12 فيلماً ألمانياً حديثاً تجلبها الدورة الثالثة من «أسبوع الفيلم الألماني» الذي ينطلق اليوم في «متروبوليس أمبير صوفيل» في بيروت. الحدث الذي استقطب أكثر من 5000 متفرّج في دورتيه السابقتين، ينتقي عناوين جالت مهرجانات محليّة ودولية رفيعة، منها «كان» و«برلين» الفائتين. يفتح العدسة على ألمانيا النازية، وصولاً إلى «الآن وهنا».

الافتتاح سيكون بجديد الألمانية مارين أديه (1976) «توني إردمان» (الليلة ـ س:20:00) الذي نافس في «مهرجان كان» الأخير كأول شريط ألماني يفعلها منذ Palermo Shooting لفيم فيندرز عام 2008. الإجماع النقدي والجماهيري لم يأخذ بيده إلى السعفة، التي خطفها كين لوتش عن «أنا، دانيال بلايك»، ليخرج ثالث أفلام أديه بجائزة الـ «فيبرسكي» (جائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما) وبكثير من المديح. الحكاية عادية: أب (بيتر سيمونيشك) يسعى لإعادة العلاقة مع ابنته الوحيدة (ساندرا هولر). هو مدرّس بيانو متقاعد في ضواحي ألمانيا، وهي مستشارة شركة عابرة للقارات في بوخارست. هو مطلّق، وحيد. هي غارقة في العمل والاجتماعات وإرضاء رؤسائها. في عطلة الأسبوع، يظهر الأب في حياتها بشكل مفاجئ، فلا يحصل سوى على التجاهل والرفض. اللقاء الكارثي ليس سوى بداية الأطوار التي يمرّ بها الفيلم طوال 162 دقيقة. سيناريو أديه يأخذ وقته في التأسيس وإشباع الشخصيات خلال تحوّلاتها (يوميات رتيبة، النفور في اللقاء الأول، التفاعل والاشتباك، التطهير والانفجار العاطفي). ذكاء مبهر في المواقف والحوارات. انتقال سلس من كوميديا القهقهة والصراخ، إلى تراجيديا الاكتئاب والأسئلة الكبيرة. الشخصية الألمانية ليست جافة وباردة كما اعتادها المرء، خصوصاً في كليشيهات هوليوود. أسلوبية التصوير الحميمية آتية من الموجة الجديدة في رومانيا نفسها (عرفناها في أفلام كريستيان مونجيو، وكريستي بويو، وكونيليو بارمبوي، وكاتالين ميتشاليسكو، وكريستيان نيميسكو...). كل ذلك يجعل «توني إردمان» أكثر من مجرّد فيلم عائلي بسيط. هنا، تنتقل مارين أديه من تيمة «الانفصال» بين حبيبين في شريطها السابق «كل شخص آخر» (2009)، إلى «الالتقاء مجدداً» و«الفرصة الثانية». تسجّل تطوّراً ملحوظاً في الاشتغال على العلاقات المعقدة، وإغنائها بالطرافة والمفارقات الحادة. بين الفيلمين سبع سنوات، أمضتها أديه في الإنتاج لميغيل غوميز وغيره. «توني إردمان» اسم مستعار للبطل المضاد الذي يصرّ على اقتحام حياة ابنته. يتنكّر بأسنان صناعية، ليشتبك معها في كلّ الأمكنة والحالات. يجبرها على الالتفات إليه، والتفكير في القاع المأساوي الذي بلغته دون أن تشعر: استغراق آلي في العمل. وحدة قاتلة. خسارة القدرة على عيش اللحظة والشعور بالسعادة. في المقابل، هو ليس أقل اكتئاباً منها. شعوره بالخذلان واللاجدوى يتعاظم مع الوقت. هكذا، يصل الاثنان في الساعة الأخيرة إلى التطهير والانفجار العاطفي. يكشف الفيلم عن مكنوناته الثمينة. يعرّي الحياة الحديثة. يسبر واقع المرأة العاملة في الشركات الكبيرة. يخوض في معنى الأبوّة والعائلة. إنّها حيوات مجوّفة مسروقة. تتدلّى عن الحافة، حتى لو بدت عكس ذلك.
