أكثر من 4.5 ملايين دولار، بلغت خسارة نقابة المحامين في بيروت، الناتجة من عجزٍ في تسديد كلفة الإستشفاء الى شركة "غلوب مد" المُكلّفة إدارة الصندوق التعاوني التابع للنقابة، بموجب عقد تعاون وُقّع العام الماضي، في عهد النقيب السابق جورج جريج.

تُظهر أرقام التقرير الذي وزّعه النقيب الحالي انطونيو الهاشم على أعضاء مجلس النقابة أن كلفة الإستشفاء في الفترة المُمتدة من 1/4/2015 حتى 31/3/2016، المُترّتبة على المحامين المُستفيدين من الصندوق التعاوني بلغت 25,987,771 مليون دولار، فيما قُدّر المبلغ المتوافر في الصندوق بـ 21,460,223 مليون دولار، ما يعني وجود عجزٍ يفوق 4,5 ملايين دولار (العجز الأولي قبل الدخول في تفاصيل العقد).
هذه الأرقام مثّلت مُفاجأة للمحامين، إذ كان مُتوّقعاً أن يحقّق العقد الجديد الذي وقّعه النقيب السابق جريج، العام الماضي، مع شركة "غلوب مد" لإدارة الصندوق التعاوني التابع للنقابة، وفرا يستفيد منه المحامون المُنتسبون المُقدّر عددهم، بحسب جريج، بنحو 8 آلاف. إلا أن الكشوف المالية الأولية للعام التأميني 2015/2016 أظهرت العكس، وبيّنت عجزا من المتوقع أن يتحمّل تبعاته المحامون الذين قد يضطرون إلى دفع زيادات عما كانوا يدفعونه سابقا. فما الذي حصل؟
لسنوات طويلة مضت، كانت نقابة المحامين تعمد الى التعاقد مع شركات تأمين لتغطية التكاليف الصحية والإستشفائية للمحامين المنتسبين الى النقابة. وفي 10 آذار 2015، احتفل المحامون بتوقيع ما سُميّ "عقد إدارة الخدمات الطبية والإستشفائية". حينها، أُعلن "إطلاق صندوق التعاضد للمحامين وعائلاتهم"، لتغطية تكاليف الخدمات الطبية والإستشفائية عبر تلزيم شركة لإدارة هذا الصندوق (غلوب مد)، عوضا عن التعاقد مع شركة تأمين.
الهدف من هذه الخطوة كان، بحسب رئيس اللجنة التي كلّفها جريج دراسة جدوى المشروع النقيب السابق انطوان قليموس، "تحقيق وفر (...) يكون نواة احتياط يُستعمل لتقديم خدمات إضافية للمحامين".
وينقل المحامي ابراهيم مسلّم عن مدير "مد نت" (الشركة الأم لـ "غلوب مد") منير خرما أن قيام الصندوق التعاوني بهذه الخدمات من شأنه أن يوفّر على النقابة 40% من نفقات الإستشفاء، التي تُمثّل نفقات الإدارة وأرباح الشركات، اضافة الى توفير الطابع البلدي الواجب على العقد، الذي يمثّل وحده 11% من قيمة العقد.

