أثارت حصيلة الهندسات المالية التي نفّذها مصرف لبنان تساؤلات واسعة عن الأهداف وراءها، بعدما أعلن حاكم المصرف رياض سلامة أنها صُمّمت لتدعيم ميزانيات المصارف. وكان الظن أن هذه الهندسات صُمِّمت حصراً لاستقطاب الدولارات لتدعيم احتياطات "المركزي" بالعملات الأجنبية المستنزفة على مدى السنتين الماضيتين. إلا أن حصيلتها كشفت المستور. إذ جَمَعَ المصرف 7 مليارات دولار، فيما حقّقت المصارف أرباحاً تجاوزت ملياري دولار، ما أتاح لها تطبيق المعيار الدولي IFRS9 من دون أن تستعمل أي قرش من رؤوس أموالها أو أرباحها السنوية، وترك بين أيديها سيولة بالليرة تتجاوز 11 ألف مليار ليرة، الأمر الذي طرح تساؤلات عدة: هل كانت هناك حاجة فعليّة لجمع 7 مليارات دولار لإعادة تكوين احتياطات "المركزي"؟ وهل كانت الأرباح الفورية للمصارف بقيمة ملياري دولار (تفوق أرباحها السنوية) خياراً وحيداً وضرورياً لتحقيق أهداف المصرف من هذه الهندسات؟ وكيف تفاعلت المصارف مع وجود هذه السيولة الهائلة بين يديها؟ وهل يتطلب تعقيم هذه السيولة امتصاصها؟ أليست عملية الامتصاص هي استدانة تزيد الدين العام وكلفته؟
تنفيذ الهندسات هدّد تحضيرات وزارة المال لإصدار «يوروبوندز» أمام مخاطر الفشل


أعباء السيولة

ما بات معروفاً عن هذه الهندسات أن مصرف لبنان اشترى من المصارف سندات خزينة بالليرة بسعر إصدارها ودفع للمصارف، فوراً، نصف قيمة الأرباح التي كانت ستجنيها من السندات على مدى السنوات المقبلة، في مقابل مهمة واحدة: أن تقوم المصارف باستقطاب الدولارات من الخارج، سواء من فروعها الخارجية أو من مودعين جدد أو من زبائن جدد، وأن تستعملها حصراً في شراء سندات "يوروبوندز" (سندات دين بالدولار يحملها مصرف لبنان في محفظته) أو الاكتتاب بشهادات إيداع يصدرها "المركزي" خصيصاً بهدف امتصاص الدولارات.
تركت هذه العمليات تداعيات مُربكة جداً، إذ إن المبالغ التي حصلت عليها المصارف نتيجة بيع سندات الخزينة تجاوزت 11 ألف مليار ليرة، ما عدا الأرباح التي فرض "المركزي" وضعها مؤونات في رأس المال واستعمالها لتطبيق المعيار الدولي IFRS9. والمشكلة أن هذه المبالغ بالليرة اللبنانية، أي لا إمكانية لتوظيفها في الخارج. وازداد الأمر تعقيداً بعدما تبيّن أن القطاع الخاص "يختنق" بالديون مع بلوغ نسبة ديونه للمصارف 106% من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية 2015. وبالتالي، إن وجود هذا المبلغ في السوق لم يساعد على تعزيز الإقراض بالليرة، بل تحوّل إلى أزمة تعقيم سيولة.
إزاء ذلك، لجأ مصرف لبنان إلى وزارة المال طلباً لإصدار سندات خزينة بالليرة اللبنانية لامتصاص هذه السيولة. الطلب كان شفهياً، وتعاملت معه الوزارة ببرود لاعتبارين: الأول أن تنفيذ هذه الهندسات جاء متزامناً مع تحضيرات تقوم بها الوزارة لإصدار سندات «يوروبوندز»، أي سندات بالدولار، وبالتالي إن الهندسات سبقت الإصدار في استقطاب الدولارات وأدّت إلى تجفيف السوق من العملة الخضراء ووضعت الإصدار أمام مخاطر الفشل. والثاني يتعلق بحاجة الخزينة لإصدار سندات خزينة بالليرة اللبنانية.
وبحسب مصادر في الوزارة، إن التعامل يجري مع هذا الملف على قاعدة "عدم الاستعجال" من أجل درس الحاجات المستقبلية للخزينة. وهذا يعني أن أي إصدار لسندات الخزينة بالليرة لا يجب أن يكون تحت ضغط امتصاص السيولة المصرفية، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار أيضاً حاجات الدولة وأسعار الفوائد وغيرها. وتقول المصادر إن وزارة المال تسعى إلى خفض كلفة الاستدانة، أي خفض أسعار الفوائد، فيما المصارف تضغط لزيادة الفوائد، رغم أنها حققت أرباحاً طائلة وفورية بقيمة تزيد على ملياري دولار من هندسات مصرف لبنان. ومن الاعتبارات أيضاً، أن الأموال التي ستحصل عليها وزارة المال من إصدار كهذا، ستغذي سيولتها بالليرة علماً بأن حسابها لدى مصرف لبنان يسجّل فائضاً.
في ظل هذا المشهد، بدا "المركزي" مربكاً في التعامل مع تداعيات هندساته. لذا، يُعتقد أن الأمر سينتهي إلى تسوية بينه وبين الوزارة تقضي بأن تصدر الأخيرة سندات على قدر حاجتها، بما يوفّر لها مبالغ بإمكانها «هضمها»، فيما يعمل المصرف على إصدار شهادات إيداع لامتصاص المبلغ الباقي من السيولة الناجمة عن الهندسات المالية.

