في ختام جولاته على أبرز القوى السياسية، حطّ الرئيس سعد الحريري في منزل الجنرال ميشال عون في الرابية مساء أمس، ليعقد لقاءً مطوّلاً مع المرشّح الرئاسي، امتد على مدى ساعتين ونصف ساعة. وكما كان متوقّعاً، لم يخرج الحريري بأي موقفٍ علني بعد اللقاء، تاركاً إعلان موقفه النهائي، بشأن خياراته الرئاسية، إلى ما بعد جولة له في الخارج، تبدأ في تركيا وروسيا، وربّما تمتدّ إلى الإمارات ودول عربية أخرى. وجرى التداول أمس بمعلومات في بيروت، تفيد بأن جولة الحريري ستقوده إلى المملكة العربية السعودية، بعدما فُتح الباب لتسوية مشكلاته، من دون أن تتمكّن «الأخبار» من التثبت من صحة هذه المعلومات. وأكّدت مصادر الرابية لـ«الأخبار» أن «الأجواء كانت إيجابية جدّاً بين الطرفين، وهناك تقارب كبير في المواقف، وكان الاتفاق على استكمال اللقاءات»، مشيرةً إلى أن «أمر إعلان الترشيح ليس عند الرابية، بل عند الحريري». من جهة ثانية، علمت «الأخبار» أن اللقاء الذي جمع الحريري برئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع لم يختلف عن اجتماعات الحريري السابقة، بكونه لقاءً «استطلاعياً» لموقف جعجع من التطوّرات الأخيرة.

وبات مؤكّداً أن الحريري، لن يقدم على أي خطوة علنية، من قبيل إعلان التخلي عن ترشيح النائب سليمان فرنجية أو إعلان ترشيحه لعون، قبل استكمال لقاءاته، وخصوصاً لجهة التأكّد أن الفرقاء الآخرين، الذين يبدو الرئيس نبيه برّي الصوت الأبرز بينهم، لن يعارضوا اتجاهات الحريري الجديدة، إذا ما قرّر السير بها بعد التنسيق معهم.

