«إن العيّنة (…) غير مطابقة للمواصفات المعتمدة لأنّ نسبة الأوكراتوكسين أعلى من المعدّل المسموح به، علماً بأنّ التحليل لهذه العيّنة تكرّر أربع مرات».

هذه واحدة من عينات القمح، الموجودة في مطاحن لبنان الحديثة، والخاضعة، بأمرٍ قضائي، لتحليل السموم الفطرية. لدى التدقيق في النتيجة الصادرة عن مختبر الفنار ــــ مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية ــــ يتبين أنّ نسبة «الأوكراتوكسين» فيها بلغت 10,8 ppb، علماً بأنّ النسبة المسموح بها هي بين صفر و3 ppb. ورقم الثلاثة هو المعدّل الأقصى المسموح به كي يكون القمح مقبولاً للاستهلاك. أما ما يجري في العينة التي كنا سنأكلها خبزاً، فتتخطى النسبة ما هو مسموح به وما هو مقبول أصلاً، لتصبح سمّاً قاتلاً.
وإذا ما أراد أحد مثلاً معرفة ما الذي يعنيه «القتل» بالأوكراتوكسين، فما عليه سوى «التعرّف» الى هذه المادّة المؤلّفة من كلمتين «أوكرا والتي تعني نوعاً من العفن أو الفطريات، وتوكسين التي تعني المادة القاتلة، والتي تصيب القمح في مرحلة التخزين وفي مرحلتَي الإنتاج والتوضيب أيضاً». وهذه المادة، بحسب التعريف البسيط، «معروفة بخطورتها وقد تؤدي إلى الوفاة، وخصوصاً أنها تسبب أمراضاً عدّة؛ منها ورم في الكلى والكبد والمسالك البوليّة (...)». وهذه المادة موجودة بنسبٍ قاتلة في القمح الذي كان مخزّناً في عنابر مطاحن لبنان الحديثة، المقفلة حتى الآن بقرارٍ قضائي لعدم استيفائها الشروط المطلوبة.

