على بعد أمتار قليلة من جبل النفايات في جل الديب ثمة عيادة لطبيب قيل الكثير عن آدميته يدعى سليم سلهب. هذا الطبيب يواظب يومياً على فتح عيادته، والذهاب إليها متبسماً لجيرانه كأن الدنيا بألف خير، واذا كانوا يتبرمون من رائحة النفايات سيسايرهم في "النقِّ" أيضاً؛ كأنه مجرد مواطن آخر مثله مثلهم لا نائب في المجلس النيابي اللبناني، كأنهم لم ينتخبوه قبل سبع سنوات لتمثيلهم والدفاع عن حقوقهم. فالنيابة بالنسبة لسلهب هي ارتداء بذلة رسمية يوم الثلاثاء والصعود إلى الرابية للجلوس على الكرسي المخصص له على طاولة تكتل التغيير والإصلاح. أما جاره النائب نبيل نقولا، فأقفل عيادته بعد انتخابه نائباً ليتفرغ للتشريع ومراقبة عمل الحكومة، وهو بادر إلى الاتصال قبل بضعة أيام بعدة فعاليات متنية ظنت أنه سيعلمها بموعد الفرج فإذا بها تفاجأ بعيد حضورها بأن الأمر يتعلق بالاحتفال بعيد ميلاد سعادته. والويل للمواطن الذي يخطئ بالتأفف أمام نقولا من أزمة النفايات، فهو سيسمع مطولة عن اجتماع النائب المتني قبل عامين مع وزير البيئة واختصاصي شارك في بناء معمل للتفكك الحراريّ في باريس، لكن الوزير لم يعرهما الاهتمام الكافي.
إبقاء النفايات في شوارع كسروان والمتن قصاص لا يمكن فهم قبول السياسيين المذلّ به
وسعادته أدلى بعدة مداخلات قيّمة في اللجان النيابية لكن المواطنين – هؤلاء الخانعين المتخاذلين وفق نقولا – والإعلاميين – هؤلاء المرتشين الأغبياء وفق نقولا دائماً – لم يواكبوه يومها كما يفترض بهم وعليهم بالتالي تحمل تبعات تقصيرهم. أما نقولا الكتائب، النائب سامي الجميل، فلم يفكر باستحداث معامل فرز بالتوازي مع إقفال المكبات، إنما تألفت خطته من ثلاثة بنود فقط: أولاً، يقفل المطمر. ثانياً، تتكدس النفايات في الشوارع. ثالثاً، يترك الحكومة تتخبط في أزمتها فيما يسافر هو في إجازة بضعة أسابيع. إلا أن المواطنين خذلوه أيضاً حين بقوا في منازلهم بدل أن يسبقوه شهرين أو أكثر إلى إحدى الجزر الكاريبية. وبدوره حرك الوزير الياس أبو صعب جميع محركاته غداة تحرك لجنة المال والموازنة التي يرأسها زميله المفترض في التكتل النائب ابراهيم كنعان، ولم يعد يعرف كيف يمكنه القول إنه "حلها، بالتضامن والتكافل مع النائب سامي الجميل" بدل الضغط لتحقيق توصيات "المال والموازنة" برفع النفايات من الشوارع أولاً، واستحداث لجنة متابعة ثانياً تكون مهمتها الإشراف على العمل في المكب وتأمين كل التسهيلات اللازمة للبلديات من أجل استحداث معاملها الخاصة. ولاحقاً ما كاد الإعلام ينشغل بشيء آخر حتى انشغل هو أيضاً، فيما المواطنون عالقون مع النفايات في المستنقع. علماً أن المواطنين كانوا ينتظرون دوراً أكبر لأبي صعب وحماسة للإصلاح التربويّ والتغيير لا النفايات. فوصول شخصية ديناميكية تسبقها بروباغندا كبيرة أوحى لكثيرين أنها مقدمة لضغط عونيّ باتجاه إعادة النظر في الأقساط المدرسية والجامعية، وإقفال الدكاكين الجامعية، وتعميم تجربة أبي صعب في بلدته الضهور الشوير في ما يخص المدرسة الرسمية النموذجية. لكن ها هو العام الدراسيّ الثالث ينطلق وأبي صعب وزير من دون أن يتغير شيء، لا بل ازداد عدد ما كان العماد ميشال عون يصفه بالدكاكين، ويتواصل الارتفاع المطرد للأقساط رغم الأزمة المعيشية وتراجع القدرة الشرائية للأجور، ولا يكاد أحد الحزبيين يحتج حتى يسارع رئيس حزبه إلى قمعه لأن إقلاق راحة الرهبان والرهبانيات والمؤسسات التي تدير هذه المدارس والجامعات ممنوع، ولا أحد من السياسيين يريد وضعهم في ظهره. وعليه، كلام كنعان عن أنين العائلات من الأقساط صحيح مئة بالمئة، لكن