في عام 2003، قدّم وولفغانغ بيكر (1954) فيلمه الناجح «وداعاً لينين!»، مع دانيال برول في البطولة. هو العام نفسه الذي صدرت فيه رواية دانيال كيلمان الشهيرة «أنا وكامينسكي»، عن كاتب سير ذاتية يرافق تشكيلياً شهيراً بهدف الكتابة عنه. الصحافي سباستيان زولر يتمنّى موت مانويل كامينسكي قريباً، لبيع ما كتبه مقابل ثروة. بعد 12 عاماً، يجتمع بيكر مع برول مجدداً لأفلمة اقتباس (23/9 ـــ س:20:00) عن الرواية، بعدما قامت آنا ماريا كراسنغ بتقديمها على المسرح عام 2008. يصل زولر إلى معقل كامينسكي الريفي، ليصطدم بعالم هذا الأخير والمحيطين به. ثمّة اشتغال على تشابك العلاقات، وكوميديا المواقف، للدخول إلى عالمي البطلين: كتابة السير الذاتية والتشكيل. المهنة الأولى اشتبكت مع السياسة سابقاً، في أعمال مثل «الكاتب الشبح» (2010) لبولانسكي أو ابتداءً من الموسم الثالث من مسلسل House of Cards، إلا أنّ اللقاء هنا طازج ومثير للاهتمام. من المفيد ذكر أنّ أحد مولّفي الفيلم بيتر ر. آدم، الذي رشّح عنه لجائزة أفضل مونتاج في حفل توزيع «جوائز السينما الألمانية ٢٠١٦»، سيكون في بيروت لتقديم العرض.

عرض خمسة أفلام لراينر فيرنر فاسبيندر بعد ترميمها رقمياً __

في «13 دقيقة» أو «إلزير» (2015 ــ 28/9 ــ س: 20:00) لأوليفر هيرشبيغل، يعود صاحب تحفة «السقوط» (2004) إلى براعته في نقل الحقبة النازية. السينمائي الألماني (1957) يجد طريقه إلى الديار بعد تنويعات متفاوتة، كالخيال العلمي والفضائيين في «الغزو» (2007)، والتشويق في «خمس دقائق في الجنّة» (2009)، وغير الناجح «ديانا» (2013) عن آخر عامين في حياة الأميرة الراحلة. جورج إلزير (1903 – 1945) شاب ألماني هادئ. هو حالم مثالي، يهوى النساء والموسيقى والفرح، ولا ينتمي لأيّ حزب. لا شيء مميّزاً بشأنه سوى ما حاول فعله عام 1939: اغتيال أدولف هتلر شخصياً. مع صعود «حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني» المعروف بـ «الحزب النازي»، يدرك إلزير (يلعبه كريستيان فريدل ببراعة) هول الكارثة المقبلة. يرى العالم يتداعى أمام عينيه: دكتاتورية بشعة. قمع متزايد. عنصرية ضدّ اليهود والشيوعيين. تصنيع دبابات وأسلحة بشكل غير مسبوق. هكذا، ينقلب جورج على نفسه، مفضّلاً خيار العنف. لا بدّ من تفجير الرأس مباشرةً قبل فوات الأوان. في المشهد الأول، يتمّ التفخيخ. كان يفترض أن يرحل الفوهرر إثر انفجار الديناميت، إلا أنّه غادر قبل 13 دقيقة من الانفجار. يُلقَى القبض على الفاعل عند الحدود السويسرية، لينقسم السرد إلى زمنين: قبل وبعد. رغم خياره النبيل، إلا أنّ إلزير لم ينجُ من العطب الجمعي. وجد الحل في العنف بعدما كان يرى أنّ «العنف لا يمكن أن يحقق شيئاً». صار قاتلاً بعدما قضى سبعة مدنيين جرّاء العملية. لا عجب أنّه وجد نوعاً من الخلاص لدى إعدامه في معتقل داشاو الرهيب. إعادة الاعتبار لجورج كرمز مقاوم، بدأ مع وضع صورته على طابع بريدي عام 2003. هيرشبيغل يتوّج التكريم. يريد القول إنّ الألمان لم ينحدروا جميعاً في ذلك الوقت. يسير على خطى «فالكيري» (2008) لبريان سينغر، إذ ينجو هتلر بأعجوبة مجدداً. سؤال الصمت ما زال يحفر في الوجدان الألماني حتى اليوم. طرحه ستيفان دالدري بحدّة في «القارئ» (2008).
