في 2 أيلول الماضي، تقدّم الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين إلى مجلس شورى الدولة بمراجعة طعن في المرسوم الرقم 3791 الصادر بتاريخ 30/6/2016 الذي قضى بخفض الحد الأدنى الرسمي للأجر اليومي من 30,000 ل.ل. إلى 26,000 ل.ل.

المراجعة اقترنت بطلب وقف التنفيذ، الذي ينتظر أن يبته مجلس الشورى خلال أسبوعين من تاريخ إيداع جواب المستدعى ضده، أي الحكومة ممثلة بهيئة القضايا في وزارة العدل.
وكان المسار نحو إبطال المرسوم قد بدأ مع حملة اعتراضية نظمتها حركة «مواطنون ومواطنات في دولة» فور صدوره، عبر مقالات وندوات عدة أظهرت فيها عدم قانونيته وظلمه لأكثر فئات الأجراء هشاشة في المجتمع. كذلك نشرت "المفكرة القانونية" دراسة قانونية في الاتجاه نفسه. ومن مقر المفكرة، أعلن الاتحاد الوطني أمس أنّه قدم المراجعة بواسطة ممثلَيه، المحاميين نزار صاغية، العضو المؤسس للمفكّرة القانونية، ومديرها التنفيذي، وميراي نجم شكر لله، العضوة في «حركة مواطنون ومواطنات في دولة».

إن المرسوم المطعون فيه يُخالف الاتفاقيات الدولية والقانون اللبناني

تحديد الحد الأدنى عمل إلزامي

في الأسباب القانونية لإبطال المرسوم المطعون به، ترى المراجعة أن المرسوم 3791 تعتريه عيوب متعلقة بالإجراءات الجوهرية، إذ إن القانون 36 الصادر في 16/5/1967 (يرمي إلى إرساء توازن بين مختلف فئات الأجراء) فوّض الحكومة أمر تحديد الحد الأدنى للأجور وفق معايير نصت عليها المادة 6، فهذه العملية ليست قراراً استنسابياً متروكاً للحكومة، بل عمل إلزامي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمؤشر غلاء المعيشة التي تضعه إدارة الإحصاء المركزي، وعلى الحكومة أن تحدده مرة كل سنتين، ويجب أن يكون مبنياً على دراسات وجداول تقلبات أسعار كلفة المعيشة التي تضعها لجنة المؤشر.
إلاّ أنّ المرسوم المطعون به تجاوز هذه الإجراءات الجوهرية والإلزامية وقرر تعديل الحد الأدنى على نحو معاكس لزيادة نسبة مؤشر أسعار الاستهلاك التي بلغت 7% بين نهاية 2011 ومنتصف 2016 بحسب دراسات إدارة الاحصاء المركزي.

خطأ مادي مزعوم

المرسوم باطل أيضاً، كما تقول المراجعة، لعدم مشروعية الأسباب التي بني عليها، إذ تبرر الحكومة تخفيض الحد الأدنى للأجر اليومي بوجود خطأ مادي في الاحتساب الذي اعتمده المرسوم 7426 لعام 2012، فتزعم أن تحديد الحد الأدنى الرسمي للأجر اليومي بـ30,000 ل.ل. لا يتوافق مع أحكام المادة 2 من القانون الرقم 36/67 التي أوجبت ان يقسم الحد الأدنى الشهري إلى 26 يوماً، الا أنّ نص المادة 2 من القانون المذكور يذكر حرفياً عبارة «26 يوماً على الأكثر»، ما يعني أنّ المشترع وضع سقفاً لهذه القسمة. لذا فإنه لا يجوز قسمة الأجر الشهري بأكثر من 26، إلا أنّه لا شيء يمنع من قسمته بأقل من ذلك. وهذا ما فعله المرسوم الصادر سنة 2012، حيث قسم الحد الأدنى الشهري البالغ 675,000 ل.ل. وليس 865,000 ل.ل. كما كان قد اقترحه الوزير شربل نحاس وكما كان قد أقره مجلس الوزراء قبل مطالبة الاتحاد العمالي العام بتخفيضه، بـ23، آخذاً في الاعتبار أيام التعطيل المأجورة التي يستفيد منها الأجير الدائم. وتبين أن أيام العمل الفعلي للأجير الدائم بعد حسم هذه الأيام هي 276 يوماً في السنة، اي ما يعادل 23 يوم عمل فعليا في الشهر.

العمل اللائق والأجر الكافي

تقول المراجعة إنّ المرسوم المطعون فيه يخالف الاتفاقيات الدولية والقانون اللبناني، لجهة عدم جواز خفض الحد الادنى للأجور المنصوص عليه في المادة 2 من الاتفاقية 131 لمنظمة العمل الدولية، التي انضمّ اليها لبنان، كما يتعارض مع مبدأ العمل اللائق، المكرس في الاتفاقية 131 عينها، وفي الاتفاقية العربية الرقم 15 لعام 1983 بشأن تحديد وحماية الاجور، اضافة الى مبدأ العدالة الاجتماعية المنصوص عليه في هاتين الاتفاقيتين وفي الدستور اللبناني، كما يخالف أحكام المادة 44 من قانون العمل التي تنصّ على انّه يجب ان يكون الحد الأدنى الرسمي من الأجر كافياً ليسدّ حاجات الأجير الضرورية وحاجات عائلته».

ضرر بالغ

بحسب المراجعة، اتخذ المرسوم لغاية مخالفة تماماً لتلك التي وضع لها القانون، إذ لا يجوز أن تنصب الغاية الاساسية في مرسوم تحديد الحد الادنى للأجور إلا لمصلحة الأجراء ولتأمين الحماية الكافية لهم. إلا أنّه يتبيّن أن التعديل الوارد في المرسوم 3971 يتعارض تماماً مع هذه الغاية. فهو لم يصدر بهدف تصحيح خطأ مادي، بل جاء ليخفّف من أعباء بعض المؤسسات التي تستخدم، وفي غالب الأحيان خلافا للقانون وللممارسة الواقعية، عدداً هائلاً من الأجراء المياومين الخاضعين لقانون العمل، من خلال تخفيض الحد الأدنى اليومي لأجورهم بنسبة 13.3 %. وبذلك تكون السلطة قد انحرفت عن تحقيق النفع العام، إذ اتخذت قراراً مجحفاً بحق أجراء مياومين هم بأمس الحاجة الى حماية بفعل طبيعة عملهم غير المستقرة وهشاشة وضعهم الاقتصادي والاجتماعي، فبدل من ان ينصبّ جهد الحكومة على تحسين وضعهم المعيشي وتأمين الحماية القصوى لهم، جاء لينتقص من حقوقهم ويلحق بهم ضررا بالغا.