خرجت علينا الدوائر الإدارية للأمم المتحدة بوثيقة مؤرخة في 29/7/2016 (مرفقة في 30 منه بملحقين) تحت عنوان "التعامل مع التحركات الكبيرة للاجئين والمهاجرين"، فيما تستعد "الأمم المتحدة" لعقد "قمة حول اللاجئين" في العشرين من الشهر الجاري على هامش الجمعية العامة، تسبقها جلسة مخصصة لمناقشة مسألة "الهجرة واللجوء".

عراب القمة هو الرئيس الأميركي أوباما إلى جانب جوستان ترودو (كندا) أنجيلا ميركل (ألمانيا)، كيال لوفغن (السويد) انريكي بنيانييتو (المكسيك) هايلة مريم دساليفن (إثيوبيا) والملك عبد الله الثاني (الأردني)، إضافة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون.
تأتي هذه المبادرة في سياق مسار بدأ منذ بضعة أشهر كانت من محطاته الأساسية كما أوضحته "المذكرة المفهومية" لوثيقة المؤتمر، "مؤتمر لندن للمانحين" (وتسميته الدقيقة "مؤتمر المانحين من أجل سوريا"، ومؤتمر "إعادة توطين اللاجئين" الذي نظمته المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، (وتسميته الفعلية كما وردت في الوثائق "مؤتمر جنيف العالي المستوى من أجل إعاد توطين اللاجئين السوريين") و"القمة الإنسانية العالمية" المنعقدة في إسطنبول في شهر أيار 2016.
تستدعي المبادرة المذكورة ومنهجية مقاربتها لمسألتي "الهجرة واللجوء" كما لخلفياتها غير المعلنة ملاحظات أولية وجب الإشارة إليها لما سيكون لها من تأثير في معالجة المعضلتين المذكورتين وتحديد التوجهات الدولية التي تسعى إلى الهيمنة، من جهة، كما من أجل تحديد السياسات الضرورية المطلوبة من أجل مواجهتها من جهة أخرى.
1 ــ يجب التذكير أولاً بأن مسألتي الهجرة واللجوء، فضلا عن التهجير (القسري بطبيعته)، لها أولاً وأساساً طابع إنساني يطاول أساسيات الحياة البشرية: المقومات المادية للحياة، الانتماء والهوية، المستقبل، الارتباط بالأرض، البيئة والثقافة، الذاكرة والتراث، الوطن والذاكرة الجماعية أي بمعنى آخر كامل عناصر بناء الشخصية ومقومات الاستقرار الفردي والجماعي.
2 ــ من الضروري التذكير أيضاً ومجدداً بأن "الأمم المتحدة" هي سمو منشود باستمرار، مستحيل المنال، تجسّده المبادئ التأسيسية لشرعتها. أما آليتها الإدارية والمؤسساتية فتخضع لموازين القوة بين أطرافها وتكتلاتهم. الأمم المتحدة هي بالتالي من هذه الزاوية، وفي آن واحد، ساحة صراع وإدارة صراع، وأداة إدارة للصراع، لا غنى عنها في هذه الحقبة من تاريخ البشر من أجل تنظيم العلاقات الدولية، كما لا غنى عن نقدها ومواجهة جنوحها وتقصيرها ومخالفاتها (وما أكثرها).
لا طائل بالتالي لتأليهها واعتبارها صاحبة سلطة منزّلة أو على العكس اخلاء ساحتها ليحتل الفراغ أصحاب مشاريع الهيمنة والتسلط. تأثرت آلياتها ودينامياتها بموازين الصراعات منذ نشأتها: ساحة مواجهة بين القطبين أيام الحرب الباردة ثم ساحة صعود حركة عدم الانحياز، منها إلى مؤسسة منحازة إلى جانب قطب ظن أنه سيّد العالم بعد انيهار أحد أطراف هذا الأخير، إلى محاولة إلغائها على يد وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك (1996) مادلين أولبرايت عندما حاولت إنشاء "تحالف الديمقراطيات" الذي أفشله زميلها الفرنسي هوبير فدرين، إلى عربدة جون بولتون في أروقتها وصولاً إلى محطة الفيتو المزدوج (الخاصة بالحرب على سوريا) والتي أعادت التوازن النسبي إلى العلاقات الدولية التي صححت بعض الاختلالات التي عززتها عملية الغزو الثقافي في فترة العولمة الأميركية الصاعدة للدوائر المؤثرة في المؤسسة. وما من أفضل مثال على ذلك سوى احتلال موقع الأمين العام المساعد للشؤون السياسية من قبل مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، جفري فيلتمان. على هذه الخلفية يجب التعامل بصراحة ووضوح مع المشروع المذكور المتلطي وراء عموميات من نوع أن "البشرية تتحرك منذ القدم" لتعود وتذكرنا بأن "روزنامة 2030 للتنمية المستدامة" قد "اعترفت بإيجابية المساهمة التي يقدمها المهاجرون في عملية التنمية المستدامة والنمو الشامل"، إلى غير ذلك من التعويذات الطوباوية الرامية إلى حجب مرارة حركة الهجرة المعاصرة ولا إنسانيتها.
