تكاد الاتصالات السياسية توحي بأن انتخاب رئيس جديد للجمهورية، سيكون في غضون أيام قليلة. وهذه المرة، التفاؤل ليس من باب الأمنيات وحسب. فعلى ما رشح ليل أمس، قرر الرئيس سعد الحريري فتح الباب الذي يؤدي إلى انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية. مقربون منه يقولون إنه أطلق مساراً يمكن أن يؤدي إلى وصول عون إلى قصر بعبدا. لكن حتى اليوم، تواجهه عقبات كثيرة، أبرزها مواقف كل من الرئيس نبيه بري والنائب سليمان فرنجية، و»صقور» كتلة المستقبل. وبري هو أشدّ المعترضين على انتخاب عون رئيساً، وعبّر عن ذلك لحزب الله والمستقبل معاً. وهو يرى في وصول عون خطراً على «التركيبة» السياسية الحاكمة، ويخشى من تضاعف قوة الجنرال ونفوذه و»حصته» في حال وصوله إلى الرئاسة. وترى مصادر مطلعة على المفاوضات السياسية، أن رئيس المجلس يطالب بضمانات، قبل الموافقة على أي تسوية، منها التفاهم على شكل الحكومة المقبلة وقانون الانتخابات النيابية وتوزيع الحقائب الوزارية (الحصول، مثلاً، على وزارة المال، لكون حامل الحقيبة يملك حق الفيتو على أي مرسوم أو قرار تصدره الحكومة) وعلى إدارة ملف النفط. وفيما وعد الحريري بمحاولة حلّ عقدة النائب سليمان فرنجية من باب إبلاغه بأن الاستمرار في دعم ترشحه يعني إطالة أمد الانتظار، في ظل تمسك حزب الله بترشيح عون، وعد الحزب وعون بالمبادرة نحو الرئيس نبيه بري، سعياً إلى إزالة التوتر الذي ساد العلاقة بين رئيس حركة أمل ورئيس تكتل التغيير والإصلاح. لكن تبقى أسئلة مركزية لم يتمكّن أحد من الإجابة عنها: ما هو الموقف الحقيقي للسعودية مما يجري؟ وهل صحيح أن الحريري قرر «فرض أمر واقع» على الرياض لإجبارها على التعامل معه كرئيس للحكومة، أم أن هذه الفرضية لا تعدو كونها وهماً؟ وهل بارك حكام السعودية خطوة الحريري؟ أم أنهم سيُحبطون مساعيه قريباً؟
يستمر العونيون بالإعداد لخطوات النزول إلى الشارع من دون كشف تفاصيل التحركات

قد يحمل الوزير وائل أبو فاعور معه بعض الإجابات عند عودته من الرياض التي زارها أمس. حتى ذلك الحين، يستمر العونيون بالإعداد لخطوات النزول إلى الشارع، رغم أنهم لم يكشفوا بعد ما ينوون القيام به.
ومن بين مجمل الاحتمالات كما ارتسمت في الساعات الماضية، فإن المؤكّد الوحيد هو أن «لا انتخابات رئاسية في الأسبوع الجاري»، وأن الحريري «عاد بهدف إطلاق مسار، في حال عدم عرقلته، يُمكن أن يؤدي إلى تسوية انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية». وكشفت المصادر عن «مفاوضات جرت سابقاً كانت بمثابة ورقة إعلان نيّات بين العونيين والمستقبليين، وتحديداً بين الوزير جبران باسيل ومدير مكتب الرئيس الحريري نادر الحريري، لكنها لم تكتمل»، وكانت «تتضمن السّلة المتكاملة التي يطالب بها الرئيس نبيه برّي، بدءاً بالرئاسة، مروراً بالنفط والحكومة وقانون الانتخابات، وصولاً إلى توزيع بعض الحقائب التي يطالب الرئيس برّي بأن تبقى من حصّته، تحديداً وزارة المالية». لكن حتى الآن «لم تتقدم هذه المفاوضات أي خطوة إلى الأمام، إذ إن الرئيس برّي لا يزال المعارض الأول للتسوية. وهو أبلغ سابقاً من يعنيهم الأمر أنه يرفض رفضاً قاطعاً انتخاب عون، ولا يزال مُصراً على السلّة المتكاملة». واللافت أن الذين يفاوضون الرئيس برّي لإقناعه بالتسوية هم المستقبليون الذين «يتلطّون وراء معارضة برّي في كل مرّة يشعرون بأن الفيتو السعودي لا يزال قائماً على عون»، وهم يتولون مفاوضة برّي، وهم غير متأكدين من أنه سيسير به.
على خط آخر، برزت معطيات جديدة يمكن أن تقدم في المسار الذي يتبعه الحريري، بعد تأكيد أوساط سياسية أن «الرئيس برّي عدّل في موقفه، وهو يؤيد التوافق وفق السلّة المتكاملة»، مشيرة إلى «اتصالات حصلت في الفترة السابقة بين عون وبرّي»، وإلى زيارة قام بها المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم إلى الرابية طالباً من العماد عون «تهدئة الأمور تجاه برّي»، سبقتها اتصالات بين الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله وعون، طلب خلالها الأخير التعاون لإقناع رئيس المجلس بالتسوية. وفي هذا الإطار، علمت «الأخبار» أن العونيين سيقومون بمبادرة تجاه عين التينة، بعد التأكد من أن الحريري تخطّى العقبة المتعلقة بفرنجية والمعارضين في تياره، وتحديداً الرئيس فؤاد السنيورة، وكذلك بالرئيس برّي، علماً بأن الأخير، بحسب بعض المصادر، «كان يتصرف في الساعات الأخيرة وكأنه يخشى أن يقدم الحريري على خطوات منفردة في الملف الرئاسي من دون التشاور معه».

