وصل رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني، صباح أمس، إلى العاصمة العراقية في زيارة هي الأولى بعد أربعة أعوام على الخلافات بين حكومة الإقليم والحكومة المركزية، والتي قابلها البرزاني بمقاطعته بغداد. وقد سبق الزيارة حدثان: الأول إعلان الحكومة العراقية موافقة واشنطن على زيادة عدد المستشارين الأميركيين بناء على طلبها، الأمر الذي لم يلقَ أي تنديد أو معارضة أو انتقاد، على عكس المواقف السابقة الصادرة عن أطراف عراقية عدة في هذا المجال. أما الحدث الآخر، فهو اتصال نائب الرئيس الأميركي جو بايدن بالبزراني في ساعة متأخرة من ليلة أول من أمس، وإعلان تأييده وترحيبه بزيارة رئيس الإقليم لبغداد ودعمه لها.

وفي المؤتمر الصحافي المختصر (لم يتلقّيا فيه أسئلة الصحافيين)، حرص العبادي ورئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي على انتقاء المفردات بعناية، حتى بدت كأنها رسائل مشفرة من الجانبين بخصوص القضايا التي تمّت مناقشتها. فقد أكد العبادي أنه ناقش «الخطة النهائية لتحرير الموصل» مع البرزاني، وأن الساعة الصفر يحددها هو باعتباره القائد العام للقوات المسلحة. في المقابل، استهل البرزاني المؤتمر بتأكيده «الدعم القوي» للعبادي وحكومته، مشيراً إلى أن «أولى الأولويات القضاء على داعش ودحر الإرهاب». وأشاد، للمرة الأولى، بجهود الجيش العراقي الذي وصفه بـ«جيشنا» و«الحشد الشعبي» في عمليات التحرير، التي خاضاها في الأنبار والشرقاط، مهنّئاً بالتقدم الميداني الذي تحرزه القوات العراقية.
وقد اتفقت مصادر مقرّبة من العبادي، وأخرى كردية، على حصول اتفاق بشأن أبرز القضايا المُختلف عليها، وفي مقدمها معركة تحرير الموصل ومشاركة «الحشد الشعبي» والبشمركة، فيما جرى وضع آلية للوصول إلى حلول بشأن القضايا الاقتصادية والمالية بين بغداد وأربيل، في ما يخص الاتفاق النفطي.

كُشف عن تحالف بين البرزاني والعبادي والحكيم والصدر وعلاوي

وأكدت المصادر لـ«الأخبار»، الاتفاق على توزيع الأدوار والمهمات في معركة تحرير مدينة الموصل المرتقبة، بين قوات الجيش العراقي و«الحشد الشعبي» والبشمركة، مشيرة إلى أن الأخيرة ستكون بإمرة العبادي وضمن قيادة العمليات المشتركة، وفق ما تمّ الاتفاق عليه في نيويورك خلال لقاء العبادي بالرئيس الأميركي باراك أوباما.
أما بشأن الوجود التركي، فقد قال مصدر مقرّب من الحكومة لـ«الأخبار» إنّه «جرى الاتفاق مع البرزاني على الانسحاب التدريجي للقوات التركية من شمال العراق، مقابل سحب قوات حزب العمال الكردستاني الـ PKK»، مضيفاً أن «هذا الاتفاق ثلاثي بين بغداد وأربيل وواشنطن»، ونافياً في الوقت ذاته أي مشاركة للأتراك في عملية الموصل.
وفي ما يتعلّق بالأوضاع المالية والاقتصادية، فقد أبلغ مصدر كردي «الأخبار» إلغاء الاتفاق الأخير بين بغداد وأربيل، والعمل على وضع آلية جديدة بشأن تصدير النفط وإيراداته، مرجحاً أن يتم رفع حصة الإقليم بنسبة 3% لتصل إلى 20% بهدف تمكّن الإقليم من دفع رواتب الموظفين ومستحقاتهم، بعد موجة غضب عارمة بدأت مطلع الأسبوع الحالي وتصاعدت، أمس، إلى إعلان بعض الموظفين الإضراب عن الدوام.
سياسياً، كشفت مصادر عن بوادر اتفاق على تشكيل تحالف سياسي بين حزب البرزاني وجناح العبادي ورئيس المجلس الأعلى الإسلامي عمار الحكيم، و«التيار الصدري» بزعامة مقتدى الصدر، ورئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، وذلك في مقابل الاتفاق الأخير بين حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني» بزعامة جلال الطالباني وحركة «التغيير» ورئيس ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي، وما أوحى بذلك خلو جدول أعمال زيارة البرزاني من أي لقاء مع رئيس البرلمان سليم الجبوري والمالكي.
وجوبهت زيارة البرزاني بانتقاد المعارضة الكردية وجناح رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في ائتلاف «دولة القانون» الحاكم، فقد دعا النائب في البرلمان عبد السلام المالكي المقرّب من نوري المالكي، إلى اعتقال البرزاني بتهمة «التخابر مع إسرائيل وتركيا وتهريب الثروات النفطية». وأشار إلى أن البرزاني مطلوب للقضاء العراقي ضمن القوانين النافذة، معتبراً أن «عدم اعتقاله يمثل انتهاكاً صارخاً للقوانين الجنائية العراقية».
أما المعارضة الكردية، المتمثلة بحركة «التغيير»، فقد دعت إلى التعامل مع البرزاني بصفته رئيساً لـ«الحزب الديموقراطي الكردستاني» وليس رئيساً لإقليم كردستان، كونه «أصبح فاقداً للشرعية». وقال القيادي في الحركة هوشيار عبدالله، في حديث إلى «الأخبار»، إن زيارة البرزاني هي ردّة فعل على الزيارة الأخيرة التي قام بها نوري المالكي إلى كردستان، ولقائه «الاتحاد الوطني الكردستاني» بزعامة الطالباني، متهماً البرزاني بالوقوف وراء تدهور العلاقة بين أربيل وبغداد.
من جهته، لفت رئيس «مركز التفكير السياسي العراقي» إحسان الشمري إلى أن «الملفات التي ناقشها العبادي والبرزاني والمعطيات التي تؤكد إمكانية الاتفاق عليها، ستؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات، وخصوصاً في ظل تضييق الخناق على البرزاني سياسياً واقتصادياً». وأشار في حديث إلى «الأخبار» إلى أن «إقالة وزير المالية هوشيار زيباري قلبت الكثير من الموازين، وغيّرت الكثير من المعادلات لدى الأكراد، وتحديداً حزب البرزاني».