لا ضرورة للعودة هنا إلى وقائع ومآسي الهجرة التي عرفتها القارة الأوروبية مثلاً منذ القرن الثامن عشر. سنكتفي بذكر حالة معاصرة لرمزيتها وصلة قربها بالعولمة الأميركية ولصدى صخب الصراخ حولها في الحملة الانتخابية الأميركية. من يتذكر نشوء مؤسسة "الالينا" ــ اتفاق التبادل الحر لأميركا الشمالية الذي جرى توقيعه سنة 1994 الذي أعلن عنه بصفته العصا السحرية التي ستؤدي إلى "نمو مذهل للاقتصاد والازدهار في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك"؟
المكسيك؟ فلنرَ. سنة 1994 كان هناك 12 مليون حالة فقر في هذا البلد. ارتفع العدد سنة 2008 إلى خمسين مليونا منهم 20 في حالة انعدام مطلقة. كانت المكسيك تتمتع قبل الاتفاق باكتفاء غذائي كامل، فيما هي مضطرة اليوم إلى استيراد أكثر من أربعين بالمئة من حاجاتها الغذائية. قبل الاتفاق كان هناك أكثر من ثلاثة ملايين منتج للذرة (المادة الأساس في الثقافة الغذائية للبلاد). في أقل من سنتين انخفض العدد إلى 1.7 مليون. كان كل مزارع يؤمن العيش لعشرين شخصا. أدى التدهور الريفي إلى هجرة باتجاه المدن وتحديداً العاصمة مكسيكو، التي تضخم عدد سكانها في وقت شحت فيه فرص العمل مع استقالة الدولة المكسيكية من مسؤولياتها الاقتصادية والاجتماعية تحت تأثير الايديولوجيا النيوليبرالية الصاعدة، والارتهانات الخارجية والمصالح الأنانية الخاصة بالطبقة الحاكمة. مما أصبح دافعاً مركزياً للهجرة إلى الشمال، وتحديداً الولايات المتحدة وبكامل الوسائل الشرعية وغير الشرعية المتاحة، فيما لم يستفد من الاتفاق سوى منتجي الذرة في "الميدل وست".
مثال آخر: اتفاق "الشراكة المتوسطية" الذي جرى توقيعه في برشلونة سنة 1995 والذي تنافس فيه تياران. الأول مثله المفوض الأوروبي لشؤون التجارة آنذاك باسكال لامي الذي رأى أن ولوج دول جنوب المتوسط إلى الحداثة يقوم على اعتمادها المواصفات الأوروبية من جهة وفتح أسواقها أمام "الاستثمارات الأجنبية المباشرة". في المقابل كان هناك طرف قدم طرحاً مختلفاً مبنيا على اعتماد خطط للتنمية الذاتية عمادها توظيف خدمة الدين في مشاريع تطوير القطاعات الإنتاجية على قاعدة الحاجات الفعلية للمجتمعات المعنية واعتماد آليات تكامل مسماة "جنوبية ـــ جنوبية" من عناصرها فتح دول المغرب على بعضها (من حركة البشر إلى البنى التحتية) عبر إنشاء خط قطار سريع يربط الدار البيضاء بالقاهرة. سقط هذا التوجه بفعل فيتو أميركي وخضوع القيادات السياسية والاقتصادية في الدول المعنية، إضافة إلى قصر نظر وانتهازية الاتحاد الأوروبي ودوله التي رأت في تجديد تبعية دول الجنوب لها تعويضاً لسلبيات تبعيتها المطّردة تجاه الولايات المتحدة تحت مظلة العولمة الأميركية.
