على الطريق الفاصل بين قضاء كسروان وفتوحه، افتُتح مستشفى حكومي في محلّة البوار قبل عقد من الزمن. صحيح أن الوصول إليه صعبٌ، كون البنى التحتيّة متهالكة والطرقات سيئة، لكنّها من المصاعب التي اعتادها الكسروانيون في مختلف مناطق القضاء، وتبقى، بالنسبة إليهم، أهون من الانتظار في بهو المستشفيات الخاصّة وتحمّل فاتورتها الاستشفائيّة المرتفعة. إلا أن المبنى الاستشفائي الذي شُيّد ليستوعب نحو 120 سريراً، لا يعمل فيه اليوم أكثر من 20 سريراً، ما يشير الى أن المرضى فضّلوا تحمّل أي شيء بدل الاستشفاء هناك.

عام 2005، انتهت أعمال بناء مستشفى "فتوح كسروان الحكومي"، وعيّن مجلس إدارة جديد لفترة ثلاث سنوات لافتتاحه وبدء تشغيله. يومها ساهم نواب كسروان وجبيل بتأمين 1.6 مليون دولار هبة من الكويت، وحوّل إلى صندوقه مبلغ مليوني دولار لتشغيله كان مخصّصاً لمستشفى بنت جبيل الحكومي. وخلال ست سنوات، أقيمت حفلات سنويّة لافتتاحه من دون أن يستقبل مريضاً واحداً، إلى أن فتحت أبوابه أخيراً نهاية عام 2011. نجح المستشفى في استقطاب أبناء كسروان والمناطق المجاورة، لكن ذلك لم يدم طويلاً. فبعد سنة، بدأت مرحلة الانتكاس التي تجلّت بانخفاض عدد المرضى، والإضرابات المتتالية للطاقم الوظيفي والأطباء احتجاجاً على سوء الإدارة والفساد الذي استشرى سريعاً.

انحدار سريع

من يدخل المستشفى اليوم لا يرى سوى "الحدائقي" الذي تحوّل الى مساعد ممرّض، وعاملة النظافة التي باتت تقنيّة في التصوير الشعاعي، إضافة إلى ممرضة واحدة مناوبة للعناية بالمرضى. السبب المباشر في تدهور وضع المستشفى هو اعتكاف كثير من الأطباء (في المستشفى أكثر من 200 طبيب، يعمل أقل من عشرة منهم) عن إدخال مرضاهم إليه، لافتقاره إلى الطاقم الطبي المتخصّص (ممرّضة واحدة لكلّ عشرين مريضاً، فيما المتعارف عليه هو ممرّضة لكل عشرة مرضى)، وإلى كثير من التجهيزات الضروريّة لإجراء العمليّات والتدخّلات الطبيّة، ما انعكس على أقسام عدّة مثل جراحة الأنف والحنجرة، وجراحة العين، والأطفال التي لم تعمل إلّا نادراً.
ولكن، بالنسبة إلى مدير المستشفى شربل عازار، الوضع طبيعي لا بل "ممتاز"، فهو يرى أن "المستشفى مزدهر، وقد بات من الأهم في جبل لبنان، إذ حصل على إفادة من وزارة الصحّة ومنظّمة الصحّة العالميّة تصنّفه ضمن مستشفيات الفئة الأولى، واحتل المرتبة الأولى بين كلّ المستشفيات الخاصّة والحكوميّة لناحية رضى المريض عن العناية المقدمة له"، معتبراً هذه الإفادة بمثابة ردّ على الشائعات التي تطاله.
لا يبدو أن كلام عازار يطابق ما يحصل فعلاً في أروقة المستشفى. فبحسب المصادر، شهدت السنوات الماضية صراعاً بين اللجنة الطبيّة ونقابة الأطباء من جهة، وإدارة المستشفى من جهة أخرى، بعدما طلبت من الأطباء توقيع تعهّد يحمّلهم مسؤوليّة إجراء الجراحات في غرف العمليّات الموبوءة نظراً إلى تعطّل المكيّف فيها وعدم تعقيمها دورياً، إضافة إلى تسرّب رائحة المازوت من مولّدات الكهرباء إليها.