السؤال يتعلق بما فعله تكتله لحل هذه المعضلة؛ إلا إذا كانت وزارة التربية وعلاقة العماد عون الوطيدة بالرهبانيات لا تكفيان، ويفترض بالأهل انتظار انتخاب الجنرال رئيساً أو حصول تكتله على الأكثرية النيابية لتحقيق خرق صغير هنا أيضاً. ولا بد هنا من التذكير بأن أقساط المدارس المتوسطة المستوى باتت تراوح بين ثلاثة آلاف وسبعة آلاف دولار سنوياً بحسب الصف، فيما تضاعفت من دون أي مبرر مرتين أو أكثر تكلفة النقل وصفوف التعليم الإضافي والقرطاسية مقارنة بما كانت عليه قبل عامين فقط. إلا أن هذا الجنون لا يعني أحداً. السياسيون مشغولون بما هو أهم طبعاً. النائب فريد الخازن يحاضر أسبوعياً في القضايا السياسية الإقليمية والدولية، زميلته جيلبرت زوين تتابع عن كثب التطورات اليمنية. الـ"جيوبوليتيك" أهم من القضايا الاجتماعية والمعيشية. أما النائب يوسف خليل، فمشغول عن النفايات والنهب المدرسيّ والجامعيّ بحل مأساة المزارعين في منطقته بما يخص تصريف التفاح، فلم يترك شركة استيراد وتصدير وسفارة أجنبية أوروبية أو أفريقية ووزيراً معنياً بحل الأزمة إلا طرق بابهم بحثاً عما يمكن أن يفعله. خليل – لا تصدقوا ما سبق – يعيش في عالمه الخاص الآخر أيضاً. ولا يهزه شيء؛ لا النفايات ولا الأقساط المدرسية والجامعية ولا الغلاء المعيشي ولا معاناة المزارعين. فهو مشغول بشيء آخر، ما هو؟ لا أحد يعلم. بماذا يشغل الممثلون المفترضين للمواطنين أنفسهم عن إيجاد حلول لهذه المشاكل الصغيرة؟ لا أحد يعلم جدياً. ماذا حال دون جمع خليل ممثلين عن المزارعين مع رجال الأعمال الذين تمتلئ بهم الرابطة المارونية والمؤسسة المارونية للانتشار وجمعية الصناعيين وغيرها لإيجاد حل ما، يتيح له القول إنه حقق شيئاً خلال 11 عاماً في المجلس النيابي؟ لا أحد يعلم. المشكلة تكمن في عدم سؤالهم حين يستيقظون صباحاً عما يمكنهم فعله اليوم. يرتدي خليل بذلته ويذهب إلى عيادته كأن شيئاً لم يتغير قبل وبعد فوزه بالوكالة التمثيلية لمئة ألف كسرواني. حتى ولو لغرض تمثيلي بحت؛ كان يمكن النائب حكمت ديب أن يقول إنه يتبرع بأجره النيابي هذا الشهر للمزارعين؛ يكفي أن يشتري ألف "سحارة" تفاح بخمسة آلاف دولار ويوزّعها في عين الرمانة وفرن الشباك ليقول للرأي العام إنه فعل شيئاً صغيراً. سؤال تكتل التغيير والإصلاح عن دور الهيئة العليا للإغاثة في إغاثة المزارعين لا يكفي؛ لا بد من التحرك باتجاه الهيئة وهيئات أخرى. هناك مزارع شبه وحيد لم يهجر القرى الجبلية بعد هو مزارع التفاح لا يمكن السماح باستسلامه. فإضافة إلى الزيتون لا يزال هناك شجرة ملونة واحدة في هذا البلد لا يمكن توفير المبررات لقطعها وبيعها حطباً وفحماً وتشييد المنتجعات محلها، علماً أن سليم سلهب وغسان مخيبر وفريد الخازن وجيلبرت زوين ويوسف الخليل وطبعاً حكمت ديب ليسوا فاسدين ولا سارقين ولا مستفيدين من مواقعهم وغيره، لكن جلوسهم متفرجين على تخبط المحيطين بهم بالمشاكل دون القيام بشيء يسيء كثيراً إليهم ويشوه صورتهم ويحولهم إلى شركاء في الجرم.

مأساة التفاح والأقسام المدرسية تتجاوز جبل لبنان طبعاً، لكنها تتركز في جبل لبنان، حيث يقول "ممثل سوكلين" في الحكومة الوزير أكرم شهيب ان النفايات باقية في الشوارع أكثر من أسبوعين، وهو ما يجعل الخناق يضيق أكثر فأكثر. فالتقصير في متابعة هموم المواطنين ومشاكلهم لا يقتصر على نواب ووزراء التغيير والإصلاح وفتى الكتائب الأغر. إلا أن تراكم المشاكل هنا يركز الأضواء على هؤلاء أكثر من غيرهم، ولا شك أن شخصية بعض النواب أو أكثريتهم تفاقم الاستفزاز لدى من انتخبوهم لتمثيلهم.