في حواراته الإعلامية، كرّر المرشح للرئاسة الأميركية عن الحزب الجمهوري دونالد ترامب، الانتقاد لإدارتي جورج بوش وباراك أوباما، بسبب عدم الاستئثار بالنفط العراقي بعد غزو العراق. لم يكلّف ترامب نفسه تبرير ذلك، فهو يتحدث بعفوية الأميركي المتغطرس، وبمنطق أن بلاده تستطيع فعل ما تريد بعيداً عن المحاسبة. ويبدو أن الكونغرس الأميركي، بشقيه الديموقراطي والجمهوري، استبق الانتخابات وقرر التصرّف بالروحية ذاتها، من خلال إقرار قانون يسمح بمحاسبة السعودية، على خلفية هجمات ١١ أيلول ٢٠٠١. بمعزل عمّا إذا كانت الرياض متورّطة بدعم الإرهابيين أو لا، يبقى قانون «محاكمة رعاة الإرهاب ــ جاستا» غير مختلف عن كل القوانين التي صدرت، والتي تتخطى قوانين الكتل والدول البعيدة، سواء في أوروبا أو في آسيا. إنه قانون تفرضه الولايات المتحدة وسيسمّم النظام العالمي بأسره، وقد يقوّضه كلياً، حتى نشوء نظام عالمي جديد. حذّر الرئيس باراك أوباما صراحة من أن التشريع يهدّد مبدأ الحصانة السيادية للدول بالانهيار التام. وما لم يذكره أن الحكومة الأميركية نفسها قد تصبح هدفاً سهلاً لمحاكمات على خلفية مغامراتها العسكرية الطائشة في كل مكان، ذلك أن كل غارة لطائرة من دون طيار قد تتحوّل إلى قضية، بينما يرى المحامون الأميركيون وسواهم في ذلك فرصة ذهبية لا تعوّض للاسترزاق.

لم تحجز الولايات المتحدة الأرصدة والاستثمارات السيادية السعودية بعد، لكن قد يحصل هذا الأمر فجأة وسريعاً ليطاول مئات مليارات، وربما تريليونات الدولارات من الاستثمارات السعودية الخاصة والعامة في الولايات المتحدة وخارجها. وقد وجّه وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، قبل أشهر، تهديداً إلى الولايات المتحدة بسحب ٧٥٠ مليار دولار من السوق الأميركية، بما يهدّد سوق الأوراق المالية بالانهيار. ولكن بفضل التهديد، يستطيع ذوو ضحايا ١١ أيلول التوجه إلى المحاكم في مانهاتان لإقناع القضاة بالتعجيل بالتحفّظ على الأرصدة والاستثمارات السعودية في الخارج. وستكون الحجة لديهم قوية لأنها صدرت عن مرجعية رسمية سعودية. إذاً، قد يحصل سباق بين الولايات المتحدة والسعودية بشأن حجز الأموال أو سحبها، وما يصيب السعودية يرعب الكويت وقطر والإمارات والبحرين.
بعيد وقوع «غزوة مانهاتان»، كما سماها زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن، سارع الكثير من المستثمرين السعوديين إلى سحب عشرات مليارات الدولارات من أموالهم وضخّوها في السوق السعودية، ولا سيما في الأسهم والعقارات. وأحدثت عودتها تضخّماً في الأسعار وانتفاخاً مَرَضياً إلى حد كبير في قطاعات استهلاكية وخدمات معيّنة، فلم تُحل أزمة الإسكان، ولم تؤمّن وظائف لجيوش الشباب العاطل من العمل.
لكن الوضع في الخليج عموماً، والسعودية خصوصاً، مختلف الآن عمّا كان عليه قبل ١٥ عاماً. هناك توتر عسكري في المنطقة بأسرها بين السعودية وجاراتها، ولا يبدو أن حرب اليمن ستضع أوزارها قريباً. وهذا الأمر لا يوفر بيئة جذابة للرساميل السعودية الهاربة من رمضاء الولايات المتحدة إلى نار نزاعات الشرق الأوسط. الرساميل الخليجية عموماً تهرب من المنطقة إلى آسيا وأوروبا، منذ اندلاع حرب اليمن، وتُوظَّف في القطاع العقاري، وخصوصاً في أماكن تمتد من أذربيجان شرقاً مروراً بتركيا والبلقان، ووصولاً إلى الجزر البريطانية والمغرب. ويحاول الخليجيون، وعلى رأسهم السعوديون، توفير ملاذ آمن لأموالهم وأسرهم خشية وقوع الأعظم، أي حرب شاملة في المنطقة، ولا سيما أن الخوف قائم ويتحدثون عنه في السرّ والعلن. وليس أدلّ على ذلك من الارتفاع الذي شهدته قطاعات المساكن في المناطق المذكورة. هناك أحياء بكاملها في تلك الدول مملوكة لصناديق خليجية.
من جهة أخرى، سيعود تجميد الأموال السعودية بالضرر الكبير على شركات كبرى مثل «آبل»، التي باتت أكبر الشركات من حيث القيمة السوقية. وهذا إجراء من شأنه إحداث بلبلة كبيرة في سوق الأسهم والسندات الأميركية، وستمتد عدواه إلى أسواق أخرى، لكون السوق الأميركية تُعَدّ الأكبر والأكثر حيوية.
هل أغفل الأميركيون هذا الخطر؟ وكذلك خطر هجرة الرساميل الخليجية، وليس فقط السعودية من الولايات المتحدة؟ الإجابة عن هذا السؤال قدمها المستشار السابق للبيت الأبيض جاك كوين، الذي تحرّك بين أعضاء الكونغرس مشجعاً على نقض فيتو أوباما. وقال إن القانون يمهّد لكي ترسل محكمة الاستئناف في نيويورك قضية رفعها ألفان من ذوي ضحايا ١١ أيلول إلى القضاء، وكانت عالقة بسبب مبدأ الحصانة السيادية للحكومات. كوين يعمل حالياً مستشاراً قانونياً في القضية نفسها، وقد واجه في الدعوى تحدياً من السلطات السعودية التي أنفقت مئات ملايين الدولارات للتصدي لها، لكنه نجح وأخفقت. وفي هذا السياق، أشار إلى أن القضية «ستساعد في هزيمة الإرهاب بمساعدة حلفائنا». والواضح من هذا القول أن على الحلفاء أن يتعاونوا كي لا يُغضبوا المشرّع الأميركي. أما عدم التعاون، فيهدد الدول نفسها، كما يُلاحظ من الدعاوى الأميركية على مصارف أوروبية بتهم مختلفة، كان آخرها تغريم المصرف الألماني العملاق «دويتشه» بمبلغ فلكي يصل إلى ١٤ مليار دولار.
وسواء أكانت الحكومة السعودية ضالعة في دعم العمليات الإرهابية على الأراضي الأميركية أم لا، فقد صدر القانون، ولا يمكن تغيير شيء فيه بسبب الانتخابات الوشيكة. وسيشكل هذا القانون مفصلاً في العلاقات الدولية لا يقل أهمية عن إبطال العمل بالسرية المصرفية في غير مركز مالي، وعلى رأسه المصارف السويسرية.