برغم الأسباب الكثيرة التي يعدّدها أصدقاء وأعداء رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، وراء إصداره قرارا رئاسيا بتشكيل المحكمة الدستوريّة العليا الأولى في فلسطين، في الثالث من نيسان الماضي، فإن مهمة هذه المحكمة لن تختلف عن محكمة العدل العليا، وهي إلباس القرارات السياسية للسلطة التنفيذية الغطاء القانوني اللازم. يكفي مثلاً النظر إلى قضية قرار «العدل العليا» وقف إجراء الانتخابات البلدية في مناطق السلطة، قبل نحو أسبوع، بناء على دعوى قدمتها نقابة المحامين على اعتبار أن «المحاكم والقضاء في قطاع غزة غير معترف بهما وغير شرعيين».

ويوم غد، ستعقد تلك المحكمة جلسة لتحسم فيها إجراء الانتخابات من عدمه، ولكن الأمر لا يبدو فعلا بصورته القانونية، برغم أن «العدل العليا» بررت قرارها بالنظر في دعوى النقابة التي لا يخفى أن تحركها نابع من توجه سياسي، فضلا عن أنه جاء بعد قرارات لمحاكم في غزة بإسقاط سبع قوائم رفضتها «لجنة الانتخابات المركزية»، المخولة بتنظيم التسجيل والاقتراع، فيما على المحاكم الابتدائية والقوى الأمنية، في المناطق الحاكمة لها، متابعة الإشراف والحسم في الطعون المقدمة.
وبما أن غزة تقع عملياً تحت حكم «حماس»، ونظرياً تحت إشراف حكومة «التوافق»، فإن المشكلة سياسية في الأصل، وخاصة أن تاريخ السلطة «حافلٌ» باحترام القضاء أو اعتبار السلطة القضائية مرجعية فاصلة في قرارتها التي تمس المشروع الوطني أو القضايا المعيشية. فماذا وراء وقف الانتخابات؟ ولماذا جاء اعتراض حركة «حماس» مباشرا وسريعا؟

