قبل أيام أطلقت وزارة الأشغال مزايدة استثمار وتشغيل منشآت تزويد الطائرات بالوقود في مطار بيروت الدولي. الاستعدادات لهذه المزايدة امتدت لنحو سنة تخللتها مجموعة من التعديلات التي طاولت شروط الاشتراك في المزايدة، بهدف فتح الباب أمام شركتين جديدتين للمشاركة في المزايدة والفوز فيها.


العقد السابق

يوم الأربعاء الماضي، انتهت مدّة العقد الموقع بين وزارة الأشغال العامة، وتحالف من ستّ شركات كان يلتزم تشغيل منشآت تزويد الطائرات بالوقود في مطار بيروت الدولي. وُقّع هذا العقد في 21 كانون الأول 1995، وجُدّد لأربع سنوات إضافية، أي إنه امتدّ على عشرين سنة، ويشمل استعمال مستودع تخزين بسعة ٦ آلاف متر مكعب، وخطّ الأنابيب الممتد تحت البحر ونظام وحدات المخارج.
خلال هذه الفترة، كان تحالف الشركات المؤلف من: توتال، جيتكو، كورال أويل، وردية هولدينغز، لاتس، إلف مد، يوزّع المبلغ المدفوع للدولة اللبنانية والبالغ 600 ألف دولار سنوياً على أعضائه الذين تقاسموا الأدوار أيضاً. لديهم مهمة واحدة وهي إدارة تدفقات وقود الطيران بين باعة الوقود وشركات الطيران، بما يتطلبه الأمر من عمليات إدارية وفنية تشمل الصيانة وسواها. لذا، كان هناك مجموعة من مستوردي الوقود الذين يتعاقدون مع شركات الطيران لتوفير حاجاتها من الوقود، وكما بات معروفاً، فإن كل شركة طيران متعاقدة مع شركة نفط معيّنة، باستثناء شركة طيران الشرق الأوسط التي تشتري الوقود من الشركات الستّ.
الشركات التي تبيع وقود الطائرات، التي تسمّى "مسوّق"، تستحصل على ترخيص بهذا الأمر من وزير الأشغال العامة والنقل الذي يحدّد شروط السماح لهذه الشركات ببيع الوقود في المطار. واللافت أن هذا الترخيص كان شرطاً أساسياً للمشاركة في عقد استثمار وتشغيل المنشآت، أي إن الشركات التي كانت تحمل هذه التراخيص شكّلت تحالفاً لتقاسم عقد الاستثمار والتشغيل.

تعديلات زعيتر

ما حصل في تموز 2015، أي قبل انتهاء مدّة العقد الموقع مع تحالف الشركات الست بنحو سنة وشهرين، أن وزير الأشغال العامة والنقل غازي زعيتر أصدر قراراً يعدّل شروط الترخيص لمسوقي وقود الطائرات في مطار بيروت الدولي. كان القرار السابق الصادر عن وزير النقل عمر مسقاوي في نيسان 1993 الذي يحمل الرقم ٨/ن/٩٣، يحدّد مجموعة شروط أبرزها "أن تكون شركة الوقود المعنية قد مارست فعلياً عمليات تزويد الطائرات بالوقود في المطارات الدولية لمدة لا تقلّ عن 15 سنة، أو أن تكون حاملة لترخيص رسمي وساري المفعول للعمل في مطار بيروت الدولي قبل صدور القرار".
تعديلات زعيتر جاءت ضمن القرار ٧٢٥/١ في 21 تموز 2015 لتعديل الشرط المذكور ليصبح على النحو الآتي: "أن تكون الشركات التي منحت التغطية الفنية قد مارست فعلياً عمليات تزويد الطائرات بالوقود في المطارات الدولية لمدة لا تقل عن 15 سنة". وهذا التعديل يسمح بمشاركة شركات في المناقصة، من دون أي خبرة لها في مجال تزويد الطائرات بالوقود، شرط أن تتحالف مع شركات لها خبرة في هذا المجال.
وتقول المصادر إن تعديلات زعيتر سبقتها خطوة أخرى، إذ إن الوزير أرسل كتاباً إلى الشركات العاملة في تزويد الطائرات بالوقود يلوّح فيه بإلغاء العقد مع الشركات الملتزمة إذا تبيّن أنها لا تستوفي الشروط الفنية. اللافت أن استيفاء الشروط الفنية يأتي بعد 19 عاماً على التزام هذه الشركات عملية تشغيل المطار، وأن الأمر انتهى إلى إدخال شركتين جديدتين للعمل كمسوقين في المطار هما: شركة فاست، وشركة هيبكو.
إذاً، ليس هناك فرق كبير بين المسوقين ومشغلي المنشآت، لا بل إن المادة الثانية من دفتر شروط المزايدة المتعلقة بالعارضين المسموح لهم بالمشاركة في المزايدة، تنصّ على أن "يكون العارض مجازاً لتسويق وقود الطائرات بموجب ترخيص صادر قبل جلسة التلزيم تبعاً لأي من قراري وزير النقل رقم ٨/ن/٩٣ أو وزير الاشغال رقم ٧٢٥/١ الصادر في تموز 2015".