حاجات فارغة

في ضوء هذه المعطيات، أثيرت أيضاً تساؤلات عن الحاجة الفعلية لجمع مصرف لبنان سبعة مليارات دولار. فالخبراء لا يجدون مقياساً واضحاً للحدّ الأدنى من حاجات المصرف للعملات الأجنبية في ميزانيته، إلا أن بعض وكالات التصنيف العالمية تقارنها بحجم العجز التجاري (يبلغ العجز في لبنان 15 مليار دولار، اي بمعدل 1.25 مليار دولار شهرياً). في حزيران 2015 كانت هذه الاحتياطات تبلغ 34 مليار دولار، ثم انخفضت إلى 33 ملياراً في حزيران 2016، أي إنها كانت تغطي نحو 26 شهراً من العجز التجاري. ورغم ذلك، عمد "المركزي" إلى زيادة هذه الموجودات بأكثر من سبعة مليارات دولار لتفوق 41 ملياراً، أي ما يوازي 32 شهراً من العجز التجاري. هذه الزيادة في الاحتياطات لم تغير في المشهد النقدي والمالي، بل زادت من "العنف" الذي مارسته المصارف لاستقطاب السيولة بالدولار وتوظيفها مع مصرف لبنان لاستيلاد أرباح أكبر. وبحسب المعطيات المتداولة، بدأت المصارف تقدّم عروضاً لكبار الزبائن لاستقطاب ودائعهم بالدولار. فأحد المصارف الكبرى يعرض على الزبائن، مقابل استقطاب حساباتهم بالدولار، فوائد خيالية تصل إلى 15% تدفع بالليرة اللبنانية فائدة فورية، و5% بالدولار في نهاية فترة الإيداع (التجميد).
إزاء هذا الوضع، اعترض أحد المصرفيين أمام سلامة، لأن زبائنه يقفلون حساباتهم وينقلونها إلى المصارف التي تقدم عروضاً أعلى، وبالتالي هذا الأمر لا يحقق الهدف من الهندسات المنفذة التي كانت تستهدف استقطاب أموال طازجة وليس الأموال التي كانت أصلاً ضمن القطاع المصرفي.

هل هناك حاجة فعليّة لجمع 7 مليارات دولار لتعزيز احتياطات مصرف لبنان؟

هدايا بالجملة

أما الرابح الأكبر من هذه الهندسات، فهو المصارف. إذ لم يتبين وجود مبررات لجمع كل هذه الأموال سوى تحقيق مصلحتها. إذ حققت أرباحاً تزيد على ملياري دولار، وستحقق أرباحاً إضافية من عمليات تعقيم السيولة بالليرة وامتصاصها من خلال سندات خزينة وشهادات إيداع مصرف لبنان. ولن تقلّ أرباحها السنوية من توظيف هذا المبلغ عن 700 مليار ليرة.
المصارف تعاملت مع هذه الهندسات، منذ يومها الأول، على أنها مكسب كبير لا يتكرّر دائماً، فاعترضت على التعميم الذي أصدره المجلس المركزي لمصرف لبنان والقاضي بوضع الأرباح الناتجة من الهندسات الأخيرة ضمن رأس المال لتطبيق شروط المعيار الدولي IFRS9 على أن يُحرَّر الباقي من الأرباح بعد التطبيق.
وهذا المعيار يتطلب من المصارف أن تكوّن مؤونات كبيرة على محفظة تسليفاتها تبعاً لمخاطر معينة، وبالتالي يتطلب من المصارف أن تقتطع جزءاً مهماً من رؤوس أموالها أو من أرباحها لتكوين هذه المؤونات، ولدى المصارف مهلة لتطبيقه حتى نهاية 2018.
ما تبيّن هو أن المصارف لم تكن مستعجلة لتطبيق هذا المعيار الدولي، بل كانت تبحث عن الأرباح. لذا، طالبت بتحرير نصف الأرباح وليس الباقي منها بعد تطبيق المعيار الدولي. إلا أن اللافت هو ما قام به مصرف لبنان لجهة فرض تطبيق المعيار الدولي مباشرة، بحيث ألغى المهلة الممنوحة للمصارف حتى نهاية 2018 لتطبيق هذا المعيار الدولي.
مطلب المصارف فضح هندسات مصرف لبنان، إذ إن الدراسة الأولية التي أجرتها لجنة الرقابة على المصارف بشأن تطبيق هذا المعيار الدولي، أفضت إلى خلاصة أنه يمكن تطبيق المعيار الدولي من خلال اقتطاع المبالغ المطلوبة من رأس المال. التقديرات كانت تشير إلى أن المصارف ستقتطع أكثر من ملياري دولار من رؤوس أموالها لتلبية هذا المعيار الدولي، إلا أنها رفضت التطبيق وفقاً لهذه الآلية، متذرعة بأن هذا الأمر سيخرّب علاقتها بالمساهمين الذين ينتظرون أن توزّع عليهم الأرباح في نهاية السنة. لكن المفارقة أن المصارف نفسها حين طالبت بتوزيع نصف الأرباح الناتجة من الهندسات، كانت ترى أن مهلة تطبيق المعيار الدولي معقولة نسبياً!
إذاً، هديّة مصرف لبنان للمصارف لا تقتصر على أرباح بقيمة ملياري دولار، بل هي عبارة عن هدايا بالجملة تتضمن تطبيق المعيار الدولي وامتصاص السيولة... والخير لقدام.