اُقترح إجراء الانتخابات في الضفة كمرحلة أولى من دون التزامن مع غزة

في بداية الحديث عن المصالحة، التي أعاقت الحرب الأخيرة (2014) سيرها وفق مكاسب ومخاسر كل من عباس و«حماس»، كان التوجه صوب «معالجة المشكلة من رأسها»، كما يقول مسؤول فلسطيني مطلع على الملف، وذلك عبر إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية تحسم الجدل حول الشرعية، وتعطي «ردّا لا لبس فيه على الاختيار الشعبي بين مشروع عباس، أو مشروع المقاومة بكل ما للأخير من حسنات أو ما عليه من ملاحظات».
لكنّ السقوط في هذا الاختبار يعني لأي طرف نهاية مشواره السياسي، أو على الأقل، انقلابه على النتائج وسيطرته بالأمر الواقع، وهو سيناريو لا تتخوف منه رام الله فحسب، بل ما تسمى الآن «الرباعية العربية» المشكّلة من الأردن ومصر والسعودية والإمارات، التي لكل منها حسابه الخاص مع «حماس». لذلك تراجع «أبو مازن» عن سيناريو البدء من النهاية، وذهب إلى الانتخابات البلدية كطريق لجسّ النبض. يضيف المصدر نفسه: «مهما تكن نتيجة الانتخابات المحلية، ولو خسر عباس (قوائم «فتح») نصف البلديات، فإنه على الأقل لن يغامر بمصطلح الشرعية الذي يتغنى به ليل نهار... على عكس خسارته في الرئاسة أو التشريعي (البرلمان)».
فعلاً، سار المخطط كما أراد رئيس السلطة، ووافقت «حماس» بسهولة على إجراء الانتخابات لأسباب عدة، أهمها المحافظة على تماسك الحركة وإعادة ترتيب أوراقها في الضفة، ولكنّ أياً من الاثنين لم يكلف خاطره الحديث، فضلا عن الإصرار، على مشاركة المقدسيين في هذه الانتخابات (راجع العدد ٢٩٦٧ في ٢٤ آب). وفيما كانت الحركتان تعدّان قوائمها، وباقي الأطراف الفلسطينية تعلن مواقف للمشاركة أو للرفض، ظهرت أمام عباس مشكلتان لم تكونا بالحسبان.
المشكلة الأولى نبعت من قرارات عباس طوال السنوات الماضية (بدءا من عام الانقسام الداخلي 2007) برفض التعامل مع غزة على أنه كيان شرعي، ما أثّر في عمل الشركات والبنوك والنقابات المهنية، التي تضررت مصالحها الكبيرة في القطاع. من جملة تلك القرارات وقف جباية ضريبة القيمة المضافة في غزة، وغياب المؤسسات الرسمية «الشرعية» التي يمكن التعامل معها مباشرة بدلا من البريد المكلف والمتأخر، وأيضا مركزية العمل والقرارات، وهلمّ جر من تبعات متتالية. لكن تلك الجهات وجدت في موافقة السلطة على أن تكون أجهزة «حماس» الأمنية ومحاكمها جهة مشرفة على الانتخابات، فرصة لإعادة الطلب بالتواصل مع «غزة شرعية» وتسيير مصالح تعود عليها بالأموال، وهو ما لم يحدث بصورة كلية، لكنه بدأ يتنامى إلى مسامع عبّاس ومن حوله.
أما المشكلة الثانية، فتتمثل في القيادي المفصول من «فتح» محمد دحلان، والمطلوب للقضاء الفلسطيني وفق تعريف عباس. فدحلان، الساعي إلى إيجاد منافذ مباشرة وسهلة في كل من غزة والضفة عبر «العمل الخيري والاجتماعي»، لن يدخر جهداً في استغلال الانتخابات كمنفذ للعودة السياسية وبصورة شرعية ورسمية. وهو لم يعمل وفق ما تمنى عباس، أي لم يشكل قوائم أخرى تهدد بإضعاف «فتح» الأمر الذي سيمهد لعباس صدّ الضغوط الإقليمية (الرباعية العربية) تحت حجّة أن دحلان «يخرّب البيت الداخلي للحركة».
وبتوصية إماراتية ومصرية على وجه التحديد، عمل الأخير «بقليل من الذكاء» وأعلن أنه سيشارك في القوائم الرسمية، ما تسبّب في نزع ذلك الاحتجاج من عباس وحصره في خانة القبول بدحلان مجدداً، إلى حدّ الحديث عن «صفقة مفروضة» على «أبو مازن» تفضي في أحد بنودها على الحفاظ على المصالح التجارية له ولأولاده من بعد رحيله (راجع العدد ٢٩٧٥ في ٢ أيلول).
ثمة عامل آخر دفع عباس إلى الخوف وقبول التأجيل ــ على الأقل ــ هو النسب المتوقعة للعزوف الشعبي عن التصويت بدلا من فكرة معاقبة التنظيمات عبر صندوق الانتخابات نفسه، ما يعني أن كتلة كبيرة من «المحايدين» أو الرافضين لسلوك كل من «حماس» و«فتح» سوف تخلي المجال لتصويت «الكتلة المؤطّرة».
بعبارة أخرى: سيدخل كل تنظيم بنقاط قوته وضعفه إلى الانتخابات البلدية، وتتضح القوة الحقيقية لكل منهما في الضفة أو غزة، علما بأن «فتح» تحديداً ظهرت كالعادة أضعف من «حماس» على الصعيد الداخلي، ويتبين ذلك ببساطة من المقارنة بين حركة تجري انتخاباتها الداخلية بانتظام، وحركة تدعو قياداتها إلى تصويت عناصرهم وعائلاتهم لها جبرا أو «بالصرماية»، وهو ما أضعف الدعاية الانتخابية للأخيرة.
أما اعتراض «حماس» المباشر، فنابع من ألا تسجل موقف الخائف، كما تقول مصادر في الحركة، لأن قبول التأجيل يعني أنها كانت محصورة في قرارها وجاء ما ينفّس عنها، فضلا عن أنها نقطة أخرى تُسجّل على عباس، علما بأن شخصيات من «لجنة الانتخابات» قابلت قادة في الحركة في العاصمة القطرية الدوحة لإطلاعهم على قرار المحكمة والسيناريوات المتوقعة.
في المقابل، تعالت الأصوات الداخلية في «فتح»، وبجانبها عواصم عربية، للتأكيد على رئيس السلطة، ألا يخوض الانتخابات من دون أن يطمئن إلى قوة «فتح»، وإلا فإنه مخيّر تحت فكرة «عدم شرعيّة غزة»، بإجراء الانتخابات في الضفة كمرحلة أولى، ثم النظر في وضع القطاع، والمسار الثاني هو العودة إلى فكرة الانتخابات التشريعية والرئاسية أولا مع إمكانية إجراء تعديل وزاري في «التوافق» قبل ذلك.
على الأقل، فإن المستفيد الوحيد من هذه الجولة (سيعرف مصيرها غداً)، هو «لجنة الانتخابات المركزية» التي حدّثت سجّلها بعد أعوام من التعطّل، واستفادت من التمويل الدولي، وخاصة أن هذا التمويل لن تحصل عليه اللجنة ــ أو السلطة ــ اذا لم يتقرر إجراء الانتخابات.