من أين أتى العجز إذا؟

يتهّم عدد من المحامين "غلوب مد" بعدم تقديم الأسعار التفضيلية التي وُعدوا بها، وبالتالي تسببها بالخسارة الأولية، فيما يصوّب آخرون على النقيب السابق وطبيعة العقد "المشكوك في أمره".
وفي كتابٍ مُقدّم إلى نقابة المحامين، يقول المحامي مسلّم إنه من خلال النقاشات وعرض المشروع من قبل قليموس والمدير المسؤول لشركة "غلوب مد" وليد حلاسو "ظهر أن شيئاً ما غير واضح يتعمّد إخفاؤه بالنسبة لتكاليف الإدارة وسلطة وأجهزة المراقبة وطريقة احتساب الرديات والشروط التفضيلية التي سيستفيد منها الصندوق التعاوني بالنسبة لتسعيرات المُستشفيات والمختبرات ومراكز التشخيص والأشعة"، لافتاً الى أن "الأتعاب التي ستتقاضاها الشركة غير كافية لتغطية نفقاتها للقيام بالادارة السليمة والصحيحة لهذا الملف". ويستند مسلّم الى دراسة أعدّها مجلس إدارة "مد نت"، الشركة "الأم" لـ "غلوب مد".
ويستعرض الكتاب بعض الوقائع بهدف طرح شكوك حول حيثيات العقد الموّقع "الذي لم يُنشر ولم يطّلع عليه اعضاء مجلس النقابة". فعلى سبيل المثال، وُزّع بتاريخ 1/4/2015 كتيب "دليل ونظام الاستشفاء" يحمل رمزَي النقابة و"غلوب مد" ويغفل دور الصندوق التعاوني في الشق المتعلق بكيفية الاستفادة من برنامج التقديمات الصحية والاستشفائية، وهو ما عُدّ أمراً لافتاً.
يقول مسلم (عبر الكتاب) أنه منذ هذا التاريخ والأمور سارت على نحو مخالف لقوانين وأنظمة النقابة "وكأن لا وجود لصندوق تعاوني ولا وجود لنظام داخلي لهذا الصندوق ولا وجود لجمعية عمومية للمحامين، وأخفي العقد الموقع مع شركة الادارة، وأصبح السؤال عن العقد من المحظورات".
والمُفارقة التي يُبرزها مسلم هي إشارته الى إغفال العقد الموّقع (بعدما تمكّن من الحصول على نسخة منه أواخر أيار) ذكر الصندوق التعاوني، صاحب الصلاحية الحصرية والصفة للتعاقد والالتزام بخصوص الخدمات والمنافع الصحية، وذلك بعدما تبيّن أن العقد عبارة عن عقد تعاون بين نقابة المحامين في بيروت بشخص النقيب جورج جريج وشركة "غلوب مد".
بعض المحامين وصفوا خطوة النقيب بالإستغناء عن شركة التأمين وتفعيل صندوق التعاضد وتلزيم إدارته السابق بـ "المُستغربة"، مُتجنّبين البحث في النيات التي دفعته نحو اتّخاذها، وخصوصا أن هذا المشروع كان مطروحا في المجالس السابقة منذ سنوات طويلة، إلا أنه لم يجر تبنيه تفاديا للمجازفة، بحسب أكثر من محام.
ويوضح النقيب السابق نهاد جبر لـ "الأخبار" أن هذا المشروع "كان مطروحا منذ عام 1996. حينها، استندت النقابة في رفضها المشروع الى دراسة قُدمت الى النقابة توصي بعدم صوابية اعتماده. كذلك عام 2003، قُدّمت الى النقابة دراسة أعدها الخبير الاكتواري ابراهيم مهنا تُفيد بالخلاصة نفسها". وهذا ما يؤكده أيضاً النقيب السابق ريمون عيد الذي يلفت الى وجود دراسات سابقة أوصت بعدم إمكانية تطبيق مشروع كهذا.