قيمة افتتاح المزايدة تبلغ 1.5 مليار ليرة سنوياً لا تشمل الضريبة على القيمة المضافة

هكذا بدأت تتضح الصورة أكثر. دفتر الشروط والخطوات التي سبقته ترسم معالم نتائج المزايدة في اتجاه إتاحة المجال لهاتين الشركتين للمشاركة واللتين ليس لديهما الخبرة الأصيلة للمشاركة، بل ستحصلان على الخبرة من شركات أجنبية تتحالفان معها.

تحالفات وشراكات

بناء على هذه المعطيات، فإنه من الواضح أن هذه المزايدة ستشهد تنافساً بين تحالفين من الشركات، أو أكثر. ما يعزّز هذا الاستنتاج أن الشركات التي كانت تلتزم الاستثمار والتشغيل طوال السنوات العشرين الماضية، تعي تماماً ما حصل سواء لجهة المفاوضات الجانبية التي دارت بينهم وبين الوزير زعيتر، أو لجهة التعديلات التي أدخلت لاحقاً على شروط المشاركة أو على دفتر الشروط. وبحسب مصادر هذه الشركات، فإن التعديلات تسعى إلى إخراج من لا ينصاع بينها لرغبات الوزير.
وكالعادة، فإن دفتر الشروط الذي أرسلته وزارة الأشغال إلى إدارة المناقصات، تضمن الكثير من المواد غير الواضحة أو المتروكة للاستنساب، بما يترك مجالاً كبيراً للتأويل والتحريف والتضليل. وقد سجّلت إدارة المناقصات اعتراضات واسعة على بنود دفتر الشروط، إلا أن تجاوب وزارة الأشغال في هذا المجال اقتصر على الملاحظات غير الجوهرية، إذ تركت صيغة التحالف مفتوحة على مصراعيها بين الشركة المنفردة والشركة القائدة لتحالف شركات من دون أن يكون التحالف بينها قائماً قبل تقديم العروض وقبل أن ينشأ فعلياً بين أعضاء التحالف أي عقد شراكة منظم للاصول.
على أي حال، إن قيمة افتتاح المزايدة تبلغ 1.5 مليار ليرة سنوياً لا تشمل الضريبة على القيمة المضافة، على أن يدفع المستثمر للدولة اللبنانية علاوة استثمار مرتبطة بكميات الوقود المسلمة من المستثمر إلى المسوقين. إذا زادت الكميات المسلمة للمسوقين عن 100 مليون غالون أميركي، يزيد بدل الاستثمار وفقاً للشطور وتزيد العلاوة المرتبطة بالشطور أيضاً.
وبحسب مصادر نفطية مطلعة، فإن الشركات الست التي انتهى عقدها، كانت تبيع منذ عام 2006 إلى اليوم نحو 220 ألف طن من وقود الطائرات. هذه الكميات لم تزد خلال هذه السنوات لأسباب عديدة أبرزها أن عدداً كبيراً من الطائرت، وخصوصاً طائرات الميدل إيست لا تطير مسافات بعيدة بل قصيرة ومتوسطة، وبالتالي فإن الرحلات البعيدة غير متوافرة اطلاقاً من مطار بيروت مباشرة. ويضاف إلى ذلك أن صناعة الطيران اختلفت، إذ باتت الطائرات موفرة أكثر للوقود بنسبة لا تقل عن 25٪، ما أدى إلى عدم ارتفاع الطلب على الوقود ايضاً. كذلك فإن الطائرات الخاصة التي كان أصحابها يأتون بهدف السياحة توقفت عن المجيء إلى لبنان منذ سنوات.
لذا، فإن حجم الطلب على وقود الطائرات كان مستقراً خلال السنوات العشر الأخيرة، وحجم أعمال الشركات من تجارة وقود الطائرات كان كبيراً في السابق بسبب ارتفاع أسعار النفط العالمية، إلا أنه تراجع اليوم إلى 85 مليون دولار.




عائدات المستثمر

يتقاضى المستثمر الذي يشغل منشآت تزويد الطائرات بالوقود في مطار بيروت الدولي، أتعاب استلام وتخزين وأتعاب استخدام وأتعاب شهرية عن كل غالون أميركي من المسوقين، وأتعاباً مقطوعة من المستعملين الرسميين. أتعاب استلام وتخزين تستحق عند استلام المستثمر للوقود من المسوق بواسطة الصهاريج وتخزينه في مستودع التخزين وتبلغ 6.5 سنتات عن كل غالون أميركي وتعدّل سنوياً، أما أتعاب الاستخدام، فهي عندما يسحب المستثمر للوقود من مستودع التخزين ويسلمه إلى المسوق وتبلغ 2.5 سنتا عن كل غالون أميركي ويمكن أن تلحقها علاوة إضافية مع ارتفاع كميات الوقود المسلمة، والأتعاب الشهرية ثابتة وتبلغ قيمتها 60 ألف دولار من قبل المسوقين بالتساوي وتزداد سنوياً بنسبة 10 ٪ من الأتعاب الأساسية. أما الأتعاب المقطوعة من المستعملين الرسميين، فهي ما يتقاضاه المستثمر من الجهة أو الهيئة الحكومية التي تستعمل الخدمات التابعة للمستثمر مثل سلاح الطيران أو أي هيئة عسكرية، الذين يكونون مخولين بالاستعمال من قبل الحكومة اللبنانية وتبلغ قيمة هذه الأتعاب ٣ سنتات عن كل غالون أميركي ضمن حدّ أقصى يبلغ مليون غالون سنوياً.