بناءً على ما تقدّم، فإن ميليشيات «الكتائب» و«الأحرار» كانت تسعى جاهدة لكسب المساعدات العسكريّة والماديّة من الولايات المتحدة.

الوثائق الأميركيّة تعكس في آخر ولاية شارل حلو مزيداً من التعاطف مع هذه الميليشيات، والتعويل عليها في مواجهة محتملة، ليس فقط مع المقاومة الفلسطينيّة، بل أيضاً مع اليسار اللبناني الذي كان يشغل اهتمام واشنطن وحلفائها في لبنان. وزادت مجازر أيلول الأسود في ١٩٧٠ من الاعتماد الأميركي على هذه الميليشيات، كما يظهر من التجاوب الأميركي مع طلبات زعماء الموارنة للتسلّح، مدعومين من البطريركيّة المارونيّة. ولم يعكس انتخاب سليمان فرنجيّة أي تغيير في وجهة الرئاسة اللبنانيّة المتحالفة مع «الحلف الثلاثي» (رغم أن فرنجيّة أتى مرشّحاً من قبل تكتّل «الوسط» الذي زعم أنه حيادي في الصراع بين «النهج» الشهابي و«الحلف الثلاثي»، بينما كان هو أقرب الى الحلف).

أعلمت غولدا مائير الملك حسين بأن تل أبيب على تواصل مع «قيادات لبنانيّة معيّنة»

كان أكيداً أنّ الحكومة الأميركيّة، بعد مجازر «أيلول الأسود»، كانت ستتخذ الموقف الحازم والقوي نفسه ــــ إلى جانب العدوّ الإسرائيلي ــــ في دعم النظام اللبناني في حال حدوث مواجهة مع الفدائيّين في لبنان (ص ٩٠). وقد أعلمت الحكومة الأميركيّة الرئيس اللبناني الجديد بذلك بعد أيام فقط من خطاب القسم، وأكدت له أن دورها العسكري هو الذي منع التدخّل العسكري السوري لنصرة الفدائيّين في الأردن، وأنها مستعدّة للقيام بالدور نفسه في لبنان لدعم الحكومة في مواجهة الفدائيّين ولمنع تدخّل عسكري سوري لنصرتهم. وقد حرص فرنجيّة على توجيه شكره إلى الحكومة الأميركيّة عبر مبعوثه السرّي لوسيان الدحداح، ولاحظ أنّ التعبير عن الدعم الأميركي كان أقوى مما كان عليه في زمن شارل حلو. وأعلم فرنجيّة المبعوث الأميركي أنه التقى أخيراً جمال عبد الناصر مرتيْن في القاهرة، وأن الأخير عبّر عن دعمه له حتى في مواجهة محتملة مع الفدائيّين.
وعندما فاتح فرنجيّة الحكومة الأميركيّة، في بداية عهده، برغبته في مساعدة عسكريّة أميركيّة، أبلغته الحكومة أن لا نيّة لمساعدات كبيرة للبنان. لكن «أيلول الأسود» حسّن من حظوة لبنان لدى الإدارة. فحثّ السفير الأميركي الجديد في لبنان ويليام بافم حكومته على تزويد لبنان بالمساعدات العسكريّة لمواجهة «حالة شبيهة بالأردن في لبنان» (ص ٩٠). وحدّد نوعيّة السلاح الجديد المطلوب، مثل دبّابات «إم ــــ ٤١» ورشّاشات مضادة للطائرات من عيار 500، لافتاً الى أن هذه الرشاشات مطلوبة في «احتمالات عالية للاستعمال على الأرض لردع فعلٍ من قبل عمل جماهيري»، أي أن الرشاشات المضادة للطائرات تصلح في التعامل مع المعارضة السلميّة في الشارع. وبالفعل، تلقّى لبنان في نهاية السنة مساعدات عسكريّة أميركيّة بقيمة ٥ ملايين دولار. لكن هذا التعداد لا يشمل ما كانت المخابرات الأميركيّة أو وكالة استخبارات الدفاع تزوّده، مباشرة أو مداورة، للميليشيات اليمينيّة.

تعامل أقسى مع «الفدائيين»

تعامل الحكم الجديد في لبنان مع الفدائيّين بقسوة أكبر، وأمر فرنجيّة بنشر نحو ٣٠٠٠ جندي للقيام بدوريّات على الحدود لمنع الاعتداء على الكيان الإسرائيلي الغاصب. فيما كان سلوك الفدائيّين متحفّظاً بعد هزيمة أيلول في الأردن. واعترفت الحكومة الأميركيّة بدور التهدئة المعتدل الذي كان ياسر عرفات يقوم به في لبنان. لكن حركات عسكريّة سريّة انبعثت من «أيلول الأسود» (يخطئ المؤلّف ستوكر في القول [ص ٩٤] إن الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين كانت مشاركة في منظمّة «أيلول الأسود» التي كانت ذراعاً سريّة لحركة «فتح»)، وهذه الحركات ركّزت الأنظار الإسرائيليّة على لبنان كقاعدة للعمل الفدائي. فلم تتوقف الاعتداء الاسرائيلية على لبنان، فقصف العدو لبنان في شباط ١٩٧٢ (على الطريقة الأميركيّة، لا يذكر المؤلّف إلا الضحايا العسكريّين من عدوان إسرائيل، ولا يذكر الضحايا المدنيّين الذين لا يردون في التقارير الأميركيّة ولا في البيانات العسكريّة للعدوّ).
وهناك ما هو أخطر، أو ما هو بالخطورة نفسها، ولا يرد في كتاب جيمس ستوكر. فهناك وثيقة نُشرتها واشنطن قبل أسابيع عن مجموعة «التقرير الرئاسي اليومي» الذي تعدّه المخابرات الأميركيّة للرئيس الأميركي، وتعود ليوم ١٧ آب ١٩٧٢. ويرد فيها يرد أنّ السفير اللبناني في واشنطن نجاتي قبّاني أعلم الحكومة الأميركيّة أن إسرائيل هدّدت لبنان رسميّاً باحتلاله في اجتماع للجنة الهدنة في الناقورة. واحتفظت الحكومة اللبنانيّة بالخبر، ولم تعلنه، لا بل لم تكلّف نفسها عناء تقديم شكوى ضد العدوّ الإسرائيلي. وهذا يفضح طبيعة اجتماعات الهدنة حيث كان العدوّ يقدّم التعليمات والأوامر للحكومة اللبنانيّة.
وعلى طريقة سلفه، لم يتوقّف فرنجيّة عن الحديث عن تنسيق مع الولايات المتحدة في قمع الفدائيّين وضربهم. وهو أعلم الحكومة الأميركيّة أنه قادر على التعامل عسكريّاً مع الفدائيّين، على أن لا تتدخّل الحكومة السورية لدعمهم. وتباحث الطرفان اللبناني والأميركي في طرق التنسيق «في حال حدوث أزمة». أما في حال تدخّل عسكري سوري، فإن فرنجيّة قال إنه «قد يجد نفسه مضطرّاً لطلب مساعدة من الخارج». وتلبية لطلب أميركي، أمر الرئيس اللبناني (قيادة جيشه على الأرجح) بالبدء في مباحثات تمهيديّة سريّة على الحدود بين الحكومة اللبنانيّة والإسرائيليّة حول طرق التعامل مع الفدائيّين. لكنه عاد وألغى الأمر، بعد أن رفض العدوّ الإسرائيلي إزالة نقطة مراقبة أقامها على الأراضي اللبنانيّة. إلا أن فرنجيّة سمح للحكومة الأميركيّة بتزويد العدوّ الإسرائيلي بمعلومات عن الاتفاقيّة اللبنانيّة مع الفدائيّين الفلسطينيّين (أي إنه قدّم معلومات رسميّة، مُفترض أن تكون سريّة للحكومتيْن، الأميركيّة والإسرائيليّة).
عرضت عمّان على واشنطن استعمال طائرات أردنيّة لنقل أسلحة إلى لبنان

تقييد النشاط «الفدائي»

بعد عمليّة اللد التي قام بها الجيش الأحمر الياباني لحساب الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين في أيّار ١٩٧٢، أبلغت الحكومة الأميركيّة طوني فرنجيّة (الذي كان في زيارة لواشنطن) برسالة إسرائيليّة مفادها أن على الحكومة اللبنانيّة وقف أي نشاط فدائي من لبنان. استجابت بيروت صاغرة وطلبت من منظمّة التحرير «تجميد» كل نشاطها من لبنان. وفي هذه الفترة، عملت الحكومة اللبنانيّة على وقف كل نشاط رسمي للجبهة الشعبيّة، بما فيه النشاط الإعلامي، تلبية لطلب العدوّ. وذكر تقرير أميركي أن الجبهة لم تلتزم الأمر، وأن غسان كنفاني أعطى مقابلات إعلاميّة من بيروت (أي إن حكومة العدوّ وحكومة أميركا كانتا ترصدان نشاط الشهيد كنفاني). وكان العدوان الإسرائيلي على لبنان يزداد، وكان الحكم اللبناني يردّ بوضع المزيد من الضغط على المقاومة الفلسطينيّة وعلى الاستعانة بدول الخليج (الكويت والسعوديّة تحديداً) لحثّ المنظمّات الفلسطينيّة على التزام الشروط اللبنانيّة تحت طائلة وقف التمويل. وبعد شهر واحد من ذكر نشاط كنفاني في بيروت في تقرير أميركي في حزيران ١٩٧٢، قتله العدوّ الإسرائيلي في ٨ تمّوز.
وبعد عمليّة ميونيخ في ذلك العام، أبلغ نائب مستشار الأمن القومي ألكسندر هيغ (أصبح أوّل وزير خارجيّة في عهد رونالد ريغان في ما بعد)، الرئيس نيكسون أنّ من المرجّح «أن تردّ» إسرائيل في لبنان. أجابه نيكسون: «عليهم أن يضربوا أحداً ما، أليس كذلك؟» (ص. ٩٦). وبعد دقائق، أجرى نيكسون محادثة هاتفيّة مع هيغ، قال له فيها إن على الحكومة الأميركيّة أن تدرس خيار قطع العلاقات الديبلوماسيّة مع دول مثل الأردن ولبنان لأنها «تؤوي إرهابيّين»، مضيفاً: «يا للجحيم! ولماذا نكترث بلبنان؟». غزت إسرائيل جنوب لبنان في أيلول ١٩٧٢، لكن الحكومة الأميركيّة اعترضت على «توقيت» العدوان، لاحتمالات تأثيره على علاقتها مع الاتحاد السوفياتي في زمن التقارب بينهما. وكانت واشنطن على علم بالعدوان قبل حدوثه، لكنها رفضت أن تبلغ لبنان به بطلب من إسرائيل، بالرغم من سؤال الحكومة اللبنانيّة للحكومة الأميركيّة عن نيّات إسرائيل في ذلك الوقت. وبدلاً من الردّ على عدوان إسرائيل، نشر الجيش اللبناني جنوداً في الجنوب، وأقام حواجز لتقييد حركة الفدائيّين، وأعلم الضابط اللبناني الرفيع (المكلف تقييد العمل الفدائي في لبنان)، موسى كنعان، الحكومة الأميركيّة أن الجيش يتلقّى الأوامر مباشرة من فرنجيّة، وأنه يتجاوز رئيس الوزراء، صائب سلام. وعرض السفير السوفياتي على سليمان فرنجيّة عقد معاهدة عسكريّة وردع عدوان إسرائيل، لكن فرنجيّة رفض العرض.
وهنا، بالرغم موافقة الفدائيّين على تقييد حركتهم بطريقة تتعارض مع ــ وتتخطّى ــ بنود اتفاقيّة القاهرة، فإنّ الحكم اللبناني باشر ما كان قد بدأه شارل حلو من قبل، أي البحث في شأن تدخّل عسكري أميركي في لبنان. والتقى وزير الخارجيّة اللبناني خليل أبو حمد في نيويورك، ثم في واشنطن، جوزيف سيكسو، ثم وليام روجرز، للطلب من أميركا التعهّد بتقديم مساعدة عسكريّة وديبلوماسيّة إلى لبنان في حال حدوث أزمة، بما فيه في حالة تدخّل الاتحاد السوفياتي أو سوريا في مواجهة بين الجيش اللبناني والفدائيّين الفلسطينيّين.
وحذّر أبو حمد السفير الأميركي، بعد عودة الأوّل إلى لبنان، من أن المواجهة قد تنشب في الشهور المقبلة. وقال إنّ فرنجيّة يريد أن يعرف الحدّ الذي يستطيع أن يعتمد فيه لبنان على الحكومة الأميركيّة. وتبنّى قائد الجيش اللبناني إسكندر غانم الطلب هذا في اليوم التالي (استدعى فرنجيّة غانم من التقاعد ليعيّنه قائداً للجيش، بعد وفاة جان نجيم في «ظروف غامضة» عام ١٩٧١، كما روى إميل لحوّد في كتاب أحمد زين الدين، «إميل لحّود يتذكّر»، ص. ١٨٨، وكان نجيم ابن عمة لحّود). وشدّد كل المسؤولين اللبنانيّين الذين بحثوا موضوع التدخّل الأميركي لمصلحة النظام اللبناني أن مطلبهم هذا ينبع من (يمثّل) «القيادة المسيحيّة» في لبنان، ولا يمثّل رئيس الجمهوريّة فقط، مع إبداء التفهّم أن التدخّل لن يكون على نسق تدخّل عام ١٩٥٨.
وكتب وزير الخارجيّة ويليام روجرز مسوّدة جواب إلى الحكومة اللبنانيّة طمأن فيه الحكم في لبنان إلى استمرار المساعدة العسكريّة وطرح إمكانيّة التنسيق بين الأردن وإسرائيل لـ«ردع السوريّين». لكن لا يرد في الوثائق الأميركيّة رداً رسميّاً على الطلب اللبناني. وبحث النظام اللبناني أيضاً في الحصول على اتصال مباشر مع إسرائيل للبحث في مسألة «الردود الإسرائيليّة» (أي إن الحكم اللبناني اعتبر، مثله مثل الحكم الإسرائيلي والأميركي أن العدوان الإسرائيلي على لبنان ليس إلّا ردّاً على أعمال الفدائيّين). وفي سياق التعاون مع إسرائيل ضد الفدائيّين، أبلغ أبو حمد السفير بافم أن الجيش اللبناني سيرفع التمثيل اللبناني في لجنة الهدنة في الناقورة عبر رفع رتبة ضابط الارتباط اللبناني، وأنه هذه المرّة سيكون مسيحيّاً (ص ١٠٠).
وتكثّفت الاتصالات اللبنانيّة ــ الإسرائيليّة في رأس الناقورة تحت غطاء «لجنة الهدنة»، وأبلغ الجانب الإسرائيلي لبنان أنه مستعد لإزالة نقطة مراقبة في الأراضي اللبنانيّة مقابل تعهد لبناني بمنع عمليّات الفدائيّين. وفي بداية عام ١٩٧٣، أبلغ خليل أبو حمد السفير الأميركي أن الحكم اللبناني يجري مفاوضات سريّة مع إسرائيل، وأن مسوّدات لأوراق عمل جرى تبادلها بين الطرفيْن، لكن من دون التوصّل إلى اتفاق. وحافظ لبنان على سريّة المفاوضات، حتى عن الجانب الأميركي.
في هذه الفترة، كان السفير الأميركي في عمّان دين براون (وهو نفسه الذي سيقوم بهمّة في لبنان عام ١٩٧٦، كمندوب شخصي لجيرالد فورد) ينصح الحكومة الأميركيّة بحثّ الحكومة اللبنانيّة على تقليد المثال الأردني في قتال الفدائيّين. لكن السفير الأميركي في لبنان خالف النصيحة وأبدى قلقه من تأثير ذلك على استقرار الحكم في لبنان. وكان واضحاً في المداولات الأميركيّة حول الردّ على أعمال الفدائيّين، خصوصاً بعد مقتل ديبلوماسيّيْن أميركيّيْن في الخرطوم، أن وزارة الخارجيّة الأميركيّة والحكومات العربيّة كانت تخشى من ردّ فعل أميركي قوي من شأنه إضعاف وضع ياسر عرفات في قيادة منظّمة التحرير (حتى الحكومة اللبنانيّة كانت سرّاً تعترف باعتدال عرفات، مقابل «المتطرّفين» الآخرين في «فتح»، مثل أبو إياد). وكانت الحكومة الأميركيّة تحاول التوفيق بين دعم قتال الفدائيّين والحرص على ما تسمّيه «مسيرة السلام» التي كانت تدفع بها.

مساعدات عسكرية

لكن الحكومة الأميركيّة ضغطت على النظام اللبناني لاتخاذ إجراءات ضد الفدائيّين، خصوصاً كل قيادات منظمة «أيلول الأسود». وسارعت إلى مدّ الجيش اللبناني «بقاذفات صواريخ وذخائر وأجهزة اتصال وأجهزة أخرى». وأخبر ضابط مخابرات لبناني ضابطاً أميركيّاً أن فرنجيّة أمر مدير المخابرات اللبناني بالتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة. وعندما اعتدى العدوّ الإسرائيلي على لبنان في عمليّة «فردان» الشهيرة في نيسان ١٩٧٣، عبّر نيكسون عن «بهجته» في حديث مع كيسنجر. ولم تُدن الحكومة الأميركيّة الاعتداء.
وتوالت عمليّات ضد المصالح الأميركيّة في تلك السنة في بيروت، وزادت من قلق الحكومة الأميركيّة على استقرار النظام اللبناني. وبعيداً عن الوثائق التي اعتمد عليها ستوكر في كتابه، من اللافت أن الحكومة الأميركيّة عبر سفارتها في بيروت لم تكن عليمة جداً بالأوضاع في لبنان. ففي حزمة من وثائق المخابرات الأميركيّة (من التقرير الإخباري اليومي الذي يصل إلى الرئيس الأميركي كل صباح) ورد خبر عمليّة تفجير «بنك أوف أميركا» في بيروت عام ١٩٧٣ مع إصرار على أن الذين قاموا بالعمل غير مسيّسين وأن العصابة كانت تبغي السرقة فقط (من المعروف أن العمليّة كانت من تخطيط وتنفيذ «الحركة الاشتراكيّة الثوريّة العربيّة»).
عرض السفير السوفياتي على فرنجيّة عقد معاهدة عسكريّة وردع عدوان إسرائيل

وعادت الحكومة الأميركيّة لبحث الطلب اللبناني لتدخّل عسكري «خارجي» في حال تعرُّض لبنان لتدخّل سوري أثناء القيام بعمل عسكري ضد الفدائيّين في لبنان. وبحثت الحكومة الأميركيّة في «تدبير تدخّل عسكري خارجي، أو تهديد، من قبل إسرائيل أو الأردن لردع سوريا» (ص. ١٠٦). وتابعت الحكومة الأميركيّة عن كثب أخبار اندلاع الاشتباكات بين الجيش اللبناني والفدائيّين في أيّار ١٩٧٣، عندما استعمل الجيش الطائرات في قصف المخيّمات الفلسطينيّة. ويظهر واضحاً في التقارير التي نشرتها المخابرات الأميركيّة أخيراً مدى اهتمام واشنطن بأخبار الاشتباكات في لبنان بين السلطة والفدائيّين. وأمرت السفارة الأميركيّة آنذاك بتدمير أو شحن الوثائق الأميركيّة السريّة المهمّة من السفارة في بيروت. وتعترف الوثائق الأميركيّة، خلافاً لأكاذيب نظام فرنجيّة وقيادة جيشه في حينه، أن الفدائيّين لم يكونوا في موقع هجومي، بل حافظوا على موقع دفاعي في الاشتباكات خشية تدخّل إسرائيلي ضدهم. وحذّر رئيس الحكومة الأردنيّة زيد الرفاعي، الحكومة الأميركيّة من مخطّط من قبل يساريّين لبنانيّين لاستعمال الفدائيّين للاستيلاء على السلطة في لبنان (ص. ١٠٧). واقترح تحريك الأسطول السادس واتخاذ إجراءات للتدخّل تحت ذرائع مثل إجلاء المواطنين الأميركيّين من لبنان. وحرّك الجيش الأردني فرقتيْن مدرّعتيْن على الحدود مع سوريا، وعرضت عمان على واشنطن استعمال طائرات أردنيّة لنقل أسلحة وذخائر إلى لبنان (لكن الحكومة الأميركيّة «رفضت الطلب بتهذيب»). أما الحكومة الإسرائيليّة، فأبدت علناً استعدادها للتدخّل في لبنان، وضمنت أن التدخّل كان سيلقى الترحاب من قبل البعض في لبنان. وورد في تقرير أميركي أن غولدا مائير أعلمت الملك حسين في لقاء سرّي بأن الحكومة الإسرائيليّة على تواصل مع «قيادات لبنانيّة معيّنة»، وأنهم يعتقدون أن التهديد بالتدخّل الإسرائيلي من شأنه ردع سوريا. ولاحظ ستوكر في كتابه، أنّ الحكومة اللبنانيّة في عهد فرنجيّة لم تكن توافي الحكومة الأميركيّة بأخبار تواصلها مع الإسرائيليّين — خلافاً لما كان يجري في عهد شارل حلو.
وزادت وتيرة المطالبة اللبنانيّة بالتدخّل الأميركي المباشر. وطلب بطرس ديب (المدير العام للقصر الجمهوري) من إدارة نيكسون النظر في ما يمكن أن تفعله في حال وجود تدخّل عسكري سوري في لبنان. أما طوني فرنجيّة، فكان أكثر صراحة في لقاء مع القائم بالأعمال الأميركي حين قال إن «الحكومة اللبنانيّة تأمل مساعدةً من الحكومة الأميركيّة، وكلّما كان أسرع، كان أفضل». وأوضح أبو حمد (الذي خرج من عزلة سياسيّة فرضها على نفسه بعد خروجه من الحكومة في عهد فرنجيّة ليحضر الاتفاق الثلاثي في دمشق في عام ١٩٨٥) للحكومة الأميركيّة أن سوريا هي همّهم الأساسي. ونظرت الحكومة الأميركيّة في شأن التدخّل العسكري المباشر في لبنان، لكنها وجدت صعوبات في الخيارات. وكرّر فرنجيّة عبر وزير خارجيّته طلب «مساعدة قويّة» من الحكومة الأميركيّة وتدعيم الجيش في حال مواجهة أخرى مع الفدائيّين. كذلك، أمل أن تردع إيران أو الأردن سوريا والعراق عن التدخّل في لبنان. وسأل خليل أبو حمد الديبلوماسي الأميركي عن «النيّات الإسرائيليّة» وعمّا إذا كانت إسرائيل مستعدّة لاستعمال القوّة في لبنان لردع الفدائيّين.

بحث خيارات التدخّل

واجتمعت «مجموعة العمليّات الخاصّة» في البيت الأبيض في منتصف أيّار ١٩٧٣ للبحث في خيارات التدخّل في لبنان. وذكّر جوزيف سيسكو في تقرير للاجتماع بأن خطط التدخّل من عام ١٩٧٠ تضمّنت خيار تسليح ميليشيا الكتائب اللبنانيّة (لكنه شكّك في جدوى ذلك). وتضمنت الخيارات التدخّل العسكري المباشر مع أن الحكومة الأميركيّة فضّلت مثال «أيلول الأسود» ونقله إلى لبنان. وبحثت المجموعة في تحرّك إسرائيلي، لكنها خشيت أن تحتلّ إسرائيل المزيد من الأراضي العربيّة في سوريا وفي جنوب لبنان. واعترف كيسنجر وسيسكو في الاجتماع بأن «الضغط الإسرائيلي» نجح في دفع الحكومة اللبنانيّة لمواجهة الفدائيّين. وانتهت الأزمة بتوقيع اتفاق «ملكارت» بين النظام اللبناني والفدائيّين، ولم تكن الحكومة الأميركيّة راضية عن سلوك حلفائها في الأزمة اللبنانيّة باستثناء الأردن. ويذكر مايكل هدسون، الأستاذ (المتقاعد في جامعة جورجتاون) في مقالة له عن تلك الفترة أن الميليشيات اليمينيّة شاركت في القتال إلى جانب الجيش لإحداث شقاق بين اللبنانيّين والفلسطينيّين. لكن منظمة التحرير كانت تبلغ واشنطن سرّاً، عبر أبو حسن سلامة، أنها تريد التهدئة في لبنان وأنها تريد علاقات أفضل مع واشنطن.
(يتبع)