ــ سلام، من صباح الاثنين حتى صباح الخميس. اليوم ستكون مفاجأة حكومية أخرى في انتظار ما تبقى من "حكومة المصلحة الوطنية"، وسيكتشف الرجلان أن المسألة المطروحة أكثر عمقاً من تكتيكات التنصل والتهرب والاختباء خلف الظلال. فعلى طاولة مجلس الوزراء سيدركان أن الموازين الحقيقية ليست في عدد الرؤوس، بل في حقائق التمثيل، وأن الديمقراطية ليست واجهات، بل إرادات يعبّر عنها الناس في انتخابات تنبثق منها سلطات، وأن زمن الوصايات قد ولّى، وأن كل من يهمس في آذانهما بالقدرة على البقاء في نظام العنجرية السياسية، موهوم وواهم. لكن ما سيكتشفه ثنائي السنيورة ــ سلام في الأيام المقبلة، سيكون أكثر جسامة وخطورة، وذلك لسبب بسيط، اسمه عامل الوقت وضغطه واستحقاقات ما سيلي من أسابيع بطيئة ثقيلة، أو متسارعة متفاعلة.
كيف سيتجسّد عامل الوقت المذكور؟ ببساطة، فلنفتح روزنامته ولنحسب آجاله ومهله الإسقاطية: اليوم لا جلسة لمجلس الوزراء. هي مسألة محسومة ونهائية. على الأقل، لن يخرج أي كلام ذي مفاعيل إجرائية أو دستورية عن لقاء السراي الوزاري. بعد فشل جلسة اليوم، يرفع سلام مواعيد حكومته إلى أجل لن يكون بعد أسبوع، بل على الأقل حتى عودته من جولته الأميركية، علماً بأن جولته هذه لن تكون وردية زهرية. وهو ما يقتضي فتح الهلالين الآتيين:
في نيويورك ثمة مؤتمر دولي حول النازحين، ولبنان معني بجوهر موضوعه وصلب خلفياته والمقررات. وفي هذا المؤتمر، ستكشف أوراق عمل ومراسلات متبادلة ومسودات ومواقف... ستظهر كلها كم أن فريق عمل تمام سلام كان متساهلاً في موضوع سيادي وجودي بامتياز، اسمه عبء النزوح على لبنان كوطن ودولة. بعد صدمة نيويورك، سيعود سلام إلى بيروت بمنسوب أعلى من التوتر، لتتزامن عودته مع استحقاقات نهايات أيلول، حيث طرفه بالأزمات مبلول. المؤسسة العسكرية ستكون في انتظاره، بعد أن يكون نائبه العبقري، ووزير دفاعه، قد أضاع ما تبقى من وقت في الهروب من واجباته الدستورية والقانونية، فلا تكون تعيينات، بل تماد في ضرب الجيش الوطني، عبر استنساخ إجراء غير قانوني وغير دستوري وغير ميثاقي، أولى مخاطره أنه سيستكمل إقصاء نحو 13 دورة من دورات الضباط عن حقهم في الترقي وأداء واجب قسمهم العسكري والوطني، أي استبعاد أكثر من ألف ضابط أمضوا نحو 40 ألف سنة في خدمة الوطن.
سيهرب تمام سلام من واجبه مرة أخرى، غير أنه هذه المرة سيكون هروبه مثقلاً بالمهل الأخيرة، ليأتي التمديد في مؤسسة الجيش مع إطلالة تشرين الأول، وليكون عشية مسارين بارزين اثنين: أولاً دخول البلاد في الاستعداد للعقد العادي للمجلس النيابي الممدد له، في 18 من الشهر المذكور. وثانياً، دخول التيار الوطني الحر في مسار استعداداته لخطوته المفصلية قبل ذلك بخمسة أيام، في ذكرى 13 تشرين الأول. بين هذه التطورات المتناقضة، أي بين إصرار سلام على نسف القواعد الميثاقية لعمل ما تبقى من حكومته، وبين إصرار التيار الوطني الحر على التصدي لتلك الحركة الانقلابية، وبين العمل الطبيعي والمنتظر من قبل رئيس المجلس النيابي، على محاولة إعادة تشغيل آخر مؤسسات البلاد الدستورية، سيكتشف من أوعز إلى تمام سلام، يوم الاثنين الماضي، بأن يلوذ بالصمت المطبق، أنه ارتكب خطأ أو خطيئة أو حتى خيانة، وأنه قصّر آخر المسافات الفاصلة بين الدولة والفوضى. هل من سبيل بعد للاستدراك؟ نظرياً الأمر ممكن. عملياً المسؤولية كلها على تمام سلام ومن خلفه.