كانت النتيجة: المزيد من الافقار بسبب أزمة الأرياف ومزيد من الهجرة وتفاقم الأزمات المتعددة الأوجه شمالاً وجنوباً.
4 ــ تتجاهل وثيقة الأمم المتحدة كل هذه الحالات الظرفية والتاريخية والبنيوية لتخلط بين الهجرة واللجوء والتهجير، فتنزع عن كتل بشرية ميزات انتمائها البشري لتحولها إلى "أصناف نظرية مجردة" على نماذج النظريات الفكرية والايديولوجية التي تروجها "العولمة الأميركية: الشباب، النساء، الشيوخ، ذوي الحاجات الخاصة إلخ، التي تنفي الصفة المجتمعية عن الكائنات وتحولها إلى مجموعات حسابية لفئات مجردة. بالإضافة إلى إنكارها أسباب ومصادر المآسي التي تتسبب بالهجرة والتهجير وحالات اللجوء لتتحول آليات "الأمم المتحدة" إلى إدارة نتائج المشاكل فيما تذهب المسببات أدراج رياح النسيان. وهو ما يؤدي إلى رفع المسؤولية عن مسببي الكوارث البشرية أي سياسات التسلط والهيمنة والاستعمار القديم المتجدد وأصحابه، ومصالح الكتل المالية الضخمة التي باتت تتحكم تحت عنوان "العولمة" في مصائر شعوب بأكملها.
5 ــ هذه الخلطة الهجينة بين اللجوء والهجرة وانكار ظروف وخصوصيات ومسببات كل حالة تنكشف خلفياتها وأهدافها مع قراءة البند 7/1 من الوثيقة، الذي رأى "ان لحركة الهجرة واللجوء تشعبات سياسية، اقتصادية، اجتماعية، تنموية إنسانية، إضافة إلى حقوق الإنسان تتخطى الحدود لتصبح حالة إجمالية شاملة تتطلب مقاربة وحلولا شاملة وإجمالية أيضاً".
هذا يعني باختصار أننا أمام مشروع ينال من مبادئ شرعة الأمم المتحدة الخاصة بالسيادة، ويسعى إلى تخطي الدول من أجل إيجاد آليات وصاية جديدة تتولى فيها إدارة الأمم المتحدة الشأن العام، على غرار ما هو قائم في مجال "التبدل المناخي"، ما يتطلب إيجاد آلية "شاملة وإجمالية" هدفها "تثبيت وتقوية الحوكمة الشاملة للهجرة واللجوء". وكأن الهجرة والتهجير واللجوء، من الطبيعة الجينية نفسها التي تطبع التبدل المناخي. وفي هذا الإطار تعمل دوائر الأمم المتحدة باشراف أميركي مباشر على دمج "منظمة الهجرة العالمية" والمفوضية العليا للاجئين".
6 ــ أما على صعيد المشرق العربي تحديداً وهو المستهدف الأساسي غير المعلن فتذكّر الوثيقة بالمؤتمرات الممهدة للقمة، متعمدة عدم الإشارة إلى أنها كانت مخصصة بكاملها لسوريا في إطار المشاريع السياسية التي تستهدف المنطقة.
يمكن القول إن الهدف من الخلطة الهجينة المذكورة، كما تغييب المسببات والمسؤوليات، هدفه إنشاء غطاء أممي "قانوني" للعملية الديموغرافية الشاملة التي تستهدف المشرق العربي وتحديداً الدول المحيطة بدولة "إسرائيل". من الضروري التذكير هنا بالمحطات المعاصرة الأساسية للتلاعب الديموغرافي بالجغرافيا البشرية للمشرق العربي بصورة قسرية ومتوحشة خارج قوانين الزمن المديد للحركة البشرية الطوعية والطبيعية.