الحريري لن يعلن موقفاً واضحاً قبل ضمان نتيجة تحركه مع كلّ الأطراف

وردّاً على الأجواء التي جرى تداولها بعد ظهور برّي كرافض لترشيح عون، اعتبر المكتب الإعلامي لرئيس المجلس أن «الطروحات التي قدمها ويضعها (بري) بتصرف الجميع، تعكس تمسكه بجدول أعمال الحوار الوطني، وهي لا تستهدف أيّاً من المرشحين بعينه، ولكنها بنظرنا الممرّ الإلزامي لاستقرار الوضع السياسي والحفاظ على المؤسسات الدستورية وللحل المتكامل بدءاً بانتخاب رئيس الجمهورية».
ردّ بري، الذي اعتبرته مصادر الرابية «إيجابيّاً»، يتوافق مع «خريطة الطريق» التي وضعها رئيس المجلس، لعودة الحرارة في العلاقة مع الرابية. وتتضمّن هذه «الخريطة»: أوّلاً، في عودة وزيرَي التيار الوطني الحرّ إلى الحكومة وحضور جلساتها، ثمّ عودة التيار إلى مجلس النّواب والمشاركة في جلسة مجلس النّواب الأولى ضمن العقد العادي الذي يبدأ في 18 الشهر الحالي، لضمان اعتراف عون بشرعية المجلس النيابي. ثمّ إعادة إحياء طاولة الحوار، التي تضمن مشاركة الجميع في إنتاج «سلّة الحلّ الرئاسي»، وتضمن الاتفاق على مرحلة ما بعد الرئاسة، من الحكومة إلى قانون الانتخاب، بمعزلٍ عن المرشّح.
وعلّق عون على بيان بري بإعلان «التزام ما يُجمع عليه اللبنانيون، عبر مؤسساتهم الشرعية، كما على طاولة الحوار»، لكنّه سأل إن كان «هناك من يريد تسوية، ويبحث عن أفضل صيغة لمعادلتها؟ أم أن هناك من يريد إجهاض التسوية، ويبحث عن أفضل الذرائع لوأدها؟». ولاقى الوزير نهاد المشنوق أمس كلام عون، الذي ردّ على برّي بكلام مبطّن، سائلاً: «ما هي الحكمة من المناداة والبحث بتشكيل الحكومة قبل انتخاب رئيس جمهورية؟ لا أفهم ما دخل قانون الانتخابات بتشكيل الحكومة؟ قانون الانتخابات حق لكل القوى السياسية أن تبحثه طوال أيام السنة». وأكّد أنه «لن نقدم على أي خطوة دستورية قبل انتخاب رئيس للجمهورية. وهذا حق دستوري. وأخيراً لماذا لا يكون الحوار الوطني مفتوحاً بدل أن يكون مشروطاً؟». فيما برز كلام واضح لرئيس كتلة المقاومة محمد رعد أول من أمس، يظهر حرص حزب الله على سلّة برّي، متسائلاً: «لماذا تُعطَّل هيئة الحوار الوطني، ولحساب من، ولماذا تعطل الحكومة، وأين مصالح الناس والمجلس النيابي؟»، داعياً الجميع إلى «التعقل والهدوء وفتح القلوب ومدّ الأيدي، لأنه لا يحل الأزمة إلا التفاهم والشراكة الوطنية».
وتعليقاً على ما يُحكى عن أن «الحريري لا يريد عون»، وأن ما يقوم به من حركة سياسية هو للقول بأنه لا يزال موجوداً على الساحة السياسية، علّق قيادي مستقبلي في اتصال مع «الأخبار» بالقول، إن «الرئيس الحريري ليس محتاجاً لجولات للفت النظر حول حجمه ودوره السياسي، وذلك واضح لكل من يريد أن يرى الحقيقة لا أن يصفها على مزاجه. ولمن يريد أدلة على ذلك عليه أن يراجع زياراته للعواصم الرئيسية واستقبال الرؤساء له». وأضاف: «عندما يقرر الحريري مرشحه النهائي سوف يعلنه بالفم الملآن، سواء بالإصرار على ترشيح فرنجية، وهذا احتمال يتراجع، أو بالتفاهم على تسمية مرشح آخر بالتفاهم مع بري أولاً و(النائب وليد) جنبلاط ثانياً». وفي السياق عينه، لفتت مصادر سياسية «وسطية» إلى أن الحريري يتعمّد في لقاءاته عدم إظهار حماسة كبيرة لترشيح عون، تفادياً «لإحراق الطبخة» التي يعمل عليها من جهة، ولمنع ابتزازه من قبل القوى السياسية الأخرى التي تعتقد أنه يسعى جاهداً للوصول إلى رئاسة الحكومة بهدف الخروج من ضائقته الشعبية والمالية.
وبدا لافتاً أمس، توقيع وزيري التيار الوطني الحرّ جبران باسيل والياس بو صعب، على المرسوم «الجوّال» القاضي بترفيع العميد حاتم ملّاك إلى رتبة لواء، بغية تكليفه بتسيير أعمال رئاسة أركان الجيش بعد إحالة اللواء وليد سلمان على التقاعد. وفيما يُبرّر العونيون توقيعهم للمرسوم بتمسكهم بضرورة إجراء التعيينات في المراكز الشاغرة والابتعاد عن التمديد، ولا سيّما في الجيش، اعتبر البعض خطوة التيار الوطني الحرّ في ظلّ مقاطعة العونيين لمجلس الوزراء، مجاملةً للنائب وليد جنبلاط، عطفاً على المستجدات الرئاسية الأخيرة، وفتحاً لباب يمكن أن يؤدي ــ بعد مشاورات ــ إلى عودة وزيري التيار إلى مجلس الوزراء.
ووقّع مرسوم ترقية ملّاك إلى لواء 20 وزيراً، وكان آخر الموقعين رئيس الحكومة تمام سلام. وامتنع عن توقيعه الوزيران المستقيلان أشرف ريفي وآلان حكيم، والوزيران رمزي جريج وأكرم شهيب لوجودهما خارج البلاد. بعد ذلك، أصدر وزير الدفاع سمير مقبل قراراً قضى بتكليف ملاك تسيير أعمال رئاسة الأركان من غير اقتران التكليف على جاري العادة، بعبارة حتى تعيين رئيس أصيل.