كان الهدف من اطلاق الصندوق تحقيق وفر يستفيد منه المحامون

من جهته، يؤكد جريج في اتصال مع "الأخبار" أن هذا المشروع "من أهم انجازات النقابة"، لافتا الى أن هذه الأرقام ليست نهائية بل هي نتيجة سنة واحدة فقط، "وهذه الخطوة جديدة بطبيعة الحال، وتحتاج الى سنتين لتحقيق الهدف المرجو وهو الوفر". وتوقع أن تحقق النقابة "وفرا بقيمة 700 ألف دولار"، لافتا الى أن زيادة ستفرض على رسوم المحامين لتسديد التكاليف، وهذه الزيادات "طبيعية".
لماذا لم يُنشر العقد ولم يطّلع المحامون على دفتر الشروط المتعلق بتلزيم الشركة إدارة الصندوق؟ يقول جريج إن لجنة ضمّت خبراء ألّفت لدرس المشروع من 8-1-2014 حتى 22-2-2015، وعندما جرى التصويت على القرار، كان ذلك بحضور نقباء سابقين وأعضاء مجلس نقابة، مضيفا ان العقد وُقع "في اجتماع عام (...) وكل العقود تُجرى بهذه الطريقة".
هذا الكلام يتناقض مع ما يقوله جبر، الذي يؤكد أن النقيب جريج لم يستشر أحدا ولم يدعُ النقباء السابقين الى جلسة "بل صودف وجود نقيبين سابقين هما ريمون عيد وميشال خطّار".
وفي اتصال مع "الأخبار"، قال عيد إنه سجّل والنقيب خطّار اعتراضا على اقرار المشروع "وقلنا اننا سنخسر، لكن لم يؤخذ برأينا"، واصفا خطوة جريج بـ "غير الموّفقة"، ومشيرا الى أنه على المحامين المنتسبين حاليا دفع نحو 20% زيادة عما كانوا يدفعونه لتسديد العجز، منتقدا توقيع العقد لمدة 3 سنوات، لأن "هذا النوع من العقود يجب ان يكون على سنة تفاديا لتداعياته".
وفي وقت يشير جريج الى تحقيق وفر في السنتين المقبلتين بالتزامن مع زيادة الرسوم على المحامين، يرى جبر أن العجز قد يصل الى 15 مليون دولار اذا استمر العقد بهذه الصيغة، داعياً الى فسخه "لأن شركة التأمين أخلّت به وبالتزاماتها".
يكتفي بعض المعنيين في "غلوب مد" بنفي وجود خلاف مع نقابة المحامين، مُحيلين الإجابة عن "تفاصيل أكثر" إلى القسم الإعلامي المسؤول في الشركة. وقد حاولت "الأخبار" على مدى يومين التواصل مع القسم، لكنه لم يردّ على اتصالاتها.
النقيب الحالي انطونيو الهاشم رفض التعليق على الأمر، مكتفيا بالقول: "الأمر مش للحديث، حساباتنا ما خلصت بعد"، نافيا أن يكون هناك خلاف مع الشركة.
وتقول مصادر مطّلعة في النقابة إن الأخيرة لا تريد "ترويج" خلاف مع الشركة، إدراكا منها بأن خطوة النقيب "خاطئة"، وأن "الخلل يكمن في طبيعة العقد"، وبالتالي "ليس من مصلحتها التوّسع في البحث عن دوافع خطوة النقيب".
بدوره، يضع المحامي مسلّم بتصرّف النقابة بعض الملاحظات القانونية التي تستوجب فسخ العقد والإبطال "على مسؤولية موقّعيه الشخصية مع تحميلهم كافة التبعات القانونية والمادية الناتجة من هذا الفسخ" (على مسؤولية النقيب)، وذلك لأسباب كثيرة منها: مخالفة العقد لقوانين النقابة وأنظمتها (وخصوصا القانون الرقم 58/66 المُتعلّق بإنشاء صندوق تعاوني لدى كل من نقابتي المحامين في بيروت والشمال)، فضلا عن ان العقد يرتب على النقابة التزامات مالية تخرج عن صلاحيات النقيب ومجلس النقابة، ذلك أن صلاحية بت هذا النوع من الالتزامات يعود الى الجمعية العمومية للمحامين والى الصندوق التعاوني وفق آليات وقواعد محددة في القرار الرقم 57 المتعلّق بالنظام الداخلي للصندوق، وبالتالي التوقيع على هذا العقد من قبل النقابة يُمثل مخالفة جوهرية لأنظمة النقابة مع ما يرتبه ذلك من تبعات قانونية ومادية على مرتكبيها. وأخيرا، عدم اطلاع الجمعية العمومية للمحامين على العقد ومندرجاته والالتزامات الناتجة منه للتصويت عليه وعلى مضمونه.
ينطلق مسلّم من هذه الملاحظات ليؤكد أنه "لا يمكن بأي شكل من الأشكال تحميل صندوق النقابة وماليتها نتائج الأخطاء الجسيمة المرتكبة من قبل النقيب ومجلس النقابة تحت أي ذريعة".