ليست المرة الأولى التي يفكر سعد الحريري جدياً في تأييد ميشال عون رئيساً للجمهورية. على الأقل في كانون الثاني 2014، بعد لقائهما الباريسي المؤجل الإعلان، فاتح الحريري أكثر من شخص وجهة، باحتمال ترشيحه عون. تماماً كما فعل منذ أسابيع، وعشية عودته الأخيرة إلى بيروت.

الذين يعرفون الرجل، يقولون إنه في المرة الأولى، كانت رغبته في التعاون مع عون، مترددة ملتبسة. لكن قدرته يومها على تجسيد خياراته، كانت أكبر. اليوم، تبدو رغبته في حسم الخيار أكبر. لكن قدرته تبدو أقل. في كانون الثاني 2014، كان الحريري زعيماً غير منازع لتياره، كما لبيئته وجماعته. كانت إمكاناته العملية والمادية في حالة ملاءة مقبولة. وكانت علاقته بالمملكة السعودية، لا تزال مرعية بعهد الملك عبدالله وأبنائه. العهد الذي عرف والده، وشهد استشهاده، والتزم إرثه وناسه...
في أيلول 2016، يعاني الحريري من نزاع على زعامة تياره، من قلب تياره. كما يعاني تنافساً على زعامة بيئته وجماعته، من داخل الخط السياسي الذي ينتهجه. ويعاني من سلسلة أزمات في المجال المهني والعملي وما يتصل بهما. ويعاني خصوصاً من إشكالية ما في علاقته مع العهد السعودي الجديد. أو على الأقل، من تشكّل جديد لسلم أولويات الرياض حيال عواصم المنطقة، ومنها بيروت...
وفي المقابل، يوم كان سعد الحريري أقوى، تفرمل قراره، أو خياره، أو مجرد تفكيره في الاتفاق مع عون. ذهب إليه في باريس كثيرون. من تياره، ومن حلفائه، ومن وسطيين. وتتويجاً كان سعود الفيصل في العاصمة الفرنسية أيضاً، قال كلمته، فطوي الموضوع ولم يقض الأمر. لكن يظل ضرورياً التذكير، بأن الذين اعترضوا يومها على مشروع عون ــــ الحريري لدى الأخير، كانوا كلهم من حلفاء الحريري، ومن خصوم عون في حينه.
اليوم، حين تبدو رغبة الحريري في التعاون مع عون أكبر، وقدرته على تجسيد ذلك أدنى، تظهر مفارقة لافتة مستغربة. إذ تمكن الحريري، رغم كل ما يحكى وما يسرب ويشاع، من ضبط فريقه. كما تمكن من تدبُّر علاقاته مع حلفائه. سمير جعجع سبقه إلى التأييد. الكتائب لا ترفع اعتراضاً انقلابياً. جنبلاط يلتزم الصمت الخلاق... حتى داخل تياره، استطاع الحريري فرض "تفكيره" الجديد بسهولة ومرونة. متكلاً على وحدة قرار العائلة خلفه، كما على تنسيق بناء مع رموز التمايز في البيت الأزرق. حتى السنيورة، ولو شكلاً وعلناً، توافق مع رئيسه الحريري، واتفق معه مسبقاً يوم الاثنين على بيان كتلة المستقبل الذي صدر في اليوم التالي. وفي ذلك الاجتماع لم تكن أصوات نافرة. ولا خروق للسقف الحريري. باختصار، فرض الرجل نفسه مرة أخرى، ضابطاً لكل تلوينات تكوينه السياسي.
في المقابل، ظهرت العقبات حيال توجه الحريري، حيث لا يفترض أن تظهر. لا داخل تياره ولا بين حلفائه. بل في المقلب الآخر. داخل فريق خصومه وبين أقطاب هؤلاء تحديداً. بدليل المواقف المعلنة أو المضمرة، لكل من سليمان فرنجيه ونبيه بري. مشهد ــــ مفارقة، يحمل في الانطباع الأول إيجابية شكلية. فهو يكشف بداهة، وعند امتحان القوة ومحك الأزمة، أن الاصطفاف القائم في البلد، ليس طائفياً ولا مذهبياً في جوهره. لا بل أنه بات يتخطى كل الاصطفافات التي قامت في البلد منذ العامين 2005 – 2006، بين أسبوعي آذار الشهير وما أعقبهما. صار الاصطفاف في راهنه اليوم، أقرب إلى طبائع الأشخاص وطبيعة التشكيلات السياسية ومصالحها، ورواسب المراحل الماضية وما علق من اعوجاجات النظام في زمن اللانظام... وهو أمر قد يشكل نقطة أقل سلبية، مقارنة بحالة تعميق الانقسام الطائفي والمذهبي.
غير أن أسوأ ما في هذا المشهد أنه يلقي بكل ثقله على كاهل حزب الله. حتى أنه يظهر خطابه الرئاسي محرجاً على الأقل، بمواقف حلفائه. وهو الخطاب الذي أظهر ثباته منذ أعوام في دعم ترشيح عون، وكرس توجهه إلى خصومه في ضرورة السير بهذا الترشيح، ممراً إلزامياً ومستقراً انتخابياً وحيداً للاستحقاق الرئاسي. هو الخطاب الذي يجد نفسه اليوم، وكأن لا من يتوجه إليه. وهو الخطاب الذي سيجد نفسه الآن، بين تحامل الخصوم، وتحميل الحلفاء. تحامل خصومه، يتمثل في تلقف هؤلاء للمشهد المتكشف بعد الانعطافة الحريرية، فرصة لتكرار لازمة أن الحزب لا يريد عون. أو لا يريد أصلاً رئاسة. أما "تحميل" الحلفاء فيظهر في تصعيد بري من جهة، وفي انكفاء عون من جهة أخرى. ففي اعتبار عون أن لا شيء يعطيه، ولا من يلتزم حياله. وأن كل ما يحكى عنه من سلة أو صفقة أو تسوية، إنما يحدده الدستور والميثاق. فالحكومة يشكلها رئيسها المكلف. لا رئيس الجمهورية قبل انتخابه ولا بعده. وتركيبة الحكومة يوزعها الميثاق على الطوائف. وبالتالي فعلى مرجعيات هذه الطوائف حسم صيغها في ما بينها.
أكثر من ذلك، يبدو عون منصرفاً إلى كتابة خطاب يلقيه في تاريخ قريب غير محدد بعد. خطاب بنسخة واحدة موحدة، وعبارة "حكمية" واحدة معلقة حتى اللحظة الأخيرة. متن الخطاب الذي بدأ الرجل بكتابته، يفصل كيف تبنى الدولة، وكيف يحصن الميثاق، وكيف ينقذ الوطن. أما العبارة المعلقة، فهي محسومة بين صيغة من اثنتين. إما "أقسم بالله العظيم" ... وإما "اللهم اشهد انني قد بلغت"!