العجز المالي هو الحجة للإفراط في طلب فروقات تتخطّى الـ 5% المنصوص عليها قانوناً

أوبئة وجراثيم

عملانياً، تحوّل المستشفى في فترة قصيرة، كما حال المستشفيات الحكوميّة، إلى مكان يعمّه الاستهتار بصحّة المرضى وحياتهم، وبات مكاناً غير صالح لاستقبالهم، أولاً بسبب تكرّر وتكدّس الأعطال في أدوات التنظير المعوي والسكانر من دون تصليحها (بعضها لا يزال معطّلاً حتى اليوم). وثانياً لافتقار المستشفى الى كثير من المعدّات الضروريّة لإجراء العمليّات الجراحيّة أو الطارئة. وثالثاً للتعطّل المتكرّر في المولّدات الكهربائيّة بالتزامن مع انقطاع متقطّع في بطّاريات الشحن. ورابعاً للتعطّل المتكرّر لجهاز فحص نسبة الأوكسيجين في الدم وأجهزة فحص الدم في المختبر. يضاف إلى ذلك، اكتشاف الجسم الطبيّ والتمريضي جرثومة الـ Pseudomonas في المياه صدفة، بسبب عدم إجراء الفحوص الدوريّة المُكلّفة بها إحدى الشركات المتعاقدة مع المستشفى، وتحوّل غرفة العمليّات إلى مكان موبوء بالجراثيم.
كلّ ذلك يدرجه عازار في خانة "الشائعات". يتغاضى عن المئة سرير المغلقة، وامتناع الأطباء عن إدخال مرضاهم إلى المستشفى، واستقالة ممرضات متخصّصات في العلاج الكيماوي، ليؤكد: "نحن نعمل بضمير حيّ. أمّا عن ادعاءات الأطباء بوجود جراثيم فتدفعنا إلى الاستغراب من استمرارهم في معالجة مرضاهم عندنا. يبدو أن المستشفى حليت بعيونن وبدّن يّاها لأنها الأولى".

احتجاجات ومخالفات بالجملة

لا تتوقّف المشكلات على التجهيزات والأعطال المتكرّرة والجراثيم التي تنخر المستشفى، فهناك أيضاً سوء الإدارة وتفشي الفساد. منذ خمس سنوات وحتى اليوم، نُفّذت في المستشفى ثلاثة إضرابات كبرى توقّف خلالها الأطباء والطاقم التمريضي عن العمل. الأوّل كان بسبب تمنّع إدارة المستشفى عن دفع رواتب العاملين لأربعة أشهر متتاليّة. والثاني لعدم دفع مستحقّات الأطباء بعدما تسلمت الإدارة 183 مليون ليرة بدل أتعابهم وصرفتها لدفع رواتب الموظّفين خلافاً لمبدأ فصل الأتعاب، ليعودوا ويقبضوها بعد ثلاث سنوات من الإضرابات المتتاليّة، من السقف المالي لعام 2015. أمّا الإضراب الثالث فسببه طرد ثلاثة أطباء بنج رفضوا العمل في قسم الطوارئ بدلاً من الأطباء الاختصاصيين، وذلك بعد افتتاح القسم غير كامل التجهيزات أصلاً.
مقابل ذلك، تبقى معزوفة العجز المالي الحجّة الدائمة للإفراط في طلب فروقات تتخطّى الـ 5% المنصوص عليها قانوناً من المرضى لتغذية صندوق المستشفى. إلّا أن هذه المعزوفة لم تمنع من توظيف طبيب براتب مرتفع لتغطية الأوراق الصحيّة والإدارة الطبيّة فقط، أو أخذ قرارات لدفع مساعدات مدرسيّة مع مفعول رجعي. ناهيك عن خلافات ماليّة مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي توقّف منذ سنة عن دفع المستحقات لتخلّف المستشفى عن دفع الرسوم المفروضة عليه. أمّا مصالحة 2012 فقد عقدت من دون قرار قضائي، فيما مصالحة 2013 التي حوّلت بالكامل، عقدت لخطأ ارتكبه الموظّف المالي الذي احتسب السقف المالي مدوّناً المبلغ المطلوب المخصّص للاستشفاء على أنه سنوي لا شهري. وتضاف إلى ذلك فواتير ملغومة مثل كلفة تصليح المكيّفات التي وصلت إلى 140 ألف دولار، و89 ألفاً لصيانة المولّدات، وملفات تحايل عبر تبديل هويات المرضى وتحويلهم من أطباء إلى آخرين، وهي ملفات وصلت إلى وزارة الصحّة التي لم تحرّك ساكناً حتى اليوم، بحسب المصادر المتابعة.