ينتظر كثيرون عودة بوفاعور من الرياض لمحاولة فهم موقف حكامها

وفيما كان الحريري قد استهل عودته إلى بيروت بزيارة بنشعي، صدر بعد اللقاء بيان أكد أنه «جرى الاتفاق على توسيع مروحة الاتصالات في سبيل انتخاب رئيس». وكشفت مصادر اللقاء أن «الحريري أكّد أنه سيبقي الباب مفتوحاً والخيارات مفتوحة في شأن قراره بتسمية الرئيس الجديد، وهو إذ أكد لفرنجية تمسّكه بترشيحه، إلا أنه أبلغه أيضاً أن أي قرار جديد لن يتخذه إلا بالتشاور معه، وأنه سيزور عون وعدداً من القيادات السياسية للتشاور معهم لإحداث خرق رئاسي. وهذا يعني أن الاحتمالات متعدّدة أمامه، ولا سيما لجهة عدم إقفال الحوار مع عون». ولفتت مصادر بنشعي إلى أن «الحريري وفرنجية ناقشا جميع الخيارات المطروحة، ونتائجها على البلد»، مؤكدة أن فرنجية «لم يسمع من الحريري أي كلمة توحي بأنه يريد التخلّي عنه، وبناءً عليه أكد رئيس تيار المردة أنه مستمر في ترشّحه».
مقربون من الحريري أكدوا أن اللقاء الذي حصل، هو «واحد من لقاءات عديدة ستجمع الحريري بمختلف الأفرقاء، خصوماً وحلفاء، لبلورة بعض الأفكار قبل حسم خياره تأييد عون أو تأكيد التمسك بخيار فرنجية». ولفت هؤلاء إلى أنه بمعزل عن ملف الرئاسة، فإن «رئيس تيار المستقبل عاد إلى لبنان للتنسيق بداية مع رموز المستقبل وفريق 14 آذار، واضعاً الجميع أمام مسؤوليتاهم لعلمه أولاً بأن وحدة تياره باتت مهددة من جهة، وشعبيته معرّضة للانهيار من جهة أخرى»، مؤكدين أنه «سيعرض وجهة نظره للأحداث وكل الفترة الماضية، ولن يترك طرفاً إلا سيفتح معه باباً للتشاور». وكشفت مصادر الحريري أن «ثمّة من يطرح على الرجل إعلان التراجع عن تأييد فرنجية، ليس لمصلحة عون، بل لحشر رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع». بمعنى أن «يعلن الحريري أنه تخلّى عن مرشح ينتمي إلى فريق الثامن من آذار، ويعيد الحديث عن مرشّح توافقي، كي يدفع جعجع إلى التخلّي عن عون». وأكدت المصادر أن «حزب الكتائب يلعب دوراً كبيراً في هذا الشأن»، حيث يحاول إقناعه بأنه «سيستطيع بذلك أن يستعيد دوره وحضوره بين جمهوره»، في الوقت الذي يجهد فيه الوزير أشرف ريفي في الاستثمار داخل البيئة السنية». في المقابل «يرفع البعض أمام الحريري تنبيهاً مفاده أن مرور الجلسة المقبلة من دون انتخاب رئيس سيزيد من إصرار عون على التصعيد، وأن انتخابه سيكون معبر خلاص بالنسبة إليه». وقالت المصادر إن «الحريري قد يكون قد حسم قراره، لكنه يبحث عن مخرج في ظل اصطدامه بعقبتين: الأولى عقبة الجناح الذي يقوده السنيورة، والثانية برّي الذي يتقاطع مع موقف رئيس كتلة المستقبل، ويجمّد قرار النائب وليد جنبلاط». وفي الإطار نفسه، أوفد جنبلاط الوزير وائل بو فاعور إلى السعودية استباقاً لأي خطوة يمكن أن يقوم بها الحريري في الملف الرئاسي، ولإبلاغ المسؤولين السعوديين أنه لا يمكن أن يستعدي المسيحيين ويقف في وجه خياراتهم.