يصلح ما يجري في بلدة ترشيش في قضاء بعبدا أن يكون فصلاً من فصول مسلسل باب الحارة، بنسخة لبنانية. هنا لا بابَ فعلياً، بل قوسا نصر، واحد من ناحية بلدة مجدل ترشيش في المتن الشمالي والآخر من جهة بلدة التويتي في البقاع. أبطال الحارة كثر وتنوعهم الطائفي والسياسي يضاعف حماسة الأحداث، ولا سيما أن الخلاف ليس على حماية الباب ــ القوس من "الفرنسي"، بل من بعضهم البعض. تبدأ القصة من هنا: في عام 2010، خلال تسلم أحد الكتائبيين ما تبقى من ولاية رئيس بلدية ترشيش السابق (كتائبي أيضاً) كابي سمعان ليتمكن الأخير من تقديم ترشيحه الى النيابة، قامت البلدية ببناء قوسَي نصر من حديد في الموقعين. مذّاك، دأبت الأحزاب ــ أكان الكتائب أم القوات أم الاشتراكي أم المستقبل ــ على رفع الأعلام الحزبية على القوس عند تنظيم أي نشاط وإزالتها بعد بضعة أيام. وعليه، كان أولاد الحارة بألف خير... الى أن قرر الكتائبيون، في أول أيلول الجاري، تعليق أعلامهم الحزبية على قوسي النصر، وإبقاءها بلا مبرر. تبعها حضور النائب سامي الجميل شخصياً قبيل نحو 5 أيام لتكريم "القوى النظامية" (القوات العسكرية لميليشيا الكتائب إبان الحرب الأهلية) وكان لا بدّ من تكثيف الأعلام و"شكشكتها" من القوس الغربي، وصولاً الى بيت الكتائب في الضيعة، علماً بأن الحرب الأهلية في ترشيش وما تبعها من دمار وتهجير بدأت على خلفية بناء الكتائب بيتهم على أرض لم يلق موافقة باقي أولاد الضيعة، والحرب الباردة اليوم أعاد إشعالها الكتائب من خلال رفعهم أعلامهم على قوسي النصر من دون موافقة باقي الأحزاب. استفز الأمر الأهالي، كما القوات والاشتراكي والمستقبل ولجنة الأوقاف وبعض الهيئات والجمعيات، فما كان من "العكيد" الكتائبي إلا أن زاد غضب هؤلاء بزعمه أن القوسَين ملك لحزبه الذي دفع تكاليف بنائهما، لا البلدية، فضلاً عن تأكيده أن موقعها لا يقع ضمن نطاق ترشيش بل في خراج بلدتي مجدل ترشيش والتويتي. "الحارة" اليوم تغلي، الاشتراكي يتهم الكتائب بالكذب والتحايل، والمستقبل يرفض أن يكون باب البلدة كتائبياً، والقوات تريد قوساً لها أسوة بقوسَي الكتائب، ورئيس بلدية مجدل ترشيش المقرب من حركة أمل يعرض أن يكون ساعي الصلح، فيحصل "تبويس اللحى" على يديه.

تسارع الأحداث دفع برئيس بلدية ترشيش جوزف شعيا الى عقد جلسة في البلدية لمناقشة الأمر. وتقول مصادر المجلس البلدي إن النقاش احتدم نتيجة إجماع كل الهيئات والأحزاب على ضرورة إزالة الأعلام الكتائبية والاكتفاء بوضعها في المناسبات، تبعه رفض من ممثلي تيار المستقبل في الاجتماع للمرور ست سنوات تحت هذه الأعلام. استُفزّ الأعضاء الكتائبيون، فعيّروا "المستقبل" بصور الرئيس الراحل رفيق الحريري "القاعِدة في وسط البلدة على مدار السنة". وكانت النتيجة أن انسحب أعضاء المجلس المحسوبون على تيار المستقبل، والمختار عصام جبر ولجنة الوقف الإسلامي ورئيس رابطة آل جبر من الاجتماع. قبل خروجهم، حرصوا على تذكير الكتائب بنصب أرزتهم "الطويل العريض المصمود" على مدخل البلدة. يقول المختار عصام جبر لـ"الأخبار" إن "في ترشيش أحزاباً كثيرة ينبغي على الكتائب أن يحترم وجودها، مشيراً الى أن القوسين أنشِئا في عام 2010 عندما كنت نائباً لرئيس البلدية". جبر ينفي حصول مشادة كلامية في الاجتماع: "بالآخر ما منختلف". رئيس قسم الكتائب الياس حايك يصف ما حصل بـ"النقاش". الا أن النقاش شيء، وإزالة الأعلام شيء آخر لا دخل لباقي الأحزاب به: "وقت اللي بدنا منشيلن".
وفعلياً، لم يعد الخلاف أو النقاش حول الأعلام بحدّ ذاتها، إذ خلال الاجتماع انتقل المجتمعون الى موضوع آخر نتيجة ادعاء الكتائب أنهم مالكو قوسَي النصر وأنهما لا يقعان في بلدة ترشيش أصلاً، بل في خراج مجدل ترشيش وخراج التويتي. وهو ما قاله الحايك لـ"الأخبار": "القوسان ملك الكتائب، لكنهم (أي رئيس البلدية الجديد والمجتمعين) لم يكونوا يدركون ذلك فأخبرناهم الحقيقة".
ولتكتمل فصول القصة إثارة، يصعب اليوم على بعض الأعضاء من مختلف الأحزاب ــ هم أنفسهم كانوا أعضاء يوم تم تشييد القوسين ــ الحسم ما إذا كانت البلدية تحملت نفقة البناء أو حزب الكتائب. والأكيد أنه سيصعب على أهالي ترشيش بعد ما حدث المرور يومياً من تحت رايات الكتائب، في ظل لامبالاة النائب الجميل بما يزرعه أنصاره في واحدة من البلدات المتنوعة سياسياً وطائفياً، في أعالي جرد المتن الجنوبي، وتمثل نقطة التقاء الجبل بالبقاع. وعليه، قرر المجلس البلدي مراجعة أعمال البلدية في تلك الفترة، وفتح تحقيق لمعرفة من تحمّل تكاليف بناء القوسين، وفقاً لمسؤول الحزب الاشتراكي في البلدة يوسف سعيفان و"ذلك بناء على مقترح قواتي". فإذا تبين أن لا دخل للبلدية بها "نترك الامر بعهدة باقي البلديات التي تقع في نطاقها". أما في حال كانت في ترشيش "فسنعمد الى تنظيم استعمالها وهو ما كنا سنفعله قبل أن يفاجئنا مسؤول الكتائب في اجتماع البلدية بأنها للحزب وهو من دفع تكاليفها". يغمز سعيفان من قناة تحايل الكتائب، مشيراً الى أن القوسين شيّدا في وقت كان يجري فيه سحب رمول من قلب المشاع ولم يكن أحد يطلع على ميزانيتها سائلاً: "منذ متى يستأجر حزب طريقاً بشكل دائم؟ وإذا كان ادعاء الكتائب صحيحاً لجهة أن القوس الغربي يقع في مجدل ترشيش، فكيف حصل الكتائب على إذن تشييدها؟".
وبما أن أحد تبريرات الكتائب لإبقاء أعلامها أنها تقع خارج نطاق ترشيش، اتصلت "الأخبار" برئيس بلدية مجدل ترشيش علي مقبل المحسوب على حركة أمل (كان النائب ميشال المر قد ذكر مجلس ترشيش بين البلدات التي فاز بمجلسها البلدي!). يريد مقبل أن يكون "المصلح" بين جميع الطوائف والأحزاب، فهو، يقول، تعلم المسامحة والانفتاح على الآخر من الإمام موسى الصدر والرئيس نبيه بري. يؤكد: "قوس النصر يقع في آخر مجدل ترشيش وأول ترشيش، عالكوع. بني في عهد البلدية السابقة بالتوافق معي على أساس أنه للبلدية وفي تصرف أي حزب أو جهة تريد استعماله. لذلك لم أمانع". إذاً الكتائب محقة أنها خارج نطاق ترشيش، إلا أن رئيس البلدية الكتائبي خدع مقبل بادعائه أن البلدية لا الحزب من يرغب بتشييدها. هنا يردّ مقبل: "إذا لإلن (الكتائب) بدّن يشيلوون"، قبل أن يعقب أنه يؤيد "التعايش" ويهمه تفادي الخلافات. لذلك يبتكر طرحاً على الطريقة اللبنانية إياها: "إذا كانت الأقواس ستتسبب بخلاف، فلترسل بلدية ترشيش لبلديتنا كتاباً تطلب فيه منا التدخل لتنظيم الموضوع. كان يفترض أن تزال أعلام الكتائب عشية انتهاء الاحتفال. نحن مستعدون لإزالة كل الأعلام الحزبية ورفع الأعلام اللبنانية فقط لا غير".

لكل حزب قوسه!

لا يكتمل المشهد من دون لمسات القوات، وخصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بـ"الكرامة"، وبـ"زكزكة" حزب الكتائب. وأصلاً، تتجه أصابع اتهام الكتائبيين منذ البداية الى رجال معراب. يتفهم رئيس مركز القوات في ترشيش طوني بوطانيوس الأمر: "من زمان وجاي نحن جسمنا لبّيس"، علماً بأن بوطانيوس يذكر في معرض حديثه أنه كتائبي سابق وشغل منصب أمين سر القوى النظامية (القوى المسلحة الكتائبية) في الحرب الأهلية. وبما أنها "سيرة وانفتحت"، لطوني عتب على عدم دعوته الى الاحتفال منذ يومين، رغم أننا "ولاد ضيعة وحدة". السؤال عما إذا كانت الكتائب قد بنت قوسي النصر يثير ضحك القواتي: "أنا عضو في البلدية منذ 18 عاماً وأعرف جيداً من بناها، لكني أجد من مصلحة البلدة ألا أتكلم في هذا الموضوع". لا يعلق على الموضوع أكثر، فالمعادلة بسيطة: "إذا كان للكتائب أقواسها، فإن القوات ستتقدم بطلب من البلدية لترفع أقواساً خاصة بها. إما أن يكون هناك قوس نصر واحد للبلدية وهي تنظم طريقة استخدامه وتحدد كلفة اشغاله، وإما أن يرفع كل حزب قوسه". ويشير الى أن "رئيس البلدية خلال الاجتماع تقدم بطرح يرضي كل الأفرقاء وهو أن تتسلم البلدية مسؤولية القوسين، بالتعاون مع الأحزاب واللجان والأوقاف". ولكن ما دخل بلدية ترشيش إن كانت الأقواس خارج نطاق البلدة؟ يردّ: "كبلدية لا نقبل أن نتعدى على خراج الغير، كما لا نقبل أن يتعدى أحد على خراجنا. فلنرسّم الحدود".
في ترشيش اليوم، من يقول ان الكتائب أشعلت جمراً كان قد دفن منذ نحو 40 عاماً، وهناك من يتهم الباقين باستفزاز الكتائب لإبقاء الأعلام، فيما قسم ثالث يسخر مِن الخلاف على مَن "سرق الجرة"، كما في مسرحية "شي فاشل" لزياد الرحباني. ويسأل هؤلاء: إذا كان "عامودان" من حديد يتسببان بكل هذه الجلبة، فماذا كان سيجري لو كان قوس النصر مشابهاً للقوس الباريسي الحجري؟