لا من يسمع

حاولت "الأخبار" التواصل مع وزير الصحّة وائل أبو فاعور ووزاته من دون نتيجة. أمّا عازار الذي صدر مرسوم تعيينه في شباط 2005، فيشير إلى أن المستشفى بدأ العمل فعلياً منذ 5 سنوات، بحجّة أن "المبنى لم يكن صالحاً (في تضارب مع تصريحاته عام 2005 ــــ 2006 التي أعلن فيها أن المبنى جاهز لاستقبال المرضى في حال توافر مبالغ تشغيله)، وهو يقع في قلب الوسط الطبيّ، حيث المنافسة قويّة، وتالياً يهجرنا الممرضون/ات للعمل في مستشفيات خاصّة حيث الرواتب أعلى، إذاً الأمر لا علاقة له بالتقصير أو سوء الإدارة أو عدم دفع الرواتب. فليذهبوا إلى القضاء، وديوان المحاسبة، والتفتيش المركزي، ووزارة الصحّة، ومجلس الخدمة المدنيّة إن كان هناك أمر ملموس". يسكت قليلاً قبل أن ينهي حديثه متكلّماً عن أفضاله: "للعلم، إنني، وإضافة إلى عملي في المستشفى، أقوم بدور المبشّر، وأنصح الشبّان والشابّات بالتخصّص في مجال التمريض". خطوات عازار "مدروسة" فهو يستعدّ لتجهيز أقسام جديدة تضاف إلى الأقسام المغلقة في المستشفى، لغسل الكلى وتمييل القلب وجراحة القلب المفتوح، عسى رسالته التبشيريّة تثمر ممرضين وممرضات للعمل فيها.




اللجنة المؤقتة

في 15/7/2016 صدر قرار عن الوزير وائل أبو فاعور يقضي بتعيين لجنة مؤقتة لإدارة مستشفى "فتوح كسروان الحكومي" بطلب من الرابية، ويرأسها الدكتور أندريه قزيلي وتضمّ 6 أعضاء ومفوّض حكومة محسوبين على التيار العوني والنائب السابق منصور البون. مرّ شهران والمماطلة في تطبيقه هي سيّدة الموقف. لا يزال عازار صامداً في موقعه بدعم من البطريرك بشارة الراعي، الذي تمنّى على النائب وليد جنبلاط إيقاف قرار تعيين لجنة بديلة، وبإلحاح حثيث من نواب سابقين، علماً بأن خيار تغيير عازار مطروح منذ فترة، إذ انتهت صلاحية مرسوم تعيينه منذ عام 2008، وقدّمت إلى وزارة الصحّة ملفات كلّ من الدكتور وليد ريشا وجان كلود بستاني، وأجريت معهما المقابلات لتولي المنصب مكانه.
بعد إصدار قراره، أرسل أبو فاعور طلباً إلى مجلس الخدمة المدنيّة للموافقة على إنهاء خدمة مجلس الإدارة والمدير ومفوّض الحكومة، فأتى الردّ منذ نحو أسبوع، بأن لا صفة للمجلس لقبول استقالة أو إقالة أحد، وهي صلاحيّة مناطة بالوزير.
راهناً، هناك رأيان قانونيان، يشير الأول إلى أن تعيين عازار صدر بمرسوم، وتالياً إزاحته تحتاج إلى مرسوم عبر تعيين مجلس إدارة أصيل. ويستند الثاني إلى دراسة قانونيّة تؤكّد أن القرار قانوني، وخصوصاً أن قرارات مماثلة تم اتخاذها في 13 مستشفى أخرى؛ من بينها مستشفى شبعا الذي صدر قرار تعيين لجنة إداريّة فيه بالتزامن مع قرار مستشفى البوار، من دون العودة إلى مجلس الوزراء كون اللجنة المؤقتة لا تخضع للمعايير المفروضة في مجلس الخدمة المدنيّة.