المحطة الأولى هي فلسطين وتهجير الشعب الفلسطيني. المحطة الكبرى الثانية هي حركة الهجرة والتهجير التي نجمت عن الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية الفلسطينية. المحطة الثالثة هي ما آلت إليه عملية الغزو الأميركي للعراق واستهدافه الاختلاط البشري التاريخي في بلاد ما بين النهرين وذلك بالاستناد إلى القوة العسكرية، وإلى نظريات الفرز المذهبي المعلل بالقراءات الايديولوجية لمنظري الغزاة من برنارد لويس إلى بول ولفوويتز وريتشارد بيرل معززين بكامل الطاقم الصهيوني المتحلق حول "معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى"، حيث ولدت من رحم هذا الأخير نظرية "الفوضى الخلاقة" المبنية على تدمير الدول والمجتمعات المحيطة بدولة "إسرائيل". وانسحب لاحقاً هذا النهج على السياسات التي تحاول فرض نفسها في الحرب على سوريا وبسلوكيات المجموعات الإرهابية وأربابها من تركيا الاخوانية إلى الوهابية السعودية على اختلاف الطرفين وخلافاتها.

التركيز على «إعادة توطين» اللاجئين يؤدي الى إلغاء القضية الفلسطينية برمّتها

7 ــ تسعى الوثيقة تحت غلاف لفظي "إنسانوي" إلى اعتماد مبدأ تكريس الأمر الواقع في ما آلت إليه حروب المنطقة على أنواعها منذ نكبة فلسطين.
فالتركيز على "إعادة توطين" (resettlement) المهاجرين واللاجئين والمهجرين (وعبارة "توطين" في جوهر القاموس الصهيوني) يؤدي في نهاية المطاف وظائف متعددة، أولاها إلغاء القضية الفلسطينية برمتها ومن أساسها إذ سيدفن الحق الفلسطيني في العودة، والمكرس بالقرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة إياها، وبالمناسبة كان بالأحرى على رأس هرم إدارة هذه الأخيرة العمل على تطبيق القرارات الأممية قبل التهويل "بالقانون الدولي" في مطالبته "بتوطين" المهاجرين واللاجئين. كما كان بالأحرى عليه النظر إلى المسبب الأساسي لحالة اللجوء (الفلسطيني) أي الاستعمار الصهيوني وداعميه.
أما في الحالات المشرقية الأخيرة، فسيؤدي اعتماد الوثيقة وفق صيغتها المعلنة إلى تكريس حالة لا استقرار مستدامة من العراق إلى لبنان مروراً بسوريا. فبدل ان يكون الهدف "الأممي" عودة النازحين والمهجرين إلى ديارهم، وإعادة تثبيت مقومات الحياة المجتمعية الطبيعية في الدول المعنية، سيؤدي النهج "الأممي" إلى تثبيت آلية إفقار المجتمعات وإضعاف دولها لتكون كلها مشغولة بنفسها، في إطار سياسات الخوف والتخويف وإثارة الفتن والشرذمة اللامتناهية لتصبح المنطقة ساحة لحروب الجميع ضد الجميع تحت أنظار الدولة الصهيونية المشبعة بالرضى والمنتشية أمام السياسات الخارجية الأميركية والأوروبية المبنية على التهديدات والعقوبات. من لا تزال رؤياه متأثرة بالغشاوة فليعد إلى قراءة وثيقة عوديد يينون (استراتيجية لإسرائيل في الثمانينات) أو فليطّلع على مضمون الوثيقة التي قدمتها الوكالة اليهودية إلى المفوض السامي الفرنسي سنة 1925 مطالبة بتهجير سكان الجنوب اللبناني من الطائفة الشيعية إلى العراق تمهيداً لإلحاق لبنان الجنوبي بالدولة اليهودية المزمع انشاؤها (نعم سنة 1925) أو على الأقل فليستمع إلى شيمون بيريس يردد في كتابه عن "السلام" بعد مؤتمر مدريد أن دولة "إسرائيل" لها خبرة كبيرة بالتهجير ("الترانسفير") وقادرة على تقديم معارفها في إعادة رسم الجغرافيا البشرية للمنطقة.
8 ــ في مواجهة هذا المشروع التفتيتي العام الذي يدخل فصولاً جديدة مع طرح هذه الوثيقة، من الواجب تثبيت المبادئ الأساسية التي يجب العمل على هداها لمواجهة مشروع التدمير الوافد بحلة جديدة:
أ ــ إعادة التأكيد على الانتماء إلى الأرض والتاريخ والذاكرة والهوية العربية المشرقية المشتركة.
ب ــ إعادة التشديد على دور الدولة، ودورها الجامع، الدولة اللبنانية، الدولة السورية، الدولة العراقية (وهي الدول المستهدفة راهناً) كرمز وأداة التعبير عن الصالح العام والمصلحة الوطنية وتثبيت دورها الناظم والمخطط، وبصفتها سموا لا تختزله إدارة يتمثل فيها المجتمع والمواطن في إطار التفاعلات المركبة التي تسمى الوطن.
ج ــ إعادة التشديد على وجود المجتمعات المشرقية التاريخية والاعتراف بها بصفتها تلك، بكل ما تعنيه كلمة مجتمع، ورفض تحويل التجمع البشري على امتداد المشرق إلى مجموعة حسابية من فئات مجردة ومبهمة.
د ــ الرفض القاطع للأمر الواقع الذي أدت إليه الحروب المعلنة على المنطقة منذ احتلال فلسطين وفي المرحلة الراهنة والعمل على مواجهتها بخطط مضادة وطنية. أمن الضروري أن نعود ونذكّر في ما يخص لبنان أن أحد أبرز أهداف العدوان الإسرائيلي سنة 2006 كان تهجير سكان الجنوب واخلاء المنطقة من الوجود البشري (هذا كان مغزى القصف الأخير بمليون ونصف مليون من القنابل العنقودية) لينكسر تحقيق الهدف بقرار إرادة العودة إلى الديار فور إعلان وقف الأعمال الحربية؟
ولا بد بالتالي من العمل على إعادة التواصل بين الدول والمجتمعات والهيئات المعنية من أجل إيجاد الحلول العقلانية والإنسانية لعودة المهجرين والنازحين إلى ديارهم بصورة منسقة وآمنة، إضافة إلى تواصل الهيئات الاقتصادية والمؤسسات المهنية (غرف تجارة وصناعة إلخ...) بالتكامل والتفاعل مع السلطات الرسمية من أجل إيجاد حلول ثنائية لمسألة العمالة المشتركة وتنظيمها. وفي ما يخص بلبنان تحديداً أما آن الأوان أن نعي أن أحداً سوى دولة لبنان ودولة سوريا قادر على أيجاد حلول للهجرة والتهجير؟ وإن دلت الوثيقة المذكورة على شيء، فهي تدل على أن "الأطراف الخارجية" لن تهتم إلا لتوظيف المآسي في خططها السياسية والاستراتيجية.
ويكفي في هذا المجال الاطلاع على أدبيات وتصريحات العدو ومعه الدوائر الداعمة له. إن جل ما يطمح إليه هؤلاء (من بعض الدول الأوروبية المحنة إلى ماضيها الاستعماري وصولاً إلى الدوائر الحربجية في واشنطن) هو تفتيت للمنطقة على شاكلة النموذج الذي ابتدع في كوسوفو: حالة من الفوضى المستدامة في "لا دولة" معلنة ذاتياً، لا صفة قانونية لها، بل مناقضة للقانون الدولي، تقع تحت وصاية أممية تكون مرجعيتها الإدارية رسمياً، فيما تكون مرجعيتها السياسية فعلياً الثنائية الأميركية الأطلسية، تلغى من خلالها الشعوب والمجتمعات، لمصلحة مخلوقات هجينة يختلط فيها العشائري بالجرمي.
أن نعمل على استعادة سيادتنا واستقلالنا ونتملك قدرات وشروط شخصيتنا المجتمعية ودولتنا، أن نبتدع شروط التكامل مع محيطنا المشرقي، أن نفعل كل ما في وسعنا لفرض وجوب ايقاف مشاريع التدمير وهي المصدر الأساس للتهجير، هنا يكمن التحدي. فهل نعي مدى مصالحنا المشتركة بدل التقوقع على الأنانيات والتلذذ بالوصاية والتبعية؟
.... في منتصف السنوات ألفين وجد كاتب هذه السطور نفسه على منبر مع الجنرال وسلي كلارك، قائد قوات الناتو في الحرب على كوسوفو. جرى تقديم اللواء كلارك يومها بصفته خبيراً... بالهجرة الدولية (كذا!).
هل من يلتقط مدى رمزية هذه الصفة الهزلية ومغزاها، وهل من يستخلص العبر؟

* عالم اجتماع
المنسق العام للمؤتمر الوطني الأول لمواجهة الكوارث
عضو اللجنة الوطنية للقنابل العنقودية