الألمانية النشيطة دوريس دورّي (1955) حطّت في البرليناله الأخير بجديدها «فوكوشيما، حبّي» (1/10 ـــ س:20:00) ظافرةً بجائزتين. إثر الكارثة النووية، تسافر المتطوّعة الألمانية «ماري» (روزالي توماس) إلى فوكوشيما اليابانية مع منظمة إنسانية، للترفيه عن المتضرّرين ورفع معنوياتهم. دورّي تقترح معالجة طريفة ومنعشة لكارثة بهذا الحجم، على اعتبار أنّه حتى الضحايا بحاجة إلى عطلة من المعاناة والانكسار. قد لا يجد بعضهم ذلك مريحاً بطبيعة الحال. على خطى شريطها «أزهار الكرز» (2008)، الذي يرافق رحّالة ألمانية تحاول التغلّب على خساراتها الشخصية بتشرّب ثقافة أخرى، تذهب ماري إلى أرض ما بعد القيامة. تختلط بالمسنّين الذين يدركون معنى الذاكرة أكثر من سواهم. تختبر الانتقال بين الواقع والفانتازيا، وبين الأحياء والأشباح، ضمن الأبيض والأسود كحل سينماتوغرافي. هذا ليس الفيلم الأول لدوريس دورّي في «بلاد الشمس المشرقة»، التي جالتها مراراً. سبقته عناوين مثل «التنوير مضمون» (1999) و«الصيّاد وزوجته» (2005). بذلك، قد تكون أكثر فهماً للمجتمع الياباني من سينمائيين أجانب جرّبوا تحليله، مثل المعلّم الإيراني الراحل عباس كيارستمي في «مثل عاشق» (2012). في «Wild البرية» (2/10 ــ س:20:00) للممثلة والمخرجة نيكوليت كريبيتز (1971)، نبقى مع «آنيا» (ليليث شتانغبيرغ) التي تسحرها الطبيعة البرّية، فتطلق العنان لداخلها. تفسخ العقد مع الحياة المدنية. تصادق ذئباً، وتستسلم لغرائزها الأساسية.
جوشوا أوبنهايمر (1974) يحضر مع فيلميه الوثائقيين المدهشين «فعل القتل» (2012) و«نظرة الصمت» (2014 ـــ 24/9 ــ س: 20:00)، كما أنّه ضيف «مواهب بيروت 2016». في الأول، يستنطق التسجيلي الأميركي ذاكرة إندونيسيا السوداء، من خلال دفع بعض مرتكبي الإبادة الجماعية عام 1965 إلى الاعتراف بفظاعاتهم أمام العدسة. جرّاء ذلك، تكتشف أسرة كيف قُتلَ ابنها في الشريط الثاني. يقرّر الابن الأصغر، طبيب العيون «أدي» مواجهة القتلة باختبار بصرهم. ساعات نادرة في سحرها وعصابيتها وتوغلها داخل النفس البشرية، ينجح أوبنهايمر في حفظها إلى الأبد. ضمن الإنتاجات الألمانية المشتركة كذلك، يعرض الأسبوع «المواطن الرابع» (26/9 ــ س:20:00) للورا بويتراس (1964) الحائز أوسكار أفضل فيلم وثائقي عام 2015. التسجيلية الأميركية والصحافي البريطاني غلين غرينوالد يطيران إلى هونغ كونغ للقاء Citizenfour، الذي لم يكن سوى البطل/ «الخائن» الشهير إدوارد سنودن. قوّة الوثائقي نابعة من محتواه الـ «سكوب». ظهور سنودن شخصياً والمعلومات التي يقدّمها. الإشكالية المحيّرة في قضيته كلها. أخيراً، نحن على موعد مع استعادة ثمينة للملهم الألماني راينر فيرنر فاسبيندر (1945 – 1982)، من خلال عرض 5 من أفلامه المرمّمة رقمياً بجودة 2K: «زواج ماريا براون» (1979 ــ 25/9 ــ س: 20:00)، و«تاجر الفصول الأربعة» (1971ــ 27/9 ــ س:22:00)، و«علي: الخوف يأكل الروح» (1974ــ 29/9 ـ س:22:00)، و«أريد فقط أن تحبّوني» (1976ـ 30/9 ـ س:22:00)، و«يأس» (1978 ـ 1/10 ـ س:22:00).

* «أسبوع الفيلم الألماني»: بدءاً من اليوم حتى 2 تشرين الأول (أكتوبر) ــ «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية) ــ للاستعلام: 01/204080




مواهب بيروت

بالتوازي مع «أسبوع الفيلم الألماني»، تنظّم جمعية «متروبوليس» و«معهد غوته» في لبنان، بالاشتراك مع «مواهب البرليناله» (التابعة لمهرجان برلين السينمائي الدولي)، و«مهرجان مرسيليا الدولي للأفلام التسجيلية»، وبدعم من «الصندوق العربي للثقافة والفنون – آفاق»، و«مؤسسة روبرت بوش»، الدورة الثالثة من «مواهب بيروت». ورش عمل تركّز على المهن الفنيّة من إدارة التصوير، وتصميم الصوت، وتأليف الموسيقى التصويرية، والتوليف. يستضيف البرنامج 23 موهبة من 10 بلدان عربيّة، هي: مصر والأردن والمغرب والسودان وسوريا والجزائر وتونس وفلسطين وليبيا ولبنان. هؤلاء اختارتهم لجنة مؤلّفة من مختصّين سينمائيين، ليقابلوا خبراء في صناعة الأفلام ويتعلّموا منهم. التسجيلي الأميركي جوشوا أوبنهايمر يتحدّث عن تجربته الفريدة، التي تكلّلت بترشيحين مستحقين للأوسكار. في مجال الموسيقى التصويرية، يحضر الموسيقي خيّام اللّامي، الذي عمل مع التونسية ليلى بوزيد في «على حلّة عيني». عن التوليف، يتكلّم بيتر ر. آدم، الذي عمل مع الألماني ولفغانغ بيكر في فيلمي «وداعاً لينين!» و«أنا وكامينسكي». السينماتوغرافي لارس سكري ينقل خبراته في التصوير داخل الأماكن الخطرة، كما يتحدّث مصمّما الصوت توماس ديجونكير ورنا عيد عن «كيف تساعد الأصوات المصمّمة بعناية على نقل القصّة». كذلك، يعطي خبراء آخرون مخصّصة فقط للمواهب، من بينهم مولّفة الأفلام كلير أثرتون (فرنسا)، ومولّف الأفلام والرئيس المشارك لقسم التوليف في مدرسة الفيلم الفرنسية «لا فميس» جاك كوميتس (فرنسا)، ومدير التصوير مارك خليفة (لبنان)، ومصحّح الألوان بلال هبري (لبنان). أخيراً، تستفيد ثلاثة أفلام في مرحلة ما بعد الإنتاج (مموّلة من «آفاق») من جلسات استشارية يقدّمها خبراء التوليف الحاضرون في برنامج «مواهب بيروت».