أشجار التفاح المثمرة متروكة برغم قرب انقضاء موسم القطاف. هذه ليست مبالغة بل حال غالبيّة بساتين التفاح في الجرود اللبنانيّة، بعدما اختار المزارعون تركها لتتلفها الطبيعة، بدل تحمّل كلفة إضافيّة في قطافها، تُراكم خسارتهم نتيجة أزمة تصريف الإنتاج. فهؤلاء تكفيهم الديون المستحقّة لمصارف لجأوا إليها لاقتراض ما يسعفهم في إنتاج التفاح، كان من المفترض أن يحوّلوا بدلاته لدفع أقساط المدارس، وتأمين مصاريف المعيشة التي باتت أكثر من صعبة عليهم.

ملامح الخيبة التي ترتسم على وجوههم بعد رهن أراضيهم وقطع أشجارهم وتلف إنتاجهم، لم تترك أمامهم سوى الجلوس وتذكّر حقب سابقة مرّت عليهم. فهؤلاء لم تعد تعنيهم الدعوات للتمسّك بأرضهم دون أي مقوّمات للصمود فيها. يجلسون تحت أشجار التفّاح، احدهم يترحّم على أيّام الرئيس كميل شمعون ويتذكّر كيف "أجبر بحنكته السياسيّة الأميركان على شراء التفاح في الخمسينات برغم أنهم رموه في البحر". آخر لا يعود بالزمن بعيداً ويقاطع رفيقه قائلاً "ما تروح بعيد، تذكّر سنة الـ2003 لما (رئيس الجمهوريّة السابق إميل) لحّود تحدّى الحريري، وأجرى مسحاً لكلّ بساتين التفاح وخصّص يوماً كاملاً لعرض المنتجات في الشوارع اللبنانيّة، بيع بنتيجتها الموسم كاملاً؟".

ارتفع الإنتاج هذا العام إلى 150 ألف طن ولم يصدّر حتى اليوم سوى 14.800 طن فقط

أزمة متكرّرة

الأزمة الممتدّة من عكار شمالاً إلى شبعا جنوباً انفجرت، صباح أمس. تحرّك رمزيّ نظّمته التعاونيّة الزراعيّة في العاقورة، ذكّر كثيراً من اللبنانيين بأزمة تتكرّر سنوياً من دون إيجاد الحلول الجذريّة، ودفعتهم للتضامن افتراضياً على منصّات مواقع التواصل. أمّا على أرض الواقع فقد استمر "اللعي" نفسه، إذ بعد ساعتين من إقفال المسلك الغربي لأوتوستراد جبيل بصناديق التفّاح وأجسام المزارعين الجبيليين، فتحت القوى الأمنيّة الطريق أمام العابرين الذين استفادوا من التفاح الذي وزّع عليهم مجاناً، ودعا وزير الزراعة المعتصمين إلى اجتماع معه، اليوم، للبحث في الحلول، بحسب رئيس بلدية العاقورة منصور وهبي الذي اشترط أن تكون "حلولاً تضمن كرامة المزارع ولا تذلّه أكثر، وإلّا فالتصعيد". مؤكّداً أن "العمل جارٍ لتأسيس هيئة رسميّة لإتحاد بلديات التفاح (مؤلّفة من 45 بلدة) ستعمل على فتح صندوق تعاضدي للمزارعين لمواجهة الكوارث الزارعيّة، ورسم خطّة عمل لامركزيّة لضمان كرامة المزارع، وبقائه في أرضه، بدل أن يتحوّل الى مشروع مهاجر".
أمّا مدير التعاونية الزراعية في العاقورة رشيد الهاشم، فيؤكّد أن "هناك إجماعاً على شلّ البلد اذا لم تبادر الدولة التي لم تهتم يوماً بالمزارع إلى إيجاد حلول تعفيه من رسوم الشحن إلى روسيا أُسوة بالدولة السوريّة، وإلزام المنظّمات الدوليّة بشراء الإنتاج كما باقي دول النزوح"، ويضيف: "المزارعون ليسوا مواطنين درجة عاشرة".

