قبل أيام نشرت مجلة "إيكونوميست" البريطانية، مقالاً بعنوان: "سياسات ما بعد الحقيقة ــــ فن الكذب". موضوعه إشكالية تبدو في صلب أزماتنا اللبنانية. يعرض المقال نماذج من أكاذيب أطلقها سياسيون، ولم تجد من يكذّبها أو يفنّدها أو يدحضها. وخصوصاً أنها لم تجد من يسائل مطلقيها أو يحاسبهم عبر أنشطة الحياة العامة وأدوات رقابة الشأن العام. لا بل أكثر من ذلك، ما يوحي به البحث ويحذر منه، أن تلك الأكاذيب هي ما صنع هؤلاء السياسيين. هي ما كوّن سمعتهم وشيّد شهرتهم وجعل من نجاحاتهم في حياتنا ما هم عليه من سلطة ونفوذ ومال. حتى ذهب المقال إلى الجزم بأن عصرنا الراهن بات عصر "سياسة ما بعد الحقيقة". تماماً كما نؤرخ لعصر ما بعد التدوين الرمزي أو ما بعد الحجري أو ما بعد الإنسان النياندرتالي ... هكذا يوحي المقال بأن الحقيقة، كمفهوم وكقيمة، باتت في عالمنا، وخصوصاً في مجال الشأن العام والسياسة حالياً، مسألة بالية بائدة منقرضة من التاريخ والمتاحف والأنقاض والآثار...

يعدّد مقال "إيكونوميست" بعضاً من الأمثلة والنماذج عن سياسات ما بعد الحقيقة. منها حصة الأسد طبعاً لدونالد ترامب: وثيقة ميلاد باراك أوباما مزوّرة. الرئيس الأميركي ووزيرة خارجيته السابقة مؤسسا "داعش". آل كلينتون هم من سلالة قتلة تاريخياً. والد أحد منافسي ترامب كان مع قاتل جون كينيدي قبل إقدامه على ارتكاب جريمة الاغتيال الشهيرة... وصولاً إلى سيل لا ينقطع من المواقف اليومية. طبعاً تحصد الولايات المتحدة النسبة الكبرى من النماذج. غير أن المبدأ صار عاماً: في بولونيا أكد مسؤولون حكوميون أن رئيس بلادهم السابق، الذي قتل في حادث طائرة، اغتاله الروس! المسؤولون في سلطنة إردوغان جزموا قبل أسابيع بأن وكالة المخابرات المركزية هي من أعطت الأوامر لانقلابيي 15 تموز الماضي في بلادهم! الحملة البريطانية التي قادها فريق الخروج من الاتحاد الأوروبي رفعت تقارير عن أن "زمراً من الرعاع" ستجتاح بريطانيا من جهة تركيا، إذا استمرت لندن تابعة لبروكسل! إلى ما لا نهاية له من أمثلة صادمة، بقدر ما هي قد حصلت وقيلت وسجلت في إعلامنا فعلاً.
غير أن ما يلاحظه البحث، مسألتين لافتتين: أولاً، أنه منذ وجود الحياة السياسية، ومنذ تشكل مفهوم الشأن العام، كان الكذب موجوداً. وكان قائماً ومعروفاً وشائعاً، أن يعمد سياسي إلى تزوير حقيقة أو تشويه أخرى أو تلفيق ثالثة. كل هذا ليس بخبر جديد. الجديد اليوم، هو أن ثمة مذهباً جديداً كاملاً وقائماً بذاته، صار موجوداً في السياسة وفي تعاطي الشأن العام، فلسفته منبثقة من "ما بعد الحقيقة". أي من الكذب كهدف في حد ذاته. لا كمجرد وسيلة لتفادي بعض جوانب الحقيقة. صار الكذب خطاباً سياسياً مستقلاً. له أنماطه وأصوله وأدواته وقواعده. لم يعد عبارة اعتراضية في رواية ملطّفة عن حقيقة، أو بضعة أسطر مدسوسة ضمن عرض لوقائع صحيحة... باختصار، صار الكذب سياسة. وصار الكذبة والسياسيون في تماه جوهري.
المسألة الثانية اللافتة في البحث نفسه، هو أن ممارسة البروباغاندا الكاذبة، بشكل كلي وشمولي، كانت معروفة في الأنظمة الديكتاتورية. بينما الكذب الحاذق كان ميدانه الديمقراطيات. اليوم، صارت الديمقراطيات نفسها مجالاً رحباً وخصباً، لأدبيات الكذب الكامل والكذبة الكليانيين. يمكن لشخص مغمور مثلاً، أن يأتي من المجهول، بثروة مشبوهة، بسلوك مريب، بخطاب ملتبس، بأداء مطابق لمهرجي السيرك وألعبان الحبال، أن يتحول في فترة قياسية سياسياً مرموقاً ومسؤولاً ونجماً إعلامياً في ديمقراطية غربية عريقة... أو أقل غرابة أو غربة أو عراقة.
لا يسهب البحث البريطاني ولا يتعمق في محاولة معرفة أسباب هذا الوباء الديمقراطي الطارئ والقاتل. يلقي بعض مسؤولية على ثورة الإعلام التواصلي. وبعضاً آخر على مؤسسات الديمقراطية. لكن الأكيد أن المسألة أكثر عمقاً وجوهراً وبنيوية. الإعلام والأهواء والأمزجة وطبيعة تطور الأجيال وطرق نقل المعلومات وغيرها من العوامل ، كلها تبدو ثانوية. السبب الرئيسي يبدو مرتبطاً بعامل المال. قدرة المال على احتكار الحقيقة ووسائل نقلها من جهة، وعلى تكييف مصادرها من جهة أخرى، وعلى تطويع الفرد المفترض هدفاً لنشرها من جهة ثالثة، هو أصل الكارثة. المال السياسي، بما يتلازم معه من سياسات إفقار سياسية ممنهجة ومدروسة، ومن زبائنية سياسية دولتية ودولية عامة.
فلنتصور لبنان مثلاً: ما حصل في المحكمة الدولية. من بداية التحقيق حتى اليوم. من سأل عن إفادات، ثبت كذبها، لسياسيين ومسؤولين؟ ما حصل مع تزوير رئيس جمهورية سابق لجواز سفر أجنبي. من يصدق أن الشخص لا يعرف اسم مسقط رأسه وكيف لم يتنبه إلا بعد وقوع الفضيحة؟! ما حصل في النقل البحري للنفايات... ما يحصل كل يوم وساعة ولحظة. لم نعد ضحايا بعض الأكاذيب. صرنا رعايا في نظام الكذب الشمولي، المرعي بالمال والعنف والغرائز. في علم الأمراض النفسية الميتومانيا هي مرض الكذب. لا تكفي الكلمة لوصف حالنا المحلي والعالمي. قد يصح اشتقاق "الكذبوقراطية"!