يجب إتلاف المواد الغذائية الملوثة أو المضرة بالصحة بشكل لا يسمح بإعادة استعمالها

تعود القصّة إلى قرار قاضي الأمور المستعجلة في بيروت، جاد المعلوف، في نيسان الماضي بوضع «الأختام والشمع الأحمر على مطاحن لبنان الحديثة وتكليف أصحابها بتفريغها من الحشرات المشكو منها وإتلاف مخزون أي إهراء يتبيّن فيه وجود أي حشرات وإبقاء الأختام لحين توفّر جميع شروط السلامة العامة والصحيّة داخل المطحنة»، بناء على شكوى عددٍ من المحامين والجمعيات الأهلية. يومذاك، تقدّمت خبيرة مكلفة من القضاء بفحص الواقع على الأرض ليتبين لها أن ما نأكله «قوارض وبعر فئران وصراصير وجرذان ميتة». بعد التقرير، أحضرت الجهة المستدعى بوجهها تقريراً من وزارة الزراعة يفيد العكس! استمر الواقع بين أخذ وردّ، إلى أن جرى التكليف، خلال فترة الإصلاحات التي طلبت من أصحاب المطحنة، أخذ عينات من القمح والطحين داخل المطحنة وإخضاعها لتحاليل تنوعت بين تحاليل السموم الفطرية والمعادن الثقيلة. وقد أثبتت التحاليل خلو بعض العينات من الشوائب أو وجودها بشكلٍ لا يتعارض مع المسموح به، فيما بينت التحاليل لعينات أخرى وجود مواد بنسب قاتلة؛ منها مادة «الأوكراتوكسين» في خانة «تحاليل السموم الفطرية» ومادة «الكادميوم» في فحص تحاليل المعادن الثقيلة. وهذا الأخير يعرّض الإنسان لمرض الفشل الكلوي وارتفاع ضغط الدم.
هذه المواد موجودة في مجمل عينات القمح الذي كانت تبيعه إحدى المطاحن الأساسية الخمس في بيروت. هذا هو تعريف الكارثة. وجود مواد مسرطنة في مادة غذائية رئيسية. أما الكارثة الأكبر، فهي مطالبة أصحاب المطحنة، وهي تقدّم الجهة المستأنف بوجهها من قبل مجموعة من المحامين والجمعيات الأهلية، بطلب أمام القاضي المعلوف، للترخيص لها ببيع «كميات من النخالة وتصدير القمح الملوّث بسموم الأوكراتوكسين إلى الخارج (...)». هذا الطلب لقي تجاوباً من المعلوف الذي أصدر قراراً في 21 الجاري يقضي بتسعة بنودٍ، لعلّ أهمها الترخيص للجهة المستدعى بوجهها ببيع النخالة الموجودة «وإخراج القمح الذي يتعدى معدل الأوكراتوكسين فيه النسبة المسموح بها في لبنان إلى خارج البلاد». وأقصر الطرق إلى خارج البلاد هي «طريق سوريا»، يقول أحد المدعين. وأكثر من ذلك، دعا القرار إلى فضّ الأختام تدريجاً وإزالة الجنازير في المطحنة، على أن يعاد العمل فيها بعد صدور «قرار بذلك».
هكذا، صدر القرار بالتصدير. بمعنى آخر، تسفير القمح الملوث من الأراضي اللبنانية إلى الأراضي السورية. فما الذي يعنيه هذا القرار؟ وهل هو «مطابق» للمواصفات القانونية؟ وهل تقتل مادة «الأوكراتوكسين» اللبنانيين فقط، فيما السوريون أو غيرهم ممن هم خارج البلاد لديهم مناعة؟
كلها أسئلة مشروعة تحتاج إلى أجوبة غير جاهزة على أرض الواقع. أما في القانون، فالحديث يطول عن القرار «المستوجب فسخه لمخالفته أحكام المادة 109 من قانون حماية المستهلك أولاً ولأحكام المادتين 5 و9 من المرسوم الاشتراعي رقم 83/91 وللقرارين 159/1 و160/1 الصادرين عن وزير الزراعة العام الماضي»، بحسب ما ورد في «الاستحضار الاستئنافي» الذي تقدمت به الجهة المستدعية.
لماذا الفسخ؟ أولاً لأن هذا القرار يخالف المادة 109 من قانون حماية المستهلك التي تمنع «الإتجار بمواد غذائية فاسدة أو ملوثة أو منتهية مدة استعمالها أو التعامل بها (…) تحت طائلة العقوبة بالحبس من سنة الى ثلاث سنوات وبالغرامة من مئة مليون الى ثلاثمئة مليون ليرة». أما المادة الخامسة من المرسوم الاشتراعي الرقم 71، فتنص على «إتلاف» المواد الغذائية الملوّثة أو المضرّة بالصحّة أو غير الصالحة للاستهلاك البشري بشكل لا يسمح بإعادة استعمالها أو تصنيعها. وتتكفل المادة 9 من المرسوم نفسه بالتتمة، فتنص على أن كل مخالفة «لأحكام المرسوم يعاقب مرتكبها بالحبس حتى ستة أشهر وبغرامة (…) وكل من أقدم وهو عالم بالأمر على طرح مواد غذائية ملوثة أو فاسدة أو منتهية مدة استهلاكها أو على التعامل بها في السوق الداخلي والخارجي، يعاقب بالحبس (...)».
وبناء عليه، تعدّ مخالفة هذه النصوص «جرماً جزائياً». وعلى هذا الأساس، طلبت الجهة المستدعية فسخه. ولا يتوقف الأمر هنا، فالقرار القضائي الذي يقضي ببيع الطحين في أرض المطحنة كعلفٍ حيواني يخالف أيضاً مضمون القرارين الصادرين عن وزير الزراعة اللذين ينصّان على ضرورة تأمين أعلى مستوى من الحماية للصحة الحيوانية والصحة العامة. وهذا يقضي بوجوب خلوّ المواد العلفية من الشوائب الحيوانية والنباتية وفق نسب معينة (...)». كل هذا، «يستوجب الطعن»، بحسب نص استئناف القرار المخالف «لمواد قانونية جزائية» ووقف تنفيذه. وهو ما دفع برئيسة محكمة الاستئناف المدنية في بيروت الناظرة في قضايا العجلة، جانيت حنا، الى وقف تنفيذ البنود المتعلقة بالترخيص «ببيع النخالة وتصدير القمح إلى الخارج وبيع الطحين المشوب كعلف حيواني». قرار يبقى مؤقتاً لحين «بتّ طلب وقف التنفيذ في ضوء جواب المستأنف عليها وإبلاغ من يلزم».