أزمة التصريف

تعدّ هذه السنة الأسوأ بين كلّ السنوات السابقة، إذ ارتفعت الكميّة المنتجة من 90 ألف طن إلى 150 ألف طن، فيما تصريف الإنتاج يتراجع سنوياً، فبعدما ارتفع من 26 ألف طن عام 2003 إلى 85 ألفاً عام 2010، انخفض إلى 40 ألف طن العام الماضي، ولم يصدّر هذا العام حتى اليوم سوى 14.800 طن فقط.
وبدأت الأزمة تلوح في الأفق منذ اندلاع الحرب السوريّة وتوقف التصدير البريّ (عبر الطرق الدوليّة البريّة مع سوريا) وبدء تراجع الأسعار، فخلال ست سنوات تراجع الكيلوغرام الواحد من 1200 ليرة إلى 300 ليرة. واستفحلت الأزمة منذ عام 2014 بعدما فرضت روسيا حظراً على المنتجات الأوروبيّة التي تحوّلت إلى الأسواق الأفريقيّة والعربيّة ومن ضمنها مصر، التي تعدّ المستورد الأكبر للتفاح اللبناني بنسبة 70%.
هكذا أضيفت إلى مشكلة تراجع الأسعار أزمة تصريف الإنتاج، ومنافسة أجنبيّة حتى في السوق المحليّة التي دخلها العام الماضي 2500 طن من التفاح الإيطالي (مُعفى من الرسوم الجمركيّة) وبيع بـ2000 ليرة (سعر الجملة)، يضاف إليها هذا العام قضاء حبّات البرد على نحو 80% من الموسم الذي لم يعد يصلح سوى لاستخدامه في الصناعات الغذائيّة.
وبحسب الهاشم، يباع اليوم "صندوق التفاح المعروب بـ5 آلاف ليرة لبنانيّة فيما كلفته تصل إلى 10 آلاف ليرة، أمّا التفاح المضروب بالبرد، فلا يجد المزارع من يشتريه، وخصوصاً أن لا معامل للصناعات الغذائيّة لدينا، وما من سياسة تشجيعيّة للمزارع الذي يعيش وضعاً مأساوياً، وهناك نحو مليون إنسان مهيّأ للعيش تحت الحدّ الأدنى للفقر".

حلول "الزراعة"

"موضوع تصريف إنتاج التفّاح هو أولويّة" هذا ما تؤكّده مصادر في وزارة الزراعة لـ"الأخبار"، مشيرة إلى أن "هناك مساعي لتخفيف الأزمة التي لا قدرة للمزارعين على تحمّلها". وتقضي خطّة الوزارة بـ: 1- البحث على أسواق جديدة. 2- حلّ أزمة السوق المصريّة حيث يعاني التفاح اللبناني منافسة في النوعية والسعر. 3- البحث بتعويضات للمزارعين. 4- شراء المنظّمات غير الحكوميّة قسماً من المحصول اللبناني وتوزيعه ضمن السلل الغذائيّة للنازحين السوريين. 5- العمل بالإجازة المسبقة للتصدير التي تمنع إستيراد منتجات خارجيّة لا تستوفي الشروط المفروضة. 6- البحث في تصدير 25% من الإنتاج المضروب بالبرد لاستعماله في الصناعات الغذائيّة. 7- البحث مع روسيا لفتح الأسواق وإلغاء التعريفات الجمركيّة البالغة 250 دولاراً/طن.
لكن برغم ذلك، لا أرقام أو نتائج نهائيّة حتى اليوم.

هل من أمل؟

يبلغ عدد مزارعي التفاح 26 ألف مزارع من أصل 250 ألف مزارع لبناني، يفقدون يومياً الأمل في الاستمرار. انخفض عددهم على مدار السنين، بعضهم باع أرضه ونزح بحثاً عن وظيفة في المدن، وبعض آخر فضّل البحث عن زراعات تدعمها الدولة أو توليها بعضاً من اهتمامها. فمنذ عام 2001 تاريخ بدء العمل ببرنامج "كفالات" لضمان القروض والودائع لكلّ القطاعات الإنتاجيّة وحتى اليوم، مُنح 5000 قرض فقط.
بالنسبة لرئيس جمعية المزارعين اللبنانيين أنطوان الحويك يكمن الحلّ الآني والوحيد في: 1- إعادة فرض رسوم جمركيّة على المنتجات الزراعيّة الأوروبيّة التي ألغيت بموجب إتفاقيّة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي (كانت نحو 1500 ليرة على كلّ كيلوغرام). 2- إعادة التنافسيّة إلى المنتج اللبناني عبر دفع كلفة الشحن إلى الأسواق الخارجيّة. 3- إلزام المنظّمات والجمعيّات غير الحكوميّة على شراء التفاح أُسوة بباقي البلدان بدل أن تستوردها من دول أخرى.
ثلاث خطوات كفيلة بحسب الحويك بإنقاذ الإنتاج على أن يشمل الحل المستدام (رفضه حاكم مصرف لبنان رياض سلامه ورئيس الهيئات الاقتصادية عدنان القصّار) العمل على إستحداث غرف زراعيّة مستقلّة وظيفتها إنشاء معامل للصناعات الغذائيّة، تساهم في تصريف جزء من الإنتاج عبر التصنيع. إنشاء مصرف إنماء زراعي يقدّم قروضاً للمزارعين لقاء وضع التفاح في البرّادات، على أن يسدّدوها بعد بيع الإنتاج، بدلاً من اللجوء إلى قروض المصارف التجاريّة ذات الفوائد المرتفعة. وتحديد سلم دعم متحرّك للأسعار بدل "المقطوعة" التي تدفع لبعض المنتجات سواء بيعت بأسعار مرتفعة أو منخفضة.