ما حدث في الحسكة من معارك مؤخراً، ثبّت مخاوف التقسيم لدى شريحة واسعة من السوريين، ولا سيما أن الأصوات الكردية المؤيدة لذلك لم تعد تخفي نفسها، سواء عبر بعض الرسائل التي قد تكون بنظر البعض شخصية، إنما هي في واقع الأمر تعبّر عن موقف عام، كحادثة تمزيق العلم السوري وإنزاله عن المؤسسات الرسمية في مدينة الحسكة وغيرها. وهناك من يعبّر بالتصريح نهاراً وجهاراً عن تأييده للتقسيم والانفصال، وإقامة «كردستان سوريا».

سياسياً هناك حسابات كثيرة تفرضها مصالح الدول والقوى التي باتت مؤثرة بقوة في الشأن السوري، وعلى ذلك فإن الطموحات «الاستقلالية»، وللأكراد تحديداً، ستكون رهناً بالحدود التي سترسمها مصالح تلك الدول والقوى. لكن ماذا عن القوة الاقتصادية التي أصبحت بيد التنظيمات الكردية؟ هل هي كافية لتكون قاعدة لبناء كيان مستقل؟ أم أنها قوة مُهددة وقابلة للزوال؟

ثروات ما قبل الحرب

تقوم القوة الاقتصادية للتنظيمات والأحزاب الكردية السورية على ثلاث ركائز أساسية هي:
ــ حقول النفط التي جرت السيطرة عليها في المنطقة الشرقية، وتحديداً في محافظة الحسكة. إذ بحسب مصدر مسؤول في وزارة النفط والثروة المعدنية، فإن الأحزاب الكردية «تستغل الحقول والآبار الموجودة في محافظة الحسكة لإنتاج ما يقرب من 40 ألف برميل يومياً». ومن أهم تلك الحقول حقل الرميلان الذي وصل إنتاجه اليومي قبل الحرب إلى أكثر من 90 ألف برميل يومياً، فيما لا يتجاوز إنتاجه اليوم أكثر من 25 ألف برميل يومياً.
ووفق ما يشير إليه المصدر في حديثه لـ«الأخبار» فإن الإنتاج من تلك الحقول والآبار «يجري على نحو عبثي وتخريبي، وهذا ما يسمى علمياً مصطلح قتل البئر وتخريبه»، رافضاً الحديث عن أي تقديرات تتعلق بالإيرادات المتحققة من بين تلك الكميات المنتجة، والسبب عدم وضوح الأسعار التي يجري بها البيع، والتي غالباً ما تخضع للسماسرة والتجار الذين يتولون تسويق النفط المنتج خارجياً.
ــ الركيزة الثانية تتعلق بالإنتاج الزراعي، فالمناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد تعرف بإنتاجها الكبير من المحاصيل الزراعية الاستراتيجية كالقمح والقطن، فمثلاً تذكر بيانات المكتب المركزي للإحصاء أن إنتاج محافظة الحسكة من القمح وصل عام 2010 إلى نحو 1,103 مليون طن، مشكلاً بذلك نسبة وقدرها 35,8% من إنتاج سوريا الإجمالي من القمح. كذلك الأمر بالنسبة للقطن الذي بلغ إنتاجه في المحافظة خلال الفترة نفسها نحو 154,3 ألف طن، وبنسبة قدرها 32,7% من إجمالي إنتاج البلاد، كما أن 51% من أشجار الفستق الحلبي، و13% من أشجار الزيتون، و16,8% من أشجار العنب موجودة كلها في محافظة الحسكة أيضاً.
وزيادة في التوثيق، فإن البيانات الإحصائية التي كان قد أعدها المركز السوري لبحوث السياسات بناءً على طلب «الأخبار»، كشفت أن الناتج المحلي الإجمالي لمحافظة الحسكة عام 2010 وصل إلى أكثر من 138 مليار ليرة، شكّل فيه إنتاج قطاع التعدين واستغلال المحاجر نحو 44.24%، فالزراعة والغابات نحو 18.48%، وثالثاً جاءت التجارة بنسبة 11.26%، والخدمات رابعاً بنسبة 10.59%.
هذه القاعدة الاقتصادية الضخمة تعرضت لضرر كبير جراء الحرب وتداعياتها، فإلى جانب انخفاض الإنتاج النفطي بغض النظر عمن يستثمره اليوم، فإن إنتاج المحافظة من المحاصيل الزراعية شهد هو الآخر تراجعاً واسعاً، إذ تشير التقديرات الرسمية إلى أن إنتاج المحافظة من القمح لهذا العام يصل لنحو 725 ألف طن، وهو رقم متفائل بالنظر إلى التقديرات المتداولة في الأوساط الكردية، والتي تتحدث عن 400 ألف طن، أي ما نسبته 36% فقط من إنتاج ما قبل الأزمة.
ـ الركيزة الثالثة تتمثل في الإيرادات المتأتية من الرسوم والضرائب المفروضة من قبل دوائر «الإدارة الذاتية» والتنظيمات الكردية المسلحة، فبحسب مصدر في وزارة الصناعة السورية فإن التنظيمات الكردية المسلحة فرضت خلال السنوات الأخيرة رسماً مالياً على السيارات الشاحنة التي تنقل المحاصيل الزراعية إلى المحافظات الآمنة، سواء كانت هذه المحاصيل تنقل من مناطق خاضعة لسيطرة الدولة السورية أو من مناطق خاضعة لسيطرة الأكراد والمجموعات المسلحة، ويرغب المواطنون فيها بتسويق إنتاجهم للدولة. ويستشهد في هذا السياق بالمبالغ التي يدفعها الناقل المتعاقد مع مؤسسات الدولة عن كل طن من القمح أو القطن، والتي تصل أحياناً إلى أكثر من سعر شراء ومبيع الطن الواحد من تلك المحاصيل.

المرض والحرب والحصار

لكن إلى أي حدّ يمكن لهذه القوة الاقتصادية أن تشكل قاعدة انطلاق نحو إقامة كيان كردي مستقل؟
كما أن الأمر سياسي مرتبط بدعم إقليمي ودولي، فإنه كذلك اقتصادياً، وخاصة أن الحرب فعلت فعلها السلبي في البنية الاقتصادية والاجتماعية للمناطق المراد ضمها للكيان الكردي من جهة، والبيئة الاقتصادية المحيطة الرافضة لأي تواصل مع الكيان الانفصالي من جهة ثانية.
لا يجد اقتصاديون كثر في القوة الاقتصادية الحالية مقوماً صالحاً لبناء الأكراد كياناً مستقلاً عن سوريا، لأسباب كثيرة ومتنوعة، فالباحث الاقتصادي والتنموي الدكتور هاني الخوري يرى في حديثه لـ«الأخبار» أنّ «الأكراد مستهلكون دون تنمية حالياً، فالنفط الموجود في الجزيرة محدود وغير كاف لتغطية أعباء كيان أو اقليم، ولذلك فإن المعول عليه هو التنمية الزراعية بقطاعاتها المختلفة وبآليات جديدة أهمها الطرق الأميركية في التعامل مع السهول بمعدلات ري متوسطة». ويضيف أن «هذه الآليات لا يمكن أن تثمر إلا في حال استقرار الوضع السياسي، من أجل المياه الآتية من تركيا، والأسواق اللازمة لتسويق الإنتاج الزراعي، فالمنطقة غنية بالثروات وهي تكاد تكون خاماً، لكن النفط بكمياته الحالية ثروة قد تستمر لمدة عشرة أعوام إن لم تظهر استكشافات جديدة». لا بل أن هذه الثروة تحتاج إلى «إعادة تأهيل وإصلاح من قبل شركات عالمية متخصصة، وإلى مبالغ مالية كبيرة» يقول مصدر في وزارة النفط السورية.
هذا أيضاً ما يذهب إليه المهندس رشاد كامل، الخبير العامل مع الأمم المتحدة في عدة مشاريع في المنطقة، فهذه الموارد «محكوم عليها في حال أقدم الأكراد على إعلان استقلال أي كيان بالخنق. بالحصار من قبل تركيا والعرب وحتى من كرد العراق، وبالقصف من تركيا»، ولاحقاً من قبل الجيش السوري الذي سيسعى لاستعادة سلطة الدولة على جميع المناطق. وحسب رأي المهندس كامل فإن هناك ثلاث مشاكل رئيسية تواجه الأكراد في سعيهم لاستثمار الإمكانات الاقتصادية المتاحة في المناطق المراد ضمها للكيان، «المشكلة الأولى تتمثل في تلوث المياه الجوفية إشعاعياً في منطقة الجزيرة، نتيجة ضخ مخلفات ماء النفط الى الأنهار والمياه الجوفية وهذا يحتاج زمنياً من 20 إلى 30 عاماً لتنظيفه، والتوقعات تشير إلى أنه خلال السنوات الخمس المقبلة ستكون هناك وفيات مخيفة بالمرض، خاصة السرطان. المشكلة الثانية هي مواجهة داعش والعرب في المنطقة، أما المشكلة الثالثة فهي في موقف تركيا وسوريا، واختلاف العرق بين أكراد كردستان العراق ونظرائهم في سوريا». ويختم كامل حديثه بالتأكيد أن «الكرد مصيرهم معلق بفدرالية مع سوريا، هم يعلمون ذلك، وإلا لماتوا ما بين المرض، ومحاربة تركيا، وحصار سوريا».
قد تدعم واشنطن الأكراد اقتصادياً، إلى جانب دعمها السياسي والعسكري، فتصدر لهم تقنيات الزراعة الحديثة وتساعدهم وراثياً على زيادة الإنتاجية، إنما ستكون حريصة على ألا تصل الأمور إلى مرحلة التمهيد لإعلان كيان مستقل، فثمة حسابات أخرى تتقاطع مع روسيا وتركيا وإيران وحتى مع سوريا لا تود تخريبها. وربما هذا ما يدفع سياسيين اكرادا إلى نفي الرغبة بالانفصال عن سوريا، وتأكيدهم أن مطالبهم لا تتعدى اللامركزية الإدارية والمؤسساتية، واحترام حقوقهم الثقافية والحضارية.