ما بين 28 أيلول موعد الجلسة الـ 45 لانتخاب رئيس الجمهورية و13 تشرين الأول، طراز آخر من الانتظار: حصول اجتماع بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري. إذا حيل دونه، فالتحضير لتحرّك شعبي اعتراضي كبير بحسب ما يسمعه محيطون بعون منه لا يتوقف عند أي حد. بعد 13 تشرين الأول تمسي كل الأبواب موصدة بينه وبين تيار المستقبل وما بقي من آلة الحكم. إذ ذاك، تبعاً لما يوحي به، ستكون البلاد أمام حقبة جديدة غير مسبوقة.

في ضوء ما بلغ إلى رئيس تكتل التغيير والإصلاح، وما تناولته لقاءات وزير الخارجية جبران باسيل مع ابن عمة الرئيس السابق للحكومة ومستشاره نادر الحريري، وما يصل إليه هو من موفدي الحريري، سيكون مستعداً للخوض معه في انتخاب الرئيس. بيد أنه يضع في الحسبان أيضاً المفاجآت السلبية: أن لا يعود الحريري إلى بيروت حتى موعد الجلسة 45، أو أن يعود ولا يجتمع به، أو أن يعود ويجتمع به ولا يرشحه، أو أن لا يجتمع به ولا يرشحه. في حصيلة إمرار هذا الوقت، يُنسب إلى عون في محيطه موقفان متلازمان: أولهما أنه يصبح عندئذ في حِلّ تام من التفاوض والوساطات وتنقل الموفدين وحملة الرسائل مع هذا الفريق، ويتحرّر من أي التزام حياله كي يقرر ما يقتضي أن يفعله. ثانيهما يدعو إلى التظاهر الشعبي في 13 تشرين الأول على طريق القصر الجمهوري في بعبدا كي يوجه رسالة مزدوجة: أن الأرض لا تزال تهتزّ تحت أقدامه، وأن الفراغ وحده سيملأ اللعبة السياسية كي يغرق الجميع فيها.

تظاهر على طريق القصر الجمهوري، فاعتصام وخيم، فعصيان

ما يبدو جازماً فيه، في مرحلة ما بعد 13 تشرين الأول، يلتقطه المحيطون به كالآتي:
1 ــ لا عودة إلى طاولة الحوار، لأن اجتماعاتها غير مجدية، التأمت أو لم تلتئم.
2 ــ لم يعلن حتى الآن انسحاب وزيريه باسيل والياس بوصعب من حكومة الرئيس تمام سلام مذ قاطعا جلسة الأول من أيلول، ثم جلسة السابع منه. لن يحضرا جلسة أخرى، ولا يحتاج بتّ مصيرهما إلا إلى كلمة واحدة منه يمكن أن ينطقها في أي وقت يعتقد أنه أصبح ملائماً. لا يستعجل هذا الخيار، ويفضّل أن يتركه ورقة برسم التفاوض. على أن تعليق مشاركة وزيريه في جلسات مجلس الوزراء يقتضي أن يؤول إلى طرح سؤال: هل ينعقد من دونهما؟
3 ــ لا يقفل الأبواب دون مجلس النواب. إذا لاحظ موجباً استثنائياً يحتم انعقاده لإقرار بنود لا مناص منها، لا يمانع في خطوة تشبه تلك التي أدركتها آخر جلسة للمجلس في تشرين الثاني 2015 أقر خلالها قوانين مالية مهمة، ولم يعد يلتئم مذ ذاك. لكن لا عودة إلى دورة التشريع في ظل الشغور الرئاسي كأن شيئاً لم يحدث، وسيظل يقاطعه.
المرحلة المهمة في تقدير عون، هي التحضير للتحرّك الشعبي لدى قاعدته وقد بوشر، متيقناً من المقدرة على حشد الحزبيين والمناصرين والمؤيدين. يلي التظاهر عصيان شامل. ومن غير المستبعد نصب خيم تكرّس الاعتصام والعصيان.
بحسب المرسوم للتحرّك الشعبي، لا تنضم إليه القوات اللبنانية ولا حزب الله. لا يحتاج إليهما عون لأنه يقود معركة سياسية باسم التيار الوطني الحر. أبلغ إليه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، أنه جاهز للمؤازرة إذا شعر بحاجته إلى تعزيز الحشود، فردّ بشكر مبادرته.
ما تعكسه إشارات عون تبرز بضع ملاحظات:
أولها، خلافاً للأفرقاء الآخرين، لا يثق إلا بحزب الله. التواصل يومي بين الطرفين. يصغي إلى وجهة نظر الحزب، مقدار ما يتفهم الحزب ردود فعله ومبررات تحركه. ومع أن حزب الله لا يعتزم الانضمام إلى التظاهرة، إلا أنه يؤيد تحرك عون، وقد تبلغ منه قرار التظاهر والاعتصام والعصيان. كانت للحزب أيضاً إشارة إيجابية ذات دلالة بتغيبه عن الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء تضامناً مع عون قد لا يقتصر عليها. ترجمة للتنسيق والتعاون بين الطرفين، من غير المستبعد في المدة الفاصلة ما بين 28 أيلول و13 تشرين الأول لقاء عون بالأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله لتقويم خطوات المرحلة المقبلة التي يمحضه الحزب دعمه في المضي فيها.
ثانيها، إصراره على الذهاب بعيداً في المواجهة مع تيار المستقبل، وفي الوقت نفسه يبدو واثقاً من مقدرة الحريري هذه المرة على حسم خياراته إذا عزم. يعزز توقعه أن في وسع رئيس "المستقبل" دعم ترشيحه في الوصول إلى قصر بعبدا كي يضمن وصوله هو الآخر إلى السرايا ويستعيد الموقع الذي بات يفتقر إليه، وهو يعاني من ضعف سياسي وتفكك داخل تياره وضائقة مالية. مغزى ذلك، تبعاً لما ينسب إلى رئيس تكتل التغيير والإصلاح، أن في إمكان الرئيس السابق للحكومة اتخاذ خياره في معزل عن السعودية ما دام يعيد إليه صورته في الداخل ولديها. ما يضيفه في هذا السياق: من دون رئاسة الحكومة لن ينهض، ومن دونها لن يسعه خوض الانتخابات النيابية السنة المقبلة، ومن دونها أيضاً سيفقد ما تبقى عنده. لا مفر لديه من هذا المنصب الذي أضحى حاجة حيوية ومصيرية بالنسبة إليه. وإلى أن يقرر انا في الانتظار.
ثالثها، مقدار ما انكسرت تماماً علاقته بحليفه السابق منافسه المرشح الرئاسي الآخر النائب سليمان فرنجية، يتحدث عون بإطراء غير مألوف عن جعجع، بإيجابية مقرونة بإعجاب: فاجأه لدى زيارته معراب بإعلانه وهو إلى جانبه ترشيحه له، من دون أن يكون طلب منه ذلك، ومن غير أن يعده جعجع بترشيحه. كان ثمة حوار غير مباشر بينهما، في سياق تواصل موفديهما، ان رئيس حزب القوات اللبنانية سيؤيد وصوله إلى الرئاسة. يشير عون إلى أن مصالحته وجعجع أراحت المسيحيين، ووحدت موقف الحزبين، وأربكت أفرقاء مسلمين طالبوه قبلاً بانتزاع تأييد جعجع لترشيحه كي ينضموا هم إلى انتخابه رئيساً. بعدما اكتملت المصالحة، ذهبوا إلى ترشيح فرنجية للتخلص من تأييده.
موعد ما قبل 28 أيلول ليس نهائياً. يمكن أن ينتقل إلى ما بعد ارفضاض جلسة انتخاب الرئيس في ذلك النهار بلا نتيجة، كي يلتئم في وقت لاحق قريب. لكنه ــ في حساب عون ــ لن يمد يده إلى عنق 13 تشرين الأول. إذ ذاك، سيكون للقطيعة وجه آخر.
هذا إذا صحّت الأقوال.