لا بد من الاعتراف بأن قدراً ملحوظاً من الإثارة يعتريك وأنت تقرأ رسائل هيلاري كلينتون الإلكترونية. مجرد الإحساس بانتقالك الفوري، من دون انتقال، إلى موقع السرية ذاك. إلى دور اللصوصية والتلصص. مجرد أن تخرق خصوصية الكلمات. ولو من دون كبير أسرار ولا خطير ألغاز. يكفي أن تحس بعينيك مكان العينين اللتين أرادتا أن تكونا وحيدتين قبالة تلك الأحرف. وأن تحس بأصابعك تحرك فأرة حرص صاحبها على أن تكون حكر أنامله وحصر محاوره ... كل ذلك يشدّك إلى قراءة لا تنتهي.

ثم هناك عاملان آخران: أولاً، شخص المرأة المعنية بالرسائل المسربة. إنها هيلاري رودهام كلينتون. كما تحرص هي على تسمية نفسها باسمها الثلاثي، تعبيراً عن عراقتها. وهي نفسها التي تكتفي في رسائلها، باختصار توقيعها إلى حرف واحد، "هـ"، في إشارة إلى تمركز عناصر القوة في شخصيتها، ولو في حرف. ولو في أول الاسم. في هذه الثنائية الازدواجية، ما يكفي من دلالات الجذب إلى تلك الشخصية. أن تكون الاختصار والامتداد معاً. وهي من هي، على المسرح السياسي الأميركي، منذ أكثر من عقدين. خصوصاً على شاشة الحدث الدولي. سيدة للبيت الأبيض طيلة ولايتين، وعضو كونغرس. ووزيرة خارجية. والآن، وهنا الامتداد الأبرز لحضور حروفها في إثارتك، الآن مرشحة لأن تكون "سيد" البيت الأبيض، والأولى في تاريخه.
ثم هناك عامل آخر، هو آنية الأحداث التي تسكن تلك الرسائل. الربيع العربي. أحداث منطقة لا تتعب من الأحداث ولا ترتاح. انفجارات دول محيطة بنا، نعرفها، نشاهدها ونشهد على تطوراتها. كل ذلك يعود إليك حياً حتى ثلاثية الأبعاد، وأنت مسمّر إلى شاشة تلك التسريبات الأسانجية... فكيف إذا كان الكنز أكثر من ثلاثين ألف رسالة هيلارية! ثمة بحر أو محيط يصلح لأزمنة من الأبحاث. سوريا مصر ليبيا، خصوصاً ليبيا، فضلاً عن كل الخليج وتركيا والعالم ... لكن سرعان ما تتسلل إلى لبنان. هنا ثمة الكثير لتستنتجه وتستخلصه، عن السيدة ولبنان، وخصوصاً عن إدارتها وهذا البلد.
في الرسائل اللبنانية للمرشحة الديمقراطية، يبدو كلامها الشخصي قليلاً جداً. كأنها لا تعرف بيروت جيداً. غريبة هي عن زواريبنا وتعقيداتنا وتشابك سياساتنا ونظامنا. حتى أنها استعانت بتقرير مفصل ومسهب، يشرح لها ما هو اتفاق الطائف.
التقرير مؤرخ في 6 آذار 2012. يبدأ باختصار "وثيقة الوفاق الوطني" التاريخية، بأنها "جوهرياً حافظت على النظام الطائفي للسياسة اللبنانية كما وضع في الميثاق الوطني سنة 1943. لكنها نقلت السلطة بنيوياً من الموارنة المسيحيين إلى المسلمين، كتعبير عن الحقائق الديمغرافية والواقعية الجديدة"!. ويشرح التقرير لناظرة السياسة الأميركية يومها، بأن الطائف كان تعبيراً عن المأزق الذي وصل إليه المتحاربون اللبنانيون بعد 14 عاماً من العنف و150 ألف قتيل. قبل أن يختم، وهو ما يبدو تقليداً في الفهم الأميركي لاتفاق الطائف منذ إقراره، بأنه "اختار أن يصدق على الوجود العسكري السوري في لبنان، لضمان الاستقرار (...) لقد أفاد من مناخ دولي مؤات، حيث رأى مختلف اللاعبين الخارجيين، لأسباب مختلفة، مصلحة لهم في إنهاء العنف وتأكيد الوجود العسكري السوري"!.
عِبَر لبنانية أخرى، تمر كرسائل مشفرة في رسائل هيلاري اللبنانية. منها الأمثلة التالية: ما الذي يهم واشنطن من حكومة بيروت؟ عند تشكيل حكومة سعد الحريري بعد انتخابات 2009، كتب جفري فلتمان إلى وزيرته يشرح لها بما قل ودل فعلاً، أن الرجل شكّل حكومته. إنها موزعة بين 15 وزيراً لفريق 14 آذار و10 لفريق الثامن منه وخمسة وزراء لميشال سليمان. وكي يسهل على السيدة الفهم، يذهب جيف مباشرة إلى الجوهر: "الحقائب التي تهمنا غالباً، الدفاع (مساعداتنا للجيش)، الداخلية (مساعداتنا لقوى الأمن والانتخابات البلدية)، العدل (محكمة الحريري) المالية (حق الفيتو على أي شيء نظراً إلى التعقيدات المالية) كلها مع 14 آذار او مع الرئيس. هذا جيد. الخارجية مع رجل جديد من كتلة نبيه بري"!
مثل آخر، بعد اغتيال وسام الحسن بساعات، كتب فلتمان إلى وزيرته: "أنا متأكد أنكم تعرفون كلكم من هو وسام الحسن وما كان يمثل (...) أعتقد أن السماء تقع في بيروت". اللافت في الرسائل التي رافقت هذا الحدث أن واشنطن كانت متأكدة من استقالة حكومة ميقاتي يومها. حتى أنها طلبت من دبلوماسييها في بيروت الاتصال بالجميع هنا، لحثهم على الحفاظ على الاستقرار في فترة الشغور الحكومي. ما الذي حصل يومها حتى صمدت الحكومة؟ جواب لا يظهر في الرسائل.
صبيحة تشييع وسام الحسن وسط بيروت، ظهرت في التقارير الواردة إلى هيلاري نقطتان لافتتان، لمن يهوى نظرية المؤامرة: الأولى تأكيد أحد مساعديها أن المشيّعين سيكونون بمئات الآلاف! أما النقطة الثانية فإشارة غريبة إلى أن مكان التشييع، سيكون ساحة الشهداء وسط بيروت، "قرب السرايا الكبيرة، الواقعة مباشرة غرب الساحة". كان ذلك قبل ساعات قليلة من محاولة الدخول الشهيرة إلى مقر رئاسة الحكومة يومها!
جفري فلتمان من جهته، ظل يكتب عن خطر حزب الله. مسهباً في الحديث عن مخاطر نقل الصواريخ الباليستية من سوريا إليه، في ظل الحرب الدائرة هناك. حتى أثار الأمر أحد مساعدي هيلاري، فكتب لها يشرح غباء أفكار جيف. قبل أن يختم قائلاً لها: "لماذا لا يزال مساعداً لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى؟ ألا نحتاج إلى سفير جديد في إيسلندا؟!".