ابتداء من اليوم، ستُسلَّط الأضواء على بيروت، في مناسبة انطلاق الدورة السابعة من «بيروت آرت فير» بمشاركة 45 صالة آتيةً من 20 بلداً عربياً وأجنبياً. في العام الماضي، استقطب المعرض حوالي 21 ألف زائر فارضاً نفسه كأحد أبرز المواعيد السنوية على الروزنامة الفنية في العالم العربي. الرهان على التجديد والابتكار لا يزال متواصلاً هذا العام، إذ تفسح الدورة الجديدة المجال لمزاج آخر وفنانين شباب باتوا يستقطبون الاهتمام في بلدان منطقة «الشرق الأوسط» وشمال أفريقيا وجنوب آسيا. بعض اللوحات تشجعنا فوراً على تخيلّها موضوعةً على مكاتب شخصية وكومودينات منزلية. إنها «صغيرة كفاية لوضعها في يد طفل، وصلبة كفاية لإسناد جدار».

مساحة العرض الجديدة Revealing by SGBL مخصصة لتجارب شبابية تتبنى شعارات وممارسات معاصرة. حين نتحدث عن سمعان خوّام، نتذكر «مربع 16»، الاسم الذي أطلقه الرسّام على محترفه في بيروت. فهو على شكل مربع يتوزع على جدرانه 16 شبّاكاً كما يليق بمصنع أو معمل خياطة. المحترف كله يقع تحت رحمة الشمس المتسللة من الشبابيك الكثيرة والواسعة، لكن خوّام يتحكم في الاضاءة بواسطة ستائر رمادية اللون، تماماً كما يفعل مع لوحاته.

لوحة أسامة بعلبكي أقرب إلى قصيدة الـ «هايكو»، جملة من التداعيات العادية مكللة بلمعة خارقة

منذ معرض «كرسي، طاولة، والرجل العصفور» الذي حمل أكثر من 60 لوحة صغيرة أغلبها منفّذ بالحبر على مربعات حديدية، لم نعد نخطئ كائنات خوام الوحيدة التي يجمّدها الألم، أو تلك التي تركض بينما يدفع الهواء ضفائرها إلى الخلف، تلعب بالحبل، تلهو بطيارة من ورق، بتفاحة أو سمكة أو سلحفاة. الصلابة المفترضة في المعدن تواجه التكوين الهش للحبر. يسمي الفنان ذلك محاولة خلق نوع من الهارموني بين عناصر الواقع القاسية وطراوة الأحلام. أرواح مستوحشة بين الوهم والواقع يعجنها خوّام بألوان كثيرة، بعد أن تمر على طاولته المليئة بقناني الأسيد والزيوت والأدوية. «أستخدم أي شيء لأرسم» يقول، ويرتب على الرفوف مرطبانات الكلوروفورم، التي تطفو فيها أنواع مختلفة من الأسماك والطيور والأفاعي وأجنّة الحيوانات. هناك مديحٌ طفيفٌ للبشاعة والملامح العادية، ومديح آخر مبطّن للحياة اليومية التي يمكن أن نتخيلها لتلك الكائنات الشبيهة بالفنان نفسه.
تستعيد اللوحة مزاجها الجدلي في أعمال أسامة بعلبكي، هذا الفنّان (والشاعر) يرسم وعينه على القصيدة: لوحته أقرب إلى قصيدة الـ «هايكو»، جملة من التداعيات العادية مكللة بلمعة خارقة. يرسم كمن يكتب قصيدة نثر، بقدرتها على خلق منطق آخر، مفاجئ، انطلاقاً من عناصر متضاربة لا تجتمع في الواقع المألوف. والطموح أن تكون اللوحة حاضرة بهوية تقليدية واضحة، مع انحيازات متعددة إلى الفنون المعاصرة. قدم بعلبكي أعمالاً مشغولة على مادة الأكريليك المفضلة لديه، تحتفي بالخلاء الطلق، يتعمّد أن لا تكون شاغرة تماماً، بل تحضر فيها مواد وعناصر وإنشاءات من خارج الطبيعة المفتوحة، فنرى مرتفعات حرجية مخترقة بأعمدة وتمديدات التوتر العالي، أو نرى سيارة قديمة مركونة في طريق جبلية أو ريفية، أو رافعة عملاقة ترتفع فوق مشهد يُفترض أنه طبيعي. في إحدى اللوحات التي تقدمها «غاليري أجيال»، سنرى الخلاء الريفي أو الطبيعي في ظلام ليل خافت. كأن بعلبكي ميّال إلى الطبيعة المشروطة بأن تكون مجاورة للمدن، أو متداخلة معها، وهذا جزءٌ من طموح الرسام في خلط مفهوم اللوحة مع ممارسات فنية أخرى كالتجهيز والبرفورمانس والفيديو آرت.
ومن التجارب الملهمة أيضاً التي حملتها «غاليري جانين ربيز» إلى مجمع «بيال»، أعمال كريستين كتانة التي فاجأتنا -حين نظّم قسم الفنون الجميلة في كلية العلوم والآداب في الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU) المعرض السنوي لأعمال الطلاب الفنية- باستعانتها بالتجربة العالمية earth work واستخدام عناصر الطبيعة من أتربة وأحجار منتقاة من هنا وهناك. رأيناها تستقدم بيتاً زجاجياً تضع فيه التراب والنمل، وتوكل للنمل مهمة « فن الحفر» لتصبح هي المُشاهد، وفنها هو الفنان الذي لا يزال يتابع عمله طوال أيام المعرض. الجانب البحثي في ما تقدمه كريستين من فن يفوق المادة العاطفية الموظّفة فيه. هنا بوسع عملها « زوايا الصابون» أن يجمع المستوى البصري والمفهومي.
جولة على أجنحة الغاليريهات تضعنا أمام فسيفساء تغطي مختلف المدارس الفنية والتيارات، والأهم القضايا والمشاغل في المنطقة العربية، بدءاً من الثورات وصولاً إلى الرقابة بمختلف تركيباتها الرسميّة والسياسية والدينية. علي عبد المحسن الذي تقدمه للمرة الأولى غاليري «المشربية»، من خلال معرض «قصص حقيقية»، يواصل تحليل العلاقة بين المحجوب والمرئي في المدن. هو أحد الشبان المشاكسين الذين وجدوا بصمتهم الخاصة وظهروا بعد الثورة المصرية، ليجسدوا زفرات منطقة بأسرها، يعمل على نحو أساسي لدى صحيفة «إيجبت إندبندنت» الناطقة باللغة الإنكليزية، ويستخدم فى لوحاته ألوان الأكريليك المخلوطة برماد السجائر، لتنهض الطبيعة مجروحة، في شكل أشجار خيطية، تخترقها أسهم وحيوانات نازفة. أما البشر، فهم غالباً بلا وجوه، يرتدون زياً موحداً ورؤوسهم ملفوفة كالمومياوات المصرية القديمة. في أحد أعماله، تبرز أيدٍ عملاقة، كناية عن جهاز الدولة القديم ، Big Brother المصري وهو يتحكم في مصائر البشر.
أما ميريام الحايك الفرنسية - المغربية، فلا تستقر على أسلوب، لقد اختارت مشروعاً قيد التشكّل دائماً، واهتمت بالتأليف الموسيقي وفن التنقيط، ولديها رؤية جمالية نضرة وطازجة. تقول «اللعبة هي القاعدة التي تجمع حولها الأشياء»، لكنها دخلت انعطافة جديدة في أعمالها الأخيرة، إذ أنجزتها بأسلوب تجريدي يعتمد على الألوان القوية المتجاورة في علاقات هندسية تحاكي الزخرفة. وإن كانت لدى رشيد قريشي صورة مفاهيمية مشبعة بالرموز بين العربية والامازيغية وحروف التيفيناغ والمربعات السحرية وأرقام الطلاسم، وكذلك رسوم الكف والعلامات الإيقاعية للفن الحجري على جدران الصخور في التاسيلي في الجزائر، فإن الحايك تعمل على تحويل علامات ورموز مماثلة إلى شيفرات شخصية، وتستنبط أشكالاً حروفية ضمن متكررات لونية.
«غاليري مارك هاشم» تحمل إلينا هذا العام أعمال الفنان اللبناني شربل صموئيل عون. مزاجه البصري البحثي في سيكولوجيا المدن والانسان المعاصر لفتا الأنظار إليه وكرّسا لوحته كعلامة مميزة وفارقة. يستخدم عون غبار مدينته ممزوجاً بالطلاء ليرسم على اللوحة بتدرجات الأسود والأبيض عنف المأساة التي يرغب في أن يكون شاهداً عليها. تمتد هذه التدرجات اللونية الباهتة والفجة، والخطوط الغليظة والتلاعبات في المادة، على خلفية قاتمة أو مكسوة بنصوص دينية. لا يتردد الفنان في تجميع أشياء من الطبيعة مثل الأخشاب وشوك الصنوبر وتحويلها الى تكوينات تنطوي على لمعات ذكية.
لم تعد الأعمال مغلقة على الأحلام الشخصية، بل اخترقها صخب الشارع ووجدت نفسها منخرطة في العنف، فالحرب التي «كركبت» حياة محمد خياطة انعكست أيضاً في أعماله، التي كانت عبارة عن رصاص وأحشاء بيوت مبقورة وذكريات رقّعها بالطريقة نفسها التي كانت أمه تصلح بها الثياب. وهي كلها مستوحاة من المشهد اليومي الحاصل في سوريا. هذه «أشياء نفعلها لمجرد البقاء على قيد الحياة»، يقول. لوحته «أمّ تبيع أطفالها» ستضعنا أمام حيرة في استبطان مصائر هذه المخلوقات التائهة بين الفكاهة المُرّة والعسف.
ديون قديمة للروّاد
علي عبد المحسن أحد الشبان المشاكسين الذين ظهروا بعد الثورة المصرية ليجسدوا زفرات منطقة بأسرها

تطورت الفنون التشكيلية في العالم العربي، وصارت على صلة وثيقة بما يجري في الخارج، وبات معظم فنانينا قادرين على مجاراة التيارات والحساسيات الراهنة، وتكوين سمات خاصة بأعمالهم. تشعبت التجارب وتصدّعت الهويات وصار الفن نفسه نوعاً من الممارسة الشخصية التي تلغي المدارس والتصنيفات.
لم يعد ممكنا اليوم الحديث عن هويات تشكيلية أو محترفات وطنية صافية.، لكن كل هذا ينبغي ألا يمحو الطبقات الأولى التي صنعت المشهد العربي المعاصر المثقل بديون قديمة لمجموعة من الرواد والمعلمين الأوائل، الذين واكبوا روح العصر ونقلوا المؤثرات الأولى التي ظهرت في أوروبا. وتحولت بالتدريج إلى نوع من الفن الشخصي في تجارب الجيل الذي تلاهم. بكّرت اللبنانية سلوى روضة شقير (1916) في ازدرائها للمحاكاة الواقعية، مفضّلةً حكّ تجربتها بالعوالم الصارمة والباردة عند كاندينسكي وماليفيتش وموندريان. المذاق التجريبي في لوحاتها انتقل إلى منحوتاتها الخاضعة لتصوّرات هندسية وفيزيائية أكثر من خضوعها للمسار التقليدي الذي يُختزل عادة بإزالة الزوائد عن المنحوتة المدسوسة في قلب الحجر أو الخشب. اكتشفت شقير أن جذور التجريد موجودة في الفن الإسلامي وعرضت أعمالها في صالات باريسية مختصة بالتجريد. معارضها القليلة في بيروت كانت تحدياً للذائقة المحلية وقوانين السوق وكانت أعمالها تجلياً لأفكار ورؤى طليعية، ولهذا ظلت حديثة ومعاصرة رغم مرور زمن طويل على إنجازها.
الطليعية ذاتها نجدها عند فنانات لبنانيات أخريات، يكرم «بيروت آرت فير» عدداً منهن للمرة الأولى منذ انطلاقته ضمن «معرض لبنان الحديث» مثل إيفيت اشقر (1928)، لور غريّب (1931)، هوغيت كالان (1931)، ناديا صيقلي (1936) وطبعاً إيتل عدنان (1936) التي وجدت فضاءها اللائق في التجريد الغنائي والهندسي الذي تشحنه برؤى كونية جديرة بامرأة متعددة القوميات، تجمع أنواعاً مختلفة ومتداخلة من التحولات والانتقالات على مستوى المرجعيات الثقافية.
في معرضها الاستعادي في «معهد العالم العربي في باريس» (خريف 2016)، كان بالإمكان معاينة المسار اللوني والتقني الذي صنعته اللوحة المنجزة في أزمنة مختلفة. تتبع عدنان تاريخاً من المعرفة البصرية، تمثلها وتبدع مستقيةً منها، ومحاورة فلسفة أبيقور، ولسانيات تشومسكي، وشعر درويش المرتبط ارتباطاً عضوياً بالأرض. ترتجل لمساتها اللونية من الأيقونية والمنمنمات الفارسية وتعاشيق الأرابيسك، بالإضافة إلى الزيتيات ذات القياسات الصغيرة التي تعكس انطباعات عن الطبيعة.
قد تتطلب زيارة معرض «بيروت آرت فير» إذن التسلح بعدد كاف من السجائر، والفضول، والرغبة في الاستسلام لمشاعر متضاربة.

* «بيروت آرت فير»: بدءاً من اليوم حتى 18 أيلول (سبتمبر) ــ مجمع «بيال» (وسط بيروت) ـ